الأم وتعليم الطفل تحمل المسؤولية

الكاتب الدكتور علي القائمي

تكون التربية في دور الطفولة كبذرة زرعت في أرض متناسبة نبتت وتعمقت جذورها واستوى سوقها فسيقوى ويستقيم كل أساس وضعت لبناته في مراحل الطفولة إلى الأبد إلا إذا زعزعته أعاصير الحوادث وهزّته الزلازل.

ضرورة تفويض المسؤولية للطفل:

من المسائل التي يجب وضع لبناتها الأولى في مرحلة الطفولة هي العمل وروح تحمّل المسؤولية في الطفل. فالعمل والمسؤولية هما أساس الحياة الشريفة للبشر. يربّى هذا الجانب فيه على أساس أنه جزء يرتبط بالأسرة وفي الوقت الذي يتمتع بشخصية مستقلة وسيضطر إلى تحمل مسؤولياته من النجاح والإحباط في الحياة، فيجب أن تعود على العمل ويكون صلباً لا يتزعزع في تحمل المسؤولية بشكل يصبح ذلك عنده في السنين 13-14 ملكة وعادة ثانوية.

ويجب على الأم بكونها المسؤول الأول في هذه القضية أن تشحن فيه هذه الروح المعنوية وتفوض إليه الأعمال وتعطيه المسؤوليات التي تناسبه وتشركه في النشاطات الأسرية كي لا يستصعب المشاكل التي تواجهه في المستقبل، وتنقذه من حالة الاسترخاء والدلال والميوعة.

يجب التدرّب على المسؤولية:

يفتح الطفل عينيه على الحياة ويضع قدمه فيها ولديه الإحساس بتحمل المسؤولية، ليس بمفهومها المادي على الأقل. فيجب أن يتدرب على ممارستها، وسيشعر بها أثناء نموه عن طريق مشاهدته لمسؤوليات الآخرين وعن طريق أوامر الوالدين.

يتعلم الطفل المسؤولية ويتقبلها بالتدريج فعلى المربي أن يتمتع بالصبر والنفس الطويل من أجل ذلك.

الأم وتحمّل المسؤولية عند الطفل:

يكتسب الطفل من الأسرة أولى تجاربه في تحمّل المسؤولية، وسيتعلم ذلك من أمه لأن اتصاله أكثر ما يكون بها وسيتجذر بواسطتها عنده. إن عليها بكونها قدوة من جانب أن تهيّئه عن طريق الأوامر والنواهي من جانب آخر لتحمل المسؤوليات. تخطئ بعض الأمهات عندما يمتنعن عن إعطاء المسؤوليات للطفل بحجة الترحم والعطف. فسيكبر الطفل شئنا أم أبينا ويجب أن يتهيأ لمواجهة عالمه في الغد وستواجهه مصاعب جمة في المستقبل إذا لم يأخذ الإحساس بالمسؤولية مكانه في قلبه منذ الصغر. ويجب على الأم أن تكون الأنموذج والقدوة في تعليم وتدريب الطفل على تحمل المسؤولية، فلا تفرض عليه عملاً لسبب تعبها أو لشعورها بالكسل.

من أين تبدأ المسؤولية؟

يبدأ تعليم الطفل تحمل المسؤولية منذ سنيه الأولى وفي الوقت الذي يجد للحياة معنى ويدرك نوعاً ما قيمتها حيث ندرّبه على تحمل المسؤولية عندما يفهم أنّ الحياة أفضل من الموت، ويسعى إلى أن يعمّر أطول ويعيش أفضل. تستطيع الأم في هذه الحال أن تمنحه القدرة على الانتخاب وإبداء الرأي وتسعى لتقوية هذه الخصلة لديه.

ويمكن للأم أن توكل للطفل مع مراحل رشده ونموه في حدود استطاعته بعض المسؤوليات في المنزل مثل، سقي الورود، تنظيم وترتيب الكتب أو وسائل اللعب، إطعام الحيوانات، والإهتمام بشؤون أخته أو أخيه الصغيرين. وتمتنع عن تحميله ما لا يطيقه لئلا يؤدي ذلك إلى إهماله وضجره فيترك الحابل على النابل.

نوع المسؤوليات:

تتفاوت أنواع المسؤوليات التي توكل إلى الطفل بتفاوت عمره، ذكرنا بعضها آنفاً, ونستطيع أن نذكر من أنواعها الأخرى، تنظيف الشبابيك، ترتيب الآنية، وضع سفرة الطعام، تنظيف وغسل الأطباق، صبغ الأحذية، تزيين الغرفة، الردّ على التلفون، الكنس، والعمل بالآلات والأدوات مثل المطرقة، المنشار، والمفك ... الخ.

وسيتوسع من الطبيعي مجال عمله ونشاطه في سنوات المدرسة وسيتقبل مسؤوليات أكبر في واجباتها المدرسية. فيمكن توسيع دائرة مسؤولياته لتشمل القيام ببعض التصليحات الجزئية للأدوات والأجهزة المنزلية.

المسؤولية وفق الجنس:

يسعى العالم الصناعي اليوم أن يعطي مسؤوليات متساوية للجنسين، ونرى مع ذلك أن هناك تفاوتاً في المسؤوليات والوظائف التي تعطى لكلّ من المرأة والرجل، فيقوم على هذا الأساس كلا الجنسين بوظائفهما الخاصة بهما. ويكون هذا التفاوت على أقل حدوده في الوظائف الطبيعية والفطرية لكل منهما. فيجب لذلك رعاية مصلحتهما في أنواع المسؤوليات والأعمال التي يقومان بها. من باب المثال الأعمال التي ترتبط بأمور المنزل مثل رعاية الأطفال، التنظيف، والترتيب تكون مهمة البنت وعلى الولد القيام بالأعمال الأصعب في المجال الاقتصادي والميكانيكي.

بدء المسؤولية:

يجب أن تحول للطفل بعض الأعمال في أولى الأيام التي يبدأ فيها بالمشي وفهم الأشياء فمثلاً نعطيه مسؤولية ترتيب أقداح الماء في سفرة الغذاء، والملاعق، أو الممالح ونطالبه عندما يكبر بجمع فراش نومه، غسل أوانيه، غسل جواربه، وكي بعض ملابس ... والخ.

تزداد علاقة الطفل في تحمل المسؤوليات في مرحلة الابتدائية وتوجيه سلوكه سعيه نحوها بشكل يشمل جميع مسؤولياته وواجباته ويساعده في ذلك ويقوي ويرسخ عنده هذه الملكة هو إعطاؤه المسؤوليات الصغيرة والتي يستطيع القيام بها.

والنقطة الثانية هي تحميله أعماله الخاصة والشخصية، فمن الخطأ جمع فراش نومه إذا كان قادراً عليه لأنه سيبعث على تقوية روح الاتكالية عنده ويجعله كلاً على الآخرين عندما يكبر وسيفوض أمّه للقيام بأعماله.

طاقة الطفل على المسؤولية:

يجب الأخذ بنظر الاعتبار قدرة الطفل في القيام بالمهام الموكولة إليه. أولاًك تتعب الطفل المسؤوليات الكبيرة وتنفّره منها. ثانياً: يمكن أن تؤثر سلباً عليه بشكل تجعله هارباً وتعباً أبداً منها. فيجب لذلك إعطاؤه المسؤوليات والوظائف التي تدخل في دائرة قدرته واستطاعته بشيء من التسامح وغض الطرف.

ملاحظات حول توكيل المسؤوليات:

1-    نعطي حق الانتخاب للطفل في الأعمال التي نريدها منه فمثلاً نخيّره بين كنس الغرفة أو غسل الصحون لينتخب إحداها، يبعث هذا الانتخاب على تقوية روح تحمل المسؤولية لديه.

2-    يجب عدم إجبار الطفل في توكيل المسؤوليات إليه لأن ذلك قد يؤدي إلى تقوية روح العناد والطغيان عنده إلى درجة يتحين الفرص فيها للانتقام والتخريب، فليس توكيل المسؤوليات بالإجبار بل يجب أن تزرع هذه الروح في نفسه الأساليب التربوية وجعلها خلقاً يتخلق به ويبلغ درجةً يستشعر فيها مسؤولياته.

3-    يعتبر التهديد والوعيد في توكيل المسؤوليات نوعاً من الإجبار للطفل ويؤدي إلى بروز وتجذر روح الطاعة العمياء عنده، ويفقده الروح الاستقلالية وحرية العمل فيجب أن لا يكون توكيل المسؤولية بالضغط والإجبار لأنه سيؤدي إلى ضجره منها.

4-    تحديد الوظائف والأعمال الموكولة للطفل بشكل صريح ليعلم ماذا عليه أن يعمل وبأية صورة عليه القيام بها، وليس لنا بدون ذلك مطالبته بها.

5-    عدم تثبيط عزائم الطفل عند بروز بعض الأخطاء حال قيامه بالمسؤولية، فمثلاً إذا سقط قدح من يده وانكسر لا يجب توبيخه بل إرشاده بأن يكون دقيقاً ولا يكرر ذلك. فإن التوبيخ والملامة وأحياناً الضرب سيكون بداية إلى عصيانه وتثبيطه في تحمل مسؤولياته.

6-    يجب أن لا يكون إعطاء المسؤوليات تكرارياً يبعث على التعب والإحساس بالذلّة عند الطفل.

7-    يجب عدم التدخل في أعمال الطفل عندما يقوم بها على أحسن وجه ولكن عندما يخطئ فيجب الإسراع لنجدته وإصلاح أخطائه.