دورالام كمعلمة
الكاتب الدكتور علي القائمي
يكمن سر نجاح المعلم في إدارة الصف وتربية الطفل في التعرف عليه وتشخيص أحاسيسه وعواطفه وفهم ميوله وأفكاره ورؤاه. ليس المراد من ذلك أن يطابق المعلم نفسه عليه وإنما جذبه وهدايته إلى سواء السبيل. فيجب على الأم أن تتحدث بلغته، وتوافقه في تفكيره، وتتملك عقله وقلبه وتستصحبه معها. لا يمكن لأي معلم أن يقوم بهذا ولذلك يفرّ كثير من الأطفال من المعلم والمدرسة منذ أوّل يوم لدراستهم.
وعندما يسأل الأطفال عن الأسباب التي دعت إلى فرارهم من المدرسة، يعلّلون ذلك وبلغتهم الطفولية إلى عدم الاهتمام بميولهم وأذواقهم الذاتية وليس إلى عدم صلاحية التدريس في المدارس. فليس مهماً للطفل سعة اطلاع المعلم على مختلف العلوم وخاصة في سنين دراسته الأولى بل المهم هو بأي وسيلة أخلاقية يستطيع المعلم أن يكسبه ويجعله يميل إليه ويجبه، نلاحظ على أية حال أن هناك أطفالاً يفرّون من المعلم والمدرسة ولا يستقرون في مقاعد دراستهم ولا يحبون حتى رؤيته.
الأم كمعلمة:
تعتبر الأم معلماً قيماً يتميز بطريقته وأسلوبه الخاص الذي يختلف عن أساليب باقي المعلمين وإن لم تستطيع بيانه أو تدوينه على الورق. فتعبّد وتسهّل معرفتها لشخصية الطفل الممزوجة بالعاطفة وحنان الأمومة طريق النجاح والموفقية الدراسية له.
فستكون أفضل معلم له إذا تصرفت بدقة وبصبر وتغلبت على عواطفها وأحاسيسها، تستطيع أن تعلمه ما لا يمكن للمعلم أن يعلمه إيّاه. يمكننا أن نقول في الحقيقة أنّ الأم المثالية أفضل من مائة معلم.
تستمع الأم وتصغي بدقة وتأمل إلى ما يقوله الطفل ويعانيه، فتهتم بمشاكله وتبحث عن الدواعي والأسباب لهروبه من المدرسة وتقوم بحلها وإزالة أسبابها أو على الأقل تقلّل من آثارها وتستطيع بالتالي أن تحبب إليه المدرسة والكتاب والمعلم وتعبّد طريق حياته.
أسباب تأثير الأم في الطفل:
نشير أولاً إلى أنه تستطيع أية أم أن تؤثر في تعليم الطفل بدقة وتحلّل محل المعلّم، وقد تنجح الأمهات في القيام بدور المعلّم لأطفالهن عندما يتوفّر فيهنّ ثلاثة شروط:
1- الاطلاع والاستعداد الكافي لبرامج التدريس.
2- تعرف طفلها جيداً أفكاره وذهنياته، تصوراته، توقعاته، وميوله.
3- تسعى حقيقياً إلى توفير السعادة للطفل، تحبه وتعطف عليه، وتعتبره جزءاً من وجودها وحياتها، وعندما يصدر منه خطأ ما تتعامل معه كمريض وترويضه ليهتدي ويتأدب في النهاية بتأثيرها.
تنبعث من تركيب الخصال الثلاثة أعلاه القدرة على كسب الطفل وترويضه ليهتدي ويتأدب في النهاية بتأثيرها.
حضن الأم ودوره البنّاء:
تعتبر أحضان الأم مجالاً يستأنس به الطفل ومحيطاً مناسباً لبنائه، فالمتانة والليونة، والمحبة والعاطفة، ومحاكاة الطفل في أفكاره ولغته للأم، يشكل الأرضية المناسبة لأي نوع من التغيير والتحول في الطفل ويشجعه على اعتناق أفكارها ويتعلق بها.
تحرك الأم المثالية عواطف طفلها وتكسب ثقته بها مما يشكل جواً مناسباً لتعليم الطفل، حيث يشعر الطفل بأن أفكاره ونظرياته محترمة عندما تصغي الأم لكلامه وحديثه بعناية. يعتبر تشجيع الطفل ورعاية عزّة نفسه من العوامل المؤثرة في التربية والإصلاح وتوجهه إلى الجهة التي نتوخاها.
تمتلك الأم لذلك السبل المؤثرة في التربية مما يجعلها تطمئن بنجاحها في عملها خلافاً للمعلم، فقد اكتسب تجارب سنين طويلة عن طفلها وتستطيع بخبرتها واطلاعها عنه أن تنتزع من لسانه ما تريد وتلقنه ما تبغي وتلقي في ذهنه ما تفكر فيه بشكل تجعله يفكر كما تفكر.
تستطيع الأم الواعية أن تحصل على رضى الطفل أكثر من المعلّم وتهديه لانتخاب طريقة في الحياة وعندما يتعلل في واجباته المدرسية فإنها قادرة على أن تجرّه إليها وتغيّر نظرياته كمعلمة واعية مجرّبة وتنقذه من الضياع والتحلل.
الهاربون من المدارس:
يحدثنا التاريخ عن كثير من الأطفال الذين قبلوا في المدارس أو الذين هربوا منها الذين كان يجب أن نتصور مصيرهم كمصير غيرهم من الأمين ولكن بعضهم قد وجد نفسه ثانية تحت رعاية أمهات مثقفات وخلقت منهم شخصيات تاريخية وعلمية على صعيد عالمي. فيمكن أن يحتضن المجتمع الهاربين من رحاب المدارس بشرط أن يكون لهم أمهات ترعاهم وترسمن لهم مدارج النجاح والموفقية ليتدرجوا فيها.
دور الإرشاد:
يتذرع بعض الأطفال في سني دراستهم بأسباب وأعذار واهية كي لا يقوموا بواجباتهم أو تكاليفهم المدرسية أو يقوموا بها ناقصة وبشكل غير مطلوب، ليفروا من معاقبة المعلّم بعدها يتذرعوا بأمور لكي يهربوا من المعلم والمدرسة. تقوم بعض الأمهات ولعلاج هذا الداء بكتابة واجباتهم المدرسية وأداء تكاليفهم حيث يعتبر عمل الأمهات ذلك من الأساليب المغلوطة في علم التربية، فماذا سيكون مستقبل مثل هؤلاء الأطفال؟ فهل أن الأم ستكون في قاعة الامتحان بدل الطفل؟ وهل سيتعلم مثل هذا الطفل شيئاً؟!
يجب على الأم إذا أرادت أن تساعد طفلها حقاً أن تقف على رأسه، ترشده وتهديه وتشجعه كي يقوم هو بأداء واجباته المدرسية، وتقف إلى جانبه عندما لا يقدر على عمل ما وتساعده ولا تحلّ محله، تعلّمه ما يجهل، تمسك يده ليكتب واجباته كأقصى مساعدة تقدمها له.
تصعّب المعلم:
يسبب الأسلوب الاستبدادي لبعض المعلمين هروب الأطفال من المدرسة، حيث يفرضون الواجبات الصعبة ويقومون بالعقوبات الجماعية ويغرمون الأطفال ضرائب ثقيلة. فمثلاً يجبرون الطفل على كتابة صفحتين من الكتاب عشر مرات أو كتابة من الواحد للألف عشر مرات... والخ لا يفكرون كم سيستغرق ذلك من الوقت وكم سيتطلب من الورق وهل تستطيع أيدي الطفل الناعمة القيام بذلك؟!
يجب على الأم في هذه الحالة أن تكون حامية للطفل ومدافعة عنه لا عاملاً لتثبيطه. فلا شك أنه لا يستطيع أن يفرض كلامه المنطقي على المعلم ولا يجد مفراً منه. وسيشعر بالضياع إن لم تقم الأم بحمايته أو إذا أجبرته على القيام بواجباته العقوبية. وستثبط عزائمه وييأس من الدراسة والحياة، فيجب عليها تهدئته ومواساته بأن عمله كثير وعليه أن يكتب ما في وسعه ويترك الباقي وستذهب هي باكراً إلى المعلم وتكلّمه في ذلك.
الواجب التعليمي:
يجب على الأم التي تقوم بالواجب التعليمي للطفل بأن تنزع عنها إلى حد ما ثوب الأمومة ورقتها وعاطفتها وتتخذ أسلوباً انضباطياً وحالةً جدّية. وفي نفس الوقت عليها أن لا تعطي الأوامر والواجبات بصورة التهديد والوعيد والمعاقبة الإفراطية. وتسعى على أية حال أن تلاحظ طاقات الطفل وقدراته وتطالبه بصبر وأناة القيام بواجباته.