الأم وعالم الطفل

الكاتب الدكتور علي القائمي

تشكل الأم للطفل عالمه الروحي والاجتماعي الرحب، ويتصورها في ذهنه كالمحيط والمطلع على أسرار العالم ويعلم كلّ ما يحدث في أطرافه وأكنافه ولذلك يسأل منها عن كل ما يدور في خلده وعن كلّ شيء وبذلك يكوّن رؤاه ونظرياته، ويرسم تصوراته عن العالم السلبية منها والإيجابية، فكم سيكون سيئاً حين يريد أن يشبع نهم حب الاستطلاع لديه ويصطدم دائماً بجدار جهلها ليعود يجر أذيال الخيبة واليأس.. والأسوأ من ذلك عندما تملأ ذهنه وعقله بالمعلومات الخاطئة لتتقولب على أساسها وتكون الحاجة إلى كسب المعلومات الجديدة التي تفسّر هذا العالم وتكشف عن ضروريات الحياة الاجتماعية للطفل. فيلزمه أن يعرف أسرارها ما دام يعيش فيها، وهذا ما يجب أن تقوم به الأم على الأقل في الفترة حتى بداية دخوله المدرسة ولذا يعتبر الطفل الامتداد والانعكاس الطبيعي لحياتها وعقائدها. ونتيجة للملازمة الدائمة وبينهما وعلى أساس ما يقتبسه منها تتكامل شخصيته وتأخذ قالبها وشكلها النهائي.

العالم المقلوب:

يقوم عالم الوجود في جميع جوانبه على نظام موزون وتتحكم فيه قواعد وقوانين غايةً في الدقة. فإذا أخطئ في توضيح هذه القوانين والنظم للطفل فستتكون لديه صورةٌ مقلوبة ومشوهة عنها. فعلى سبيل المثال لدى الطفل بالفطرة مفاهيم ذاتيةً عن حسن أداء الأمانة، ووجوب الوفاء بالعهد, وقبح الكذب و... الخ. فليس صحيحاً أن تلقي الأم في ذهنه أنه لا يمكن العيش بدون الكذب، والوفاء بالعهد يؤدي إلى أن تتأخر عن القافلة وتتخلف، أو أن الذي يحفظ الأمانة سيخان به و...الخ ذلك لأن الطفل يعتبرها مركزاً للمعلومات وينقل عنها كل ما يسأل عنه، ولذا يصبح لزاماً عليها أن تدقق وتهذّب ما تعلّمه وتلقيه في روع الطفل وذهنه من مفاهيم وقوالب معلوماتية جاهزة.

تعريف الطفل على الدنيا:

يستجيب عقل الطفل سلباً وإيجاباً لأنواع المؤثرات والعوامل، وسيكون نور علم الأم أوّل شعاع ينفذ إليه ليضيئه ويجعله يتلألأ ببريقه، وسيندرج الطفل بمساعدة ذلك الوميض في كشف طريقه في الدنيا وتكوين صورة له عنها. فيجب عليها أن تعلّمه علماً يفيده في أن يتعرف على العالم في جميع جوانبه الظاهرية والمستترة، وعليها أن تراعي مصالحه ومصالح المجتمع في هذا الطريق والمعالم، ونوع أو ماهيّة العلاقة التي تربطه بالدنيا، الآن ومستقبلاً، وماذا سيستنبط منها وكيف يستفيد منها. كمثال على ذلك عليها أن تعلّمه أن علاقته بالأرض هي علاقة الإعمار والبناء ومع أفراد المجتمع هي علاقة التعاون والعمل المشترك والجاد للوصول إلى ما ينشده من أهداف، وأن تعلمه التعاون أن هذه العلاقات والروابط لا تعتبر هدفاً وغاية في الحياة بل وسيلة ليس إلا.

تستطيع الأم في تعريفها الدنيا إليه أن تلقنه بأن بعد هذه الدنيا عالماً آخر أوسع وأرحب، وبينهما طريق يربطهما ببعض ويكون العالم الآخر امتداداً لهذه الدنيا، كما تكون الدنيا امتداداً لعالم الرحم وترتبط به.

من جانب آخر يجب على الأم أن توسع أفق الطفل وتعلّمه القدرة على المقارنة والقياس وتجعل ذهنه يحلق في الآفاق، لكي يستطيع أن يتصور الدنيا بالنسبة لعالم الوجود كحبة رمل في صحراء لامتناهية أو كالرقم واحد بالنسبة إلى الأرقام الكبيرة ولكن إلى الحد الذي يستوعبه ذهنه.

تحديد موقعه من الوجود:

يمكن للأم إمّا أن تصور الدنيا للطفل ضيقة ومحدودة بالقرية أو المدينة التي تعيش فيها وتقدمها إليه متأطرة بنفس الإطار الذي تتخيّله ليتصور هو بدوره أن الوجود لا يخرج عن دائرة ما يراه حوله من قريب أو بعيد. أو تصورها واسعة تتفاعل فيها الموجودات وترتبط بقوانين ونظام دقيق ويؤثر بعضها على الآخر.

ويمكن أن تحدد الوجود والكون كله داخل الدنيا الرحبة أو تعرّفه أن الكون غير متناهي والأرض فيه جرم صغير وأن الوطن قسم منها والمدنية أو القرية التي تعيش فيها ما هي إلا أجزاءٌ صغيرة لذلك القسم. وتشرح له أن الإنسان يعيش فيها عمراً محدوداً ليودعها إلى دنيا أخرى ولكي نحصل على سعادة الأولى والآخرة فعلينا واجبات ولنا دور يجب أن نؤديه. ويشكل كلّ منا لولباً أو مسماراً في دولاب الفلك الدوّار. فإذا لم نستسلم حركته ودورانه فسوف يختل نظامه.

فيجب على ذلك أن توسّع أفق الطفل ودائرة معارفه ومعلوماته لكي ينظر إلى نفسه كعضو في عالم الوجود ومخلوقاً من مخلوقات الله ويتبع القوانين والنظام الإلهي ويرتبط بالآخرين بعلاقات حسنة وإنسانية.

تعريف المخلوقات والحدوث:

يتلقّن الطفل من أمه النظرة الصحيحة أو الخاطئة عن الوجود، ومفاهيم الخير والشر ومعرفة أضرار ومنافع الموجودات. وسيبقى ما تلقيه في ذهنه عنها راسخاً لمدة قد تطول، وستبعث تفاسيرها عن الدين، الحرية، قوام الشخصية، العاطفة، البناء، الهدم، السماء، الأشياء، معاني العلاقات، ومفاهيم الحقد، البغض الكراهية والحسد على سوء الفهم أو حسنه وحسن السلوك أو سوئه لديه، فالمهم هو كيف تفسّر الأم حوادث العالم وطريقة ارتباطها ببعضها؟! والخلاصة كيف يمكن للأم أن تجعل نظرة الطفل إلى الحياة عميقة ومتفحصة؟ وما هو المنظار الذي ستضعه على عينيه؟!

قيمة العالم:

خلق الله عالم الوجود وبالأخص الأرض مهاداً للحياة، نتعلق به كثيراً ولكن يجب أن لا يكون تعلقنا بشكل يجعلها هدفاً لنا, فليست لها قيمة كبيرة تستحق التضحية بكلّ شيء من أجلها بل هي وسيلة نستخدمها للوصول إلى أهداف أسمى وأجل. فليس عالم الوجود إلا مكاناً مؤقتاً للزرع وقابلاً للتحوّل والزوال ومحلاً للتسامي والتكامل، وما الأطر والأنظمة والقوانين الحاكمة فيها إلا لتحقيق السعادة وللاستفادة منها وبصورة أفضل.

يمكن للأم أن توضّح عمق القضية للطفل عند تعليمه هذه القيمة فلا تكتفي بظواهر الأمور السطحية بل يجب النظر إلى الوجه الآخر والعمق الباطن فيها. وتستطيع بالاستدلال البسيط المفهوم أن تحقق ذلك.

تعريف الحياة العائلية:

يترك تعريف الوظائف والأعمال العائلية للطفل آثاراً سلبية أو إيجابية عليه، ذلك لأنه يعيش في عالم خاص، يفكر فيه، يرى من خلاله، ويقيم الأشياء به، فإذا لمس أنّ أمه تعيش بهناء وطمأنينة بجوار بقية أفراد الأسرة فسيحصل هو أيضاً على الراحة النفسية فيما بعد وبالأخص إذا كانت بنتاً.

وفي نفس الوقت الذي تشكّل الحياة العائلية محيطاً للعيش واللذة والراحة والسعادة والانشراح فإنها إحدى المسؤوليات وعلى الأم أن تخلق في الطفل هذه النظرة الوظيفية. والخلاصة نذكّر بأن تربية الطفل وخلق النظرة الواقعية إلى الحياة فيه ستضمن له السعادة وتستطيع الأم بنظرتها المتفحصة والدقيقة أن تحقق تلك السعادة له.