الأم، اعتماد الطفل العاطفي
الكاتب الدكتور علي القائمي
تعتبر الأم أن الطفل هو الأمل والذي يبعث فيها الحياة ابتسامة منه، تكون سبباً في أن تضحي من أجله، في الوقت نفسه، يعتبر الطفل أن أمه رأس ماله ونشاطه، وإذا ما انفصلت عنه، ستكون حياته في مهب الريح، سيواجه الخطر، يتمرض، يصفر، يحزن، ولا يطيق الحياة، لأنه انفصل عن الأمل، وأن هذا الحب المتبادل بين الأم وطفلها هو الذي يبعث الجمال في الحياة.. فالحياة بطبيعتها لا تساوي شيئاً دون العواطف والحب، فهي مهمة حتى للكبار، فما فائدة أن يعمر الإنسان مائة عام دون أن يميز بين البارد والحار، الربيع والصيف، الحزن والفرح ولا يهتم بذلك, فالحياة التي لا تجد فيها أية عاطفة أو حب هي كحياة الحيوانات المفترسة، التي لا ترى شيئاً سوى الافتراس ولا منطق آخر لديها. يقضي الطفل أغلب معمره مع أمه.
إنها مظهر من مظاهر القوة والحب، ولكي تكون حياة الطفل طبيعية يجب أن يعيش بين قطبين، الحب والغضب.
ما هو المقصود من العواطف:
الحياة إذا كانت على منوال واحد، فهي حياة رتيبة ومملة وقاسية. فكلي تكون زاهية وجميلة يجب أن تلم بالعواطف على أنواعها وأشكالها، فهي بحاجة إلى الحب والغضب، الخصام والصلح، الرأفة والحقد، نحن نريد القول بأنّ الطفل بحاجة إلى حنان وحب ورأفة كما أنه بحاجة إلى غضب وخصام أمه كي تتكامل شخصيته وينمو نمواً طبيعياً من الناحية النفسية.
تأثير العاطفة على الطفل:
تزرع الأم عواطفها الرقيقة الشفافة في قلب الطفل كالألفة والمعرفة وتسقيها بحبها وحنانها، إن عواطف الأم على أشكالها وألوانها ودرجاتها لا تقاس بأي شيء ولا يمكن أن تستبدل بحب آخر، ولن تجد حبّاً كحبها في هذا الوجود. جذورها عميقة ومتماسكة وأغصانها لن تستسلم للرياح، ولن تجد غضباً كغضبها، فإنه يزول بسرعة كزوال الشمس وهو معجون بالحب، فهو غضب كاذب.
نستنتج من ذلك أن الأم لا تعوض بالمربية، وأننا لا يمكن أن نترك أطفالنا بيد المربيات، وأن روضة الأطفال بجميع متخصصيها لا تستطيع أن تؤدي دور الأم. فالأم بعواطفها الجياشة تنفد إلى كيان وشخصية الطفل المعنوية وتؤثر عليه حتى في كبره، (وإن توفيت تتجسم له بين الحين والآخر، تحدثه وترشده ويأخذ منها ما يريد)[1].
وعندما تحدث له مشكلة، ينادي أمه، ويتذكر نصائحها، فيهدأ.
خلاصة القول, إن سعادة الطفل أو تعاسته مرتبطة ارتباطاً كلياً بعواطف الأم.
الحرمان العاطفي:
يؤدي حرمان الطفل من عاطفته الأم إلى اختلالات جسمية ونفسية وانحرافات أخلاقية، فنجد الرجل المحروم في صغره من حنان الأم، يستسلم أمام عدة كلمات جميلة من هذا وذاك، ينخدع بسرعة وقد تكون الأم المحرومة في صغرها من عاطفة الأمومة، ضعيفة الشخصية لا تستطيع السيطرة على أعصابها، حزينة وكأنها في مأتم، وجهها مصفر، متشائمة، يائسة، متأخرة ذهنياً، مجرمة، قاسية، حقودة، خلاصة القول إنّ الجو العائلي العاطفي يؤثر على كيان الطفل وحياته المستقبلية، وكم كان جميلاً لو أن الأم كانت تضع قليلاً من وقتها والذي تصرفه لتربية الحيوانات الأليفة على ولدها كي ينمو نمواً طبيعيا وسالماً.
أنواع العواطف:
تختلف طبيعة عواطف الأم عن الأب، فحنان الأم وحبها تجد له جذوراً قوية ومتماسكة لا يمكن قلعها بسهولة فهي مترسخة، أما غضبها وخصامها، فهو زائل، كالطوفان بعد فورة غضب يهدأ ويزول وكأن شيئاً لم يكن. في حين أن عواطف الأب هادئة كالنسيم لا تظهر للعيان بسهولة، فهي مستترة، وهو شديد العقاب، تهدد الأم طفلها بابيه، فهو العين الساهرة قضائياً، وبالتالي هو أقوى من الأم.
فالطفل يريد من أمه حباً دون شروط، فإنه لا يستطيع الاعتماد على نفسه ولا يرى هذه القدرة في شخصيته، فهو يعتمد على أمه اعتماداً كلياً. في حين نجد أن الأب يحدد شروط حبه، حتى يستطيع السيطرة على تربية ابنه، ترتبط الأم بابنها عاطفياً عن طريق الطعام، القبلة، أو الزعل المؤقت والانفصال، في حين إن ارتباط الأب وابنه يتم عن طريق تحسينه وتشويقه وترغيبه.
متى تظهر العاطفة:
تظهر العاطفة في قلب الأم في الساعات الأولى التي يتكون فيها الجنين، وتشعر أن هناك شيئاً يتحرك في أحشائها، فتفكر فيه، وتقلق على راحته وتراقب نفسها من أجله، وعندما يأتي ويشم رائحة الحياة، يتغير هذا الحب إلى حب ملموس، حب دون أية حدود، في الشهر الثالث من عمر وليدها، تحاول الأم أن تفهم طفلها بعض القواعد الانضباطية بأصوات مختلفة, الفرح والحزن، وتعوده على أن لا يكون عنيداً، وتبدأ معه تدريجياً، عندما يضع الطفل أقدامه على أعتاب الحياة يشعر بأنه وأمام ألغاز الحياة الجميلة القبيحة، وكلما يمرّ عليه الزمان ويكبر، تتضح له معاني هذه الألغاز.
العاطفة والأطفال المعوقين:
يختلف وضع الأطفال المعوقين عن الطبيعيين، اختلافاً كلياً، فهم بحاجة ماسة إلى الحب والحنان أكثر من الغضب والزعل، كما يجب أن لا نمن عليهم بحناننا وعواطفنا، ولا نجعلهم يشعرون بما يعانون.