الأم.. وسرد القصص والحكايات
الكاتب الدكتور علي القائمي
ستجذب الأم الطفل إليها بسرد القصص الجميلة والحكايات الشيقة، تتملّك القصص والحكايات الجذّابة حواسه وتسيطر على فكره بشكل ينسى معه لعبه ولهوه ليصغي إليها. وسيتحول كلّه إلى أذن صاغية ويستمع بشوق ولهفة عندما تقص الأم حكاياتها عليه ويغفل عن كل شيء حوله. وستخلق عنده روح متسامية عظيمة عندما تحشو حكاياتها وقصصها بالملاحظات والالتفاتات التي تقوي البنية الأخلاقية والإيمانية لديه.
تأثير القصة:
تتلاعب القصص بروح ونفس الإنسان وتأخذ محلها في قلبه ومشاعره ويبقى تأثيرها فاعلاً إلى الأبد. تسيطر على العواطف والأحاسيس وتجعل الطفل يعيش وكأنه أحد أبطالها.
تكتسب القصة هذا التأثير السحري لأن في الطفل روح التقليد والمحاكاة وحب البطولة فتسلب الشخصيات المثيرة في القصة منه الإرادة وتشده نحوها وسيسعى إلى محاكاتها ويتفاعل من جانب آخر ضمير الإنسان مع أحداث القصة وتسلسلها إلى درجة تتحول القصة لديه إلى واقع معاش وتترسخ في ذهنه.
والسبب الثالث في تأثير القصة هو أنها تعكس وبصورة غير مباشرة رغبات وميول الطفل وتهذيبه وتقنعه بالاستماع إليها وسيجد الأسباب الباعثة على ترك أو الاستمرار في ميوله ورغباته.
فوائد القصة:
يمكن عن طريق القصة أن نربي روح ونفس الطفل ونمحو المتناقضات الموجودة في ذهنه. وترسيخ المفاهيم الإنسانية عن طريقها في عقله مثل العدالة، عشق الحقيقة، الإيمان، العقيدة، الاستقامة، حب الجمال، فضح الأعمال الشريرة، سقوط الإنسان وانحطاطه، تعاليه وتقدمه... الخ ونزرع الفضائل الأخلاقية بواسطتها فيه ونخلق فيه الإحساس المرهف بالأمور أو اللامبالاة اتجاهها. وتبيّن القصص للإنسان نقاط ضعفه وقوته وتهيئ الأرضية للتمرّن عليها، تكسب التجارب، تجبر ضعفه وتقوي فيه الجوانب التي نتوخاها.
أضرار القصة:
تأخذ القصة أحياناً دوراً هداماً بدلاً من أن تكون للبناء، فلو ملأنا مثلاً ذهن الطفل بالخرافات التي لا أول لها ولا آخر وبدلاً من القضايا النافعة والمفيدة نلقي في عقله التفاهات ونصبغه بالفراغ فسنعلم بديهياً أيّ ضرر وسوء قد ألحقناه به، فعقل الطفل كنز ثمين فلا تودعوا فيه إلا ما غلا وعلت قيمته.
تؤثر القصص الخيالية إيجابياً في بناء الطفل ولكنها إذا تجاوزت الحدود المنطقية فستبعده عن الواقعية وسيتصور شخصياتها واقعية ويسعى ليتمثلها ويبحث عنها في الواقع وسينتهي عندها سعيه إلى الفراغ.
انتخاب القصة:
نظراً لأهمية القصة ودورها في حياة الطفل يجب على الأم أن تنتقي أفضلها وتقدمها إليه.
ولكن أية قصة ننتخب؟!
يرتبط هذا بنوع الأهداف التي تبغيها الأم من القصة.
لا شك أن قصص الجن, الغيلان، إنسان الغابة، والسحالي الرهيبة يجب أن ترمى في سلة النفايات، ليس هدفنا أن لا وجود للجن والملائكة بل نقول أنه يجب عدم انتقاء مثل هذه القصص للطفل لأنها لا تناسبه وتلقي الرعب في روعه وتقطع شهيته عن الطعام وتخلق عنده كابوساً يزامنه الأرق الدائم.
يجب أن ترسم القصص للطفل لوحات عن صراع الحق والباطل التي ينتصر الحق فيها غالباً أو على الأقل التي تزرع فيه روح الأمل والنشاط.
يجب على القصص أن تعرّف الطفل المكانة العالية والمقام السامي للإنسان تبين له الأدب الإنساني التربوي وتعرض له الحقائق الخالدة والتي يعبّر عنها بالسنن الإلهية وتلزمه إتباعها.
يجب على القصص أن تقوّي روح الإبداع عند الطفل، وتقتل في نفسه الأنانية وروح العداء والكراهية، تعلّمه دروس الأخلاق وتهديه طريق الإنسانية.
ويجب على القصة أن لا تخلق عنده البلاهة والسذاجة ولا تعطيه صورة مشوهة عن الحياة والمجتمع الذي يعيش فيه.
فسرد القصص عن الشجاعة والإقدام أفضل للأطفال الجبناء وسرد القصص التي تهذب الطفل وتعلمه السلوك الصحيح للأطفال المنحرفين سلوكياً، وعلى أية حال يجب أن تناسب القصة المقام وتتوجه إلى الجوانب المتوخاة منها.
قص القصص والحكايات الحزينة لصغار الأطفال تصيبهم بالكآبة والملل وتخلق عندهم قساوة في القلب. يجب على القصة أن تقوي الثقة بالنفس في الطفل وتمنحه الطمأنينة والهدوء النفسي وتبعده عن اليأس وتحذره منه ولا تخدّره وتسرق عقله وذهنه بل تحيي عنده النشاط والحيوية وتكتسب طابعاً إرشادياً واعظاً ووازعاً.
يجب أن تقدّم القصة الأهداف الإنسانية والدينية ولا تخدم الشيطان ووسوسته.
ويجب أن تعلم الإنسان الحياة الشريفة والنزيهة لا الملوثة والفاسدة والموبوءة. وبالتالي إذا تناولت القصة الجوانب الملموسة ترسم على الأقل صوراً واقعية يمكن مشاهدتها على الواقع حيث تؤثر أفضل وأكثر في روح الطفل ونفسه.
أبطال القصة:
يجب أن يكون أبطال القصة التي تروى للطفل نزيهين وبعيدين عن أي نوع من الانحراف ويخلو سلوكهم من الخطل الذي يؤدي إلى سوء تربيته. واجتناب القصص التي يعلّم أبطالها الشخص التفاهة والفراغ ويسوقه نحو الانحراف أو لا يهتم بالإنسانية والشرف والأصالة ويخلق عنده أهدافاً وغايات لا إنسانية. تعتبر قصص الحيوان دائماً من أفضل القصص للطفل بشرط أن تعرض الأسوة والنموذج المطلوب.
نتائج القصة:
يجب أن تحتوي القصة على نتائج يتلخص فيها الهدف والغاية التربوية منها. مثلاً تبيّن القصة أن الخيانة بذيئة ولها عواقب وخيمة وأن هناك جزاء للأعمال يحيط بالشخص ولا مفرّ منه. وتشرح القصة صراع الحق والباطل وانتصار الحق ولو انهزم لفترة ظاهرياً، وأنّ الباطل زهوق حتى لو تغلّب في الظاهر وبالتالي فإن نتيجة القصة يجب أن تصاغ بصورة تقرّب إلى ذهن الطفل الحقائق والواقعيات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
القصص المؤثرة:
تؤثر القصص القصيرة في مضامينها والقابلة للمس والتحسس في ذهن الطفل أكثر من غيرها والتي تبين الأهداف بوضوح وجلاء لا التباس فيه. تستطيع أم أن تؤلف مثل هذه القصص وتحكيها، فليس من الضروري أن تكون جاهزة دائماً، ويشكل وقت النوم أفضل الأوقات لسرد القصة حينما يكون الطفل مستلقياً في فراشه فسوف تؤثر فيه أكثر وتعتبر نوعاً من الدغدغة والمناغاة لتنويمه.