الأم والتربية الدينية للطفل
الكاتب الدكتور علي القائمي
يعتبر الدين والمذهب من أهم منابع التربية في العائلة وتقوم كل النشاطات وسلوكيات العائلة على تعاليمه ويرتبط دليل أغلب الأمور في العائلة المسلمة بمبادئه.
تسعى العوائل الإسلامية في برمجة حياتها طبقاً للأوامر الدينية وتعتقد بأنه القوة المتحكمة التي تستطيع تهذيب شهوات الإنسان وميوله الهدامة وتهيئ الأرضية المناسبة للاستفادة من العقل.
يقدم المذهب للإنسان المثاليات ويخلصه من الأوهام والخرافات ويصلح فكره ويصنع منه الإنسان المتكامل والسامي.
يعطي الدين للكلمة قدرة سحرية تمكّن الإنسان- بالاستفادة من قدرته على التسامي التي أودعها الله فيه- أن يرتفع عن حالته الحيوانية ليصل إلى مصاف الملائكة ويعبّئ فيه كل القوى الخيّرة ليجعل منه موجوداً نابضاً بالحياة وإيجابياً يراعي الاعتدال.
ضرورة التربية الدينية:
تبرز على هذا الأساس والتصور الذي بيناه آنفاً أهمية التربية الدينية كأمرٍ ضروري وحياتي للطفل. يحتاج الطفل في حياته إلى ركن شديد يستند إليه كي لا يتزلزل أو تزل قدمه في طريقه نحو أهدافه. وتشكل العقيدة والإيمان ذلك الركن الشديد, وسيحتاج من جانب آخر إلى من يلملم جراحه عندما ينهزم في مواجهته لمشاكل الحياة وتضاريسها ويخفف عنه آلامها، وتؤدي العقيدة تلك المهمة.
يعتبر تحقيق تلك الأهداف والعمل بالفرائض الإلهية النتيجة الغائية للتربية الدينية، ويجب أن تبدأ من العائلة فإنها ضرورية للطفل.
الهدف من التربية الدينية:
نهدف من التربية الدينية إيجاد علاقة وثيقة بين الطفل وربه ليستطيع الإنسان بواسطتها أن يكبل كافة نزاعاته الشيطانية وميوله اللامشروعة ويصبغ حياته بالصبغة الإلهية ويبرمجها وفق التعاليم السماوية.
نريد من التربية الدينية ربط كل خيوط حياة الإنسان بالله، ليقوم بجميع أعماله على اسم الله ولأجله- حيث يرى الله في أعماله وكافة شؤون حياته، فيتعلم الحلال والحرام ويوجه حياته المادية والروحية طبقاً للأحكام الإلهية.
والخلاصة فإن الهدف من التربية الدينية هو تربية الإنسان الصالح، يعني شخصاً يجعل كافة قواه المادية والمعنوية في طريق الهدف ولا يخطو خطوة في معصية الله.
نسعى في مثل هذه التربية إلى إيجاد تعادل بين المادة والروح ونرعى الاعتدال في النشاطات الحياتية والسلوك ونقضي في ظلها على التشويش والاضطراب والقلق والخوف الذي يعتبر العامل الأساسي لكثير من المفاسد والرذائل الأخلاقية ونمحو التعاسة ونؤالف بين الإنسان وحياته.
دور الأم في التربية الدينية:
يلازم الطفل أمه أكثر من غيرها، فيقتبس منها المفاهيم الدينية والأخلاقية، ويجعلها أسوة في حياته ولهذا فإن تربية الطفل الدينية والأخلاقية من أولى واجباتها.
تضع الأم لبنات هذه التربية في السنين الأولى لحياة الطفل عندما يكون غضاً، تنطقه بكلمة التوحيد وتعوّد سمعه على الكلمات الدينية. فستبقى عند ذلك في خاطرهم خالدةٌ إلى الأبد. وقبل أن يشوش الآخرون ذهن الطفل ويلوثوه، على الأم أن تعلمه مفاهيم الخير والشر وتحذرها في ذهنه، وتغرس في قلبه بذور العقيدة وتوجه أخلاقه وسلوكه وفق السنن الإلهية.
الأم وطريقة التربية الدينية:
يتعرف الطفل على العالم من حوله عن طريق حواسه، اللامسة، السامعة، الباصرة، الذائقة، والشامة لذا يجب تعميق الإيمان عنده في هذه المرحلة يؤمن بالله ويعتقد به عن طريق ما يتعرف عليه من عالم الوجود تكون بعد ذلك مرحلة إدراك المجردات والاستدلال عليها في السنين القادمة.
تستطيع الأم وبلغة سهلة أن تعلّم الطفل بأن الله يراه ويراقب أعماله الصالحة والطالحة وأنه لا يخفى عليه شيء. وبيده ثواب وعقاب العالمين. المهم في ذلك هو إيجاد علاقة متينة بين الطفل وخالقه بشكل يتقبل حلال الله ويتجنب محرماته في حياته.
بداية التربية الدينية:
يجب أن تبدأ التربية الدينية منذ نعومة أظافر الطفل وعندما يكون ذهنه صافياً وغير ملوّث بالعوامل السلبية حوله. ويتقبل الحقائق مثل الجمال، الخير، المحبة، ويعتبر دور الطفولة من أفضل الأدوار التي يمكن فيها ذلك ويحقق أهدافه. يمكن للأم في هذه السنين أن تبذر في روح الطفل بذور التقوى والشرف وحب الله وعبادته، وتوجهه إليه بلغة سهلة. سيمكن تحقيق ذلك عن طريق برامج الأم العبادية وسرد القصص وشرح كيفية خلق عالم الوجود.
الطريق إلى معرفة الله:
يحتل مفهوم "الله" مكانه في ذهن الطفل ويدرك أن لهذا الكون خالقاً. ولكن السؤال الذي نطرحه هو كيف نعرّف الله للطفل؟!
تستطيع الأم أن تعرّف الله بأنه منبع الخير، القوة، الرحمة، والحب للطفل وتهيء ذهنه لقبول لطفه ورحمته أو تعرّفه بأنه قوي وشديد العقاب. لذا يجب عدم تخويف الطفل من الله وتجب الإشارة دائماً إلى رحمته، رأفته، وحبه للخلق، عطائه وجماله لأن الرب الرؤوف الرحيم أفضل للطفل من ربّ منتقم جبّار. الرب الذي يصوره المربّون بجهلهم للطفل عنوان الخوف والرعب يبقى أثره في ذهن أطفالهم إلى الأبد ربّاً شديداً، منتقماً، جباراً لا يغفر خطيئة وسيعاقبه لا محالة. لذا فسيفرّ ويشمئز من هكذا إله. إن على الأم أن تبذر بذور الرحمة وتحيي الأمل في قلب طفلها وتعلمه أن اليأس من الكبائر. تستطيع الأم أن تعلم طفلها أن بإمكانه أن يكلّم ربّه ويضعه محل سرّه ويرتبط معه بشكل يجعل منتهى أمله أن يرضى عنه، ويتبع أوامره وينتهي عن نواهيه.
ملاحظات في التربية الدينية:
يجب أن نبحث مع الطفل حتى حدود السنة السابعة من عمره دائماً عن رحمة الله ولطفه والجوانب الإيجابية لذلك مثل خلق السماوات والأرض، الشمس والقمر، النجوم، الفواكه، الخضر، الجمال، والأم والأب الرحيمين و... الخ. ونبدأ من السابعة فما فوق بتحسيس الطفل الخوف من الله ونلقي ذلك في قلبه ونصدع سمعه بضرورة العقوبة للذنوب ونفهمه أن الله رؤوف رحيم مع الخيّرين شديد العقاب للمذنبين وتبدأ في هذه السن تعليم الطفل الأحكام والفرائض الدينية مثل الصلاة وعلى الأم السعي كي تعلم الطفل حركات الركوع والسجود بلا إكراه. ومن البديهي أن ذلك يشكل بالنسبة للطفل نوعاً من اللعب واللهو ولكن الاستمرار والدوام عليه يؤدي إلى تعود الطفل لا يشعر بالملل منه وسيمارسه تطوعاً عندما يكبر، يستمر ذلك حتى العاشرة من العمر ويشجع عليها دائماً ولكن بعد سن العاشرة إن امتنع الطفل عن أداء فرائضه الدينية فيجب أن يؤدب عليها. ويجب في سائر الفرائض الدينية مثل الصوم ملاحظة قدرة الطفل واستطاعته عليه حتى بلوغه السن الشرعي، ولو أن هناك روايات تؤكد على إيقاظ الطفل لتناول طعام السحور من سنه السادسة.