الأم أسوة

الكاتب الدكتور علي القائمي

لا يمكننا البحث عن القيم الأخلاقية مع الأطفال دون السابعة إلا بصعوبة بالغة. فما يقوم الطفل به من أعمال وأفعال ينشأ من تأثّره بسلوك وآراء من يعيش حوله، نريد القول بأن الطفل يستطيع بقوة عقله وفكره أن يحكّم الضوابط والأصول الفكرية في حياته ويتقبّلها بتعقّل. ونشير إلى أن ما يكتسبه الطفل من أخلاق وسلوكيات تبدأ من حدود الثالثة من عمره وتأخذ بالتدريج شكلاً وطابعاً مميّزاً له وذلك لأسباب سنتناولها بالبحث والتنقيب في هذا الفصل.

أهمية السلوك:

تجري سلوكيات وتصرفات الأم كالدم في عروق الطفل وتصبغ شخصيته بلونٍ مميز طيلة حياته يكتسب سلوك الأم بكونها مثالاً للطفل أهمية قصوى بشكل يرتبط فيها مصير تكوينه الروحي في المجالين التسامي أو الانحطاط لأنه يعتبرها أسوة يقلّدها في جميع تصرفاتها.

ينشأ كثير من اللا مسؤولية عند الأشخاص ويتولّد نتيجةً لأخطاء الأم وسلوكها السيء مما يؤدي إلى الشقاء والتعاسة، فكم من الأطفال الذين تقمصوا خلقاً معيناً من الأم صار يزاحمهم طيلة حياتهم ولم يمكنهم إنقاذ أنفسهم منه.

ما هي أهمية السلوك؟!

يستدلّ على أهمية سلوك الأم بالدلائل التالية:

1-   وجود حالة التقليد والمحاكاة عند الطفل:

يمتلك الطفل حالة من التقليد والمحاكاة لأفعال الكبار ويقوم بتقليدها لا إرادياً. فكل فعل للأم يعتبر مهماً له حتى طريقة كنس البيت، وطريقة المطالعة عند الأب وكيفية نزاع وعراك الإثنين. ولا شك أن كلّما كان الشخص ملازماً له كلّما كان تأثيره عليه أكبر، ولا أكثر من الأم التصاقاً به، فسيقتبس منها جميع حركاته وسكناتها الصحيحة والخاطئة لأنّه يفتقر إلى التجربة المسبقة لكي يستطيع المقارنة لينتخب الأفضل منها.

والخلاصة فإن شخصية الطفل ستتكوّن باللون الذي تصبغه أمه.

 

 

2-   روح حب الاستطلاع لدى الطفل:

يبحث الطفل عن قدوة له يتأسى بها ويتعلم منها كيفية الأكل، الشرب، اللبس، التحدّث، النظافة، وسائر المسائل الحياتية الأخرى، وتكون الأم أول أسوة يتعرف عليه نتيجةً للتلازم الموجود بينهما بصورة طبيعية.

3-   روح عبادة البطولة:

ينبهر الإنسان عادة بالأبطال والمثاليين ويسعى لتقليدهم وتطبيق سلوكه وفق سلوكياتهم. فإن استطاعت الأم جذب الطفل إليها فستكون أول بطل يظهر في حياته وسيقوم بتقليد تصرفاتها الحسنة والسيئة.

4-   حب التشجيع:

يرضى الإنسان عادةً عن نفسه وعن عمله ويحبّ أن يستحسن الآخرون ذلك ويشجعوه عليها. لذا يقوم الطفل بمحاكاة الكبار ويقلدهم في طريقة كلامهم ليجلب أنظارهم. وسيكون طبيعياً تقليده للأم في تصرفاتهم أكثر من غيرها وستكون أفضل وسيلة يظهر فيها كفاءاته ويثير استحسانها.

تأثير سلوك الأم:

تكون أذن وعين الطفل كالبوابة المفتوحة يسمع ويرى كل شيء وذهنه كالمرآة تنعكس فيها صور الأشياء بفارق بسيط وهو أن ذهن الطفل يحفظ ما يراه بينما ليس للمرآة حافظة. يستطيع الطفل حتى قراءة طريقة تفكير أمه، وما يستنبطه يمكن أن يكون هداماً أو بنّاءً, ويقوم الأطفال بتمثيل آبائهم وأمهاتهم عندما يكونون لوحدهم في المنزل وهي حالة تستحق التعمق والتأمل فيها. لذا يمكن للأم أن تحي فيه الأمانة والصدق، الوفاء بالعهد، البحث عن الحقيقة، وحب الحق و... الخ وتذكيها في فطرته أو تقتلها وإلى الأبد. ولذا فهي العامل المهم في هدايته أو انحرافه عن السراط السويّ.

ويزداد تأثيرها عليه في الجوانب العاطفية، ولا يمكنها أن تربّي الطفل شجاعاً إن كانت جبانة، وستترك آثاراً سيئة في روحه وروعه عندما تفقد توازنها لرؤية خنفساء تدبّ على الجدار. وستقتل الطفل عملياً عندما تعيش في اضطراب وخوف دائم من أوهام الزلزلة، الاصطدام بالسيارة أو انهيار السقف. وستربيه حساساً, مضطرباً وقلقاً, وعلى العكس منها الأم التي تقاوم اليأس والقنوط وتتعلق بالله وتؤمن بأن كل الأمور بيده تعالى وهو القادر على كل شيء فإنها ستربي الطفل إيجابياً شجاعاً.

تثقل واجبات الأم في جانب تدريب الطفل على تحمّل المسؤولية وستكون نموذجاً سيئاً له عندما تكون متكاسلة ومتراضية تأمر وتنهي الخدم ولا تتحرّك من مكانها ولا تكلّف نفسها حتى جلب قدح من الماء لتشربه بل تحمّل الطفل بذلك، نعم يمكنها أن تأمره ببسط السفرة، وجلب المناشف، وتحضير الصابون، وغيره عندما تكون هي أنشط وأسرع حركة منه.

تأثير الأم في البنت:

يتضاعف تأثير الأم في البنت ويكتسب أهمية خاصة، لأن البنت ستصبح يوماً أمّا وتسير على الطريق، فيجب على الأم أن تكون نموذجاً حسناً وقدوة لها إذا أرادت أن تخلق منها أماً مثالية لأن البنات يقلّدن الأم أكثر من الأب في حين يقلّد الولد أباه وسيترك كليهما تأثيره في الطفل بنحو ما.

فيمكن أن تتصرف الأم في المنزل بشكل يجعل البنت لا ترغب بالزواج أبداً ولا تفكر أن تشكّل عائلة يوماً ما. وتفكر البنات الصغيرات عادةً بتكوين الأسرة والإنجاب والحياة المستقبلية أكثر من أيّ شيء آخر، بصورة تهيء نفسها لا إرادياً لتقبل مسؤوليات الأمومة تدريجياً، وسيكون طبيعياً تاثير سلوك الأمهات وتجاربهنّ في الحياة عليها. تعلّم الأم ابنتها ربوبية البيت من خلال تصرفاتها، فإذا كانت ذات علاقة واشتياق عند قيامها بواجب الأمومة فيحتمل أن تصبح البنت نسخةٌ منها، والعكس صحيح فلا ننتظر من البنت أن تكون أفضل من أمّها التي تتعامل في حياتها الأسرية بالغرور واللامبالاة وسوء الخلق، فستترك كلّ هذه الخصال إرثاً لبنتها.

مسؤولية الأسوة:

لاحظنا على أساس الصورة التي رسمناها آنفاً من هو المسؤول الأول في خلق العادات السيئة عند الطفل ورأينا أن الغرور، العصيان، واللجاجة تنشأ فيه إلى حد كبير من الأم فما يراه الطفل منها يقوم بتقليده، ففي الطفل خصوصية أخرى وهي انه ينظر إلى كلّيات الأمور والمضامين ولا يمكنه تحليلها وتجزئتها. ولذا فإنه سيفهم حياة أمه وتصرفاته دفعة واحدة ولا يرهق ذهنه من الانحراف وحتى الشذوذ الجنسي ما هو إلا تقليد أعمى لسلوك الأبوين. ولا ننسى أن الطفل سيعمم ما يتعلّمه ويطبقه ببساطة على جميع أموره ويقضي فيها على ذلك الأساس.

ولذا فعلى الأم أن تسيطر وتراقب تصرفاتها أكثر من الآخرين وتنتبه إلى صورة أفعالها وتصرفاتها وتكون على وعي كامل بما تفعل ولا تنخدع بمقولة أن الطفل صغير ولا يدرك الأشياء بل يجب أن تكون طبيعية ولا تتكلّف في سلوكها وتسعى إلى القيام بواجباتها ليس من أجل إرضاء الآخرين. فلا شك أن الإنسان يحتاج إلى معرفة آراء الآخرين بالنسبة إليه ويودّ أن يرضوا عنه، ولكن الإنسان الواعي والمثقف لا يهمه ذلك إلا قليلاً فالسعي لإرضائهم والمبالغة والمغالاة يخلق عند الأم شخصيتين متناقضتين مما يؤثر سلباً على مستقبل الطفل.