سوء التربية وآثاره على البنت

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

 

بالرغم من إذعاننا بأن للوراثة تأثيراً مهماً في التربية إلا أن المحيط والبيئة يحظى بأهمية أكبر من الوراثة, والمحيط أو البيئة يشمل كل العوامل المؤثرة على الفرد سواء أكان في داخل الرحم أو خارجه. ومن جملة هذه العوامل المحيط, الغذاء والدواء, الماء والهواء, السياسة والاقتصاد, الصعود والنزول و... والعامل الثقافي أو الأجواء الثقافية تكون أهم وأكثر تأثيراً, حيث نعتقد أن هذا العامل له دوراً مهماً في حياة الأفراد.

أن محيط التربية في الأسرة يجب أن يكون منذ بدء المرأة بتشكيل الأسرة حيث يتم بناءها روحياً بعنوان أماً تتولى مهام الأم الكبيرة, والوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى أعمال ومراقبات كثيرة.

إن الذي يقول بأن الوالدين يجب أن لا يرتكبا خطأً وأن لا يكون عندهما نقطة ضعف في حياتهما فإن الكلام هذا يعد بعيداً عن المنطق لأن الإنسان خطاء وتصدر منه الزلات والعثرات, المهم هو أن تكون هذه الزلات وهذه الأخطاء أقل ما يمكن, وأن يقوم بعلاج نقاط ضعفه الظاهرة للعيان, أما ما يتعلق بنقاط ضعفه الداخلية فإنه يجب أن يضع برنامجاً مبنياً على أسس فكرية لعلاجها والقضاء عليها.

 

التقليد عند الأطفال:

لقد قلنا سابقاً بأن الأبناء يحملون صفة التقليد, حيث أنهم يعيشون أحراراً في البيت ويخضعون لتأثير العوامل المؤثرة, من جهة أخرى فإن حياة الطفل مملوءة بالتقليد ونحن أردنا أم أبينا فإنه يقلد الكبار أو أي شخص آخر يراه مهماً وذا جاذبية في عمله وقوله. والطفل من بداية حياته يملك استعداداً للتقليد طبعاً يتناسب هذا الأمر عكسياً مع سنه ونموه, فكلما ازداد سنة قل تقليده, لأنه صاحب إرادة وتصميم ويسعى للتدخل في الأمور والقضايا. فكلما يكبر في السن تنمو قواه وحواسه ويصبح يقظا حيث ينتقل من التقليد إلى الاقتباس, فيسعى عند ملاحظة قول وسلوك الآخرين وكيفية مشيهم وأكلهم وشربهم وضحكهم وبكائهم وكيفية الدفاع والهجوم يسعى إلى انتخاب طريق ثالث في قوله وسلوكه وعمله, طبعاً ممكن أن يصل في سعيه هذا إلى نتيجة مرضية أم يصيبه الإخفاق.

 

المراقبة في مجال القدوة:

بالنظر لاستعداد الطفل للتقليد وقابلياته على جذب وهضم كل ما يقع عليه سمعه ونظره فمن الضروري أن يكون هناك شخصاً بعنوان قدوة يكون في مسيرة حياته تكون أعماله نموذجاً يقتدي بها الطفل نحن نعلم بأن الوالدين وبالأخص في السنين الأولى من الحياة يمثلان القدوة والنموذج في حياة الطفل, والأطفال يقلدونهم عن وعي أو عن غير وعي, مما يجعلهم مسؤولون أمام أبنائهم, وعلى هذا الأساس فإن الآباء والأمهات لا يتمتعون بالحرية في أعمالهم أمام أبنائهم.

فالأولاد ومن السنين الأولى للتمييز يعتبرون الآباء قدوتهم. والبنات يعتبرن الأمهات قدوة لهن, حيث يسعى الجميع لتقمص سيرة وأخلاق أمهاتهم وآبائهم, ومن هنا فإن الانحرافات وعدم الاهتمام بحسن وقبح الأعمال من وجهة نظر الدين والأخلاق يعد درساً سيئاً للأبناء.

سوء التربية:

ان الوالدين والمربين وبالرغم من حبهم لأبنائهم فإنهم يرتكبون أخطاءاً يكون ضررها من حيث يعلمون او لا يعلمون موجها لأبنائهم, وفي بعض الأحيان يستمرون في أخطائهم ولا يعترفون بها حتى يعلم الأبناء بأن آبائهم كانوا على خطأ, ومن الممارسات الخاطئة ما يلي:

1- العلاقة بين الزوجين:

الكل يعلم أن من العذابات الوجدانية أن يعيش الزوج وزوجته حياة زوجية بعيدة عن التفاهم, مختلفين في السليقة والأسلوب بينهما نزاع دائم وعلى مرئى ومسمع من أطفالهما.

وفي نظرنا فإن الأب الذي يصفع الأم وفي حضور ابنتها فإنه لو وأد ابنته أفضل من فعله هذا, والأم التي تخالف زوجها وتشاكسه وتريق ماء وجهه في حضور ابنتها فإنها لو تركت هذه الحياة أفضل لها من الاستمرار.

أن البيت الذي يسوده الاختلاف ويبحث فيه موضوع الطلاق, وكل واحد من الزوجين يسعى إلى جذب أبنائه إلى جانبه, في تلك الأسرة التي لم يصل فيها الأبوين إلى التفاهم الفكري ولا يستطيعان تحكيم علاقتهما الزوجية بشكل صحيح, فيختلفان ويتنازعان لا لشيء, علاقات هذه الأسرة مهددة بالخطر والتفتت, وكل واحد من الأبوين يبحث عن حجة للتشفي من الآخر, هذه الممارسات تعتبر درساً سيئاً للأبناء وبالأخص البنات.

 

2- فيما يتعلق بالبنت :

في الأسر التي تكون فيها مسألة البنت أو الولد من المسائل المهمة, واختلاف الجنس يكون باعثا على التفريق بين البنت والولد, حيث لا يقيمون أي اعتبار للبنت, يسعون دائماً إلى تحطيم شخصيتها وتكليفها بالأعمال الشاقة في البيت فإن مثل هذه الأسرة تعلم البنت درساً سيئاً في الحياة.

وهناك بعض العوائل التي تفرط فيحب البنت, بحيث تصبح مدللة وكسولة لا هم لها إلا تربية جسمها وراحتها, هذه البنت تذوق لذة الحياة في بيت أبيها وتتحمل العذاب والحرمان في بيت زوجها, لأنها تعلمت درساً سيئاً في بيت أبيها بسبب عدم تكليفها بعمل, وبهذا تكون نتائج هذه المعاملة للبنت سوءاً لها, ومن هنا نرى قبح الصورتين, الإفراط في التبعيض والإفراط في المحبة كلاهما له تأثير غير عادي على مستقبل البنت.

 

3- كيفية التصرف عند مواجهة المشاكل في الحياة:

أن الأم التي تشتكي دائماً من عدم الموفقية والابتلاءات ومن مسائل ومشكلات الحياة وعدم الاستقرار, والشكوى من آلام الرجلين والظهر وعدم القدرة على إنجاز أعمالها, في جميع الأوقات تئن ولا تذوق عيناها الكرى ولم تتمتع بالاستقرار, فإن ابنة هذه الأم ستكون سيئة الظن بالحياة. وكذلك الأب الذي يتقمص العيوب دائماً في البيت, جل اهتمامه يكون منصباً على العثور على نقطة ضعف في عمل زوجته لكي يوجه لها ضرباته القاسية, الأب الذي يتعامل بعنف وقد ضيق العيش على زوجته وأطفاله, فتراه يتعامل مع زوجته وأبنائه بخشونة, ويتألم من ملوحة الغذاء أو سوء طعمه, فإن مثل هذا الأب يعلم أبناءه دروساً سيئة في الحياة وبالأخص بالنسبة لابنته فإنها ستكون غير متفائلة من الحياة.

 

 

 

 

4- التصنع والحيلة!

الأم أو الأب المحتال, ذو الوجهين واللسانين, في حضور الجار يتكلم بشكل وفي غيابهم يتكلم بشكل ونحو آخر, يتصنع في كلامه وعمله, فإن هذا السلوك يكون درساً سيئاً للبنت في المستقبل.

إن الأب المحتال, الذي يعطي الوعود ولا يعمل بها, والذي يسعى إلى الاحتيال على أبنائه حتى في مزاحه, مثلا يقول لابنه: اقفز فسوف أمسك بك, ويقفز الطفل ويخلي سبيله ليسقط على الأرض, فإن هذه الممارسة تعتبر درساً سيئاً تعلمه الابن من الأب حيث يفقد الثقة بوالده, ويكون الاحتيال نصب عينيه يمارسه في أي وقت شاء. هذه الحيل والرياء والتصنع والغش لها الأثر الكبير في تنمية الرذائل الأخلاقية لدى الأبناء.

 

5- الكلام البذيء :

إن الكثير من الكلمات التي يتفوه بها الوالدين بدون تفكير أو وعي فإنها تكون ذات أثر سيء على الأبناء, فالوالدين يجب  أن يتوخيا الدقة في استعمال الاستعارات وضرب الأمثال والكنايات والعبارات التي لها آثار سيئة على تربية أبنائهما. ففي بعض الأحيان نرى الأب يقول لابنه الذي يبكي (هل أنت بنتا؟ ألا تخجل من البكاء؟) فكلامه هذا يعتبر تحقيراً لابنته. أو الأب الذي يرغب أن يثير همة ولده ويهديه إلى الطريق السوي فإنه يقول له دائماً (انه بنتاً قذرة) (سيء الأخلاق, عديم الشعور) ومن هذا القبيل يسبب تثبيت هذا السلوك في ذهن  البنت.

 

6- الكسل:

أن الجو الأسري مملوء بالعمل والسعي, والجميع وبحسب قدرتهم واستعداداتهم يتحملون مسؤولية في هذا السعي, فكل فرد يستطيع العمل أو تقع عليه مسؤولية عمل ما فعليه أن يقوم بذلك العمل. وهذا الأمر يعتبر تعاونا وفي نفس الوقت يجب أن تكون لدى الأفراد الرغبة في أن يشد أحدهما على ساعد الآخر.

ومن الدروس السيئة التي يعلمها الوالدان للأبناء, فإن الأب أو الأم وبسبب تكاسلهما فإنهما يكلفان أبنائهما بالقيام بأعمالهما, فيضطجع الأب ويأمر أولاده بأن يهيؤا له الغذاء واللباس وفراش النوم, ويعتبر هذا الأمر من الدروس السيئة للأبناء حيث سيمارسون هذا الأسلوب في المستقبل مع الضعفاء.

 

7- اتهام الأبناء بالضعف:

من الأخطاء التي يرتكبها الوالدان تجاه أبنائهم هو اتهامهم بالضعف وعدم القدرة من غير وعي ومعرفة, فالطفل الذي يرغب من بدء حياة الطفولة بانجاز الأعمال, لكن الأبوين يثبطان عزيمته بأن يقولان أنك ضعيف ولا تقدر على القيام بهذا العمل. فمن وجهة نظر التربويين فإن الطفل يجب أن يمارس العمل الذي يرغب به بنفسه حتى ولو لم يستطيع أن يقوم بذلك العمل فإنه سوف يعلم بذلك, إن أبناءنا وبالخصوص في مراحل الصبا والشباب يستطيعون مزاولة أعمال البيت بشكل مستقل, واتهام الوالدين للأبناء بالضعف وعدم القدرة أو الجهل وعدم الكفاءة يعتبر من الدروس السيئة لهم, في الوقت الذي يكون هذا الاتهام بمثابة تحقير وإهانة حيث يمنع نموهم ورشدهم.

 

8- منع الأطفال من مزاولة بعض الأعمال:

في حياة الأطفال وفي بعض الأحيان يجب منع الأطفال من مزاولة بعض الأعمال حيث يعتبر المنع ضرورياً لحفظ سلامتهم وأبعادهم عن الخطر, وفي بعض الأحيان يكون للمنع أضراراً, فمثلا في بعض الأسر نراهم يقومون بمنع بناتهم من الاستمرار في تحصيلهن بالرغم من أن البنت لها الرغبة الشديدة والشوق اللامتناهي في الاستمرار في الدراسة, وبسبب المنع يكون على أساس أنها أنثى ولا حاجة لها بالتعلم والاستمرار في الدراسة أكثر من الصف الخامس الابتدائي, فتحرم البنت من النور. وفي نظر البعض فإن البنت مخلوقاً خلق جميلاً وظريفا فلا حاجة لها بالعلم والتعلم, فنرى الأسلوبين أحدهما خطأ واشتباه في التربية والآخر سوء في التربية, ومن هنا فإن البنت تشعر بأنها موجود لا قيمة له ولا قدر.

9- العقوبات:

في بعض الأحيان يحتاج أبناءنا إلى العقوبة, لكن قبل ذلك يجب الاستفادة من أسلوب التلقين والمداراة والتذكير والتشجيع والشكر والتقدير والملامة والانذار والمقاطعة والتهديد, وبعد ذلك إذا أصبحت كل هذه الأساليب غير مجدية فإن الإنسان يجب أن يلجأ إلى العقوبة.

أن المهم في العقوبة يجب أن تكون عادلة, وفي وقتها المناسب, ومتناسبة مع الخطأ والزلل, والعقوبة يجب أن تكون لسبب معين, ويجب المحافظة على حيثية الطفل, وتكون العقوبة من نوع واحد, يعني إذا حبسنا الطفل في مكان مخيف فيجب أن لا نضربه في ذلك المكان وأن لا يكون الأسلوب خشنا للغاية وأن لا يؤثر على حيثيته كأنسان وفي غير ذلك فإن الأمر سيكون درساً سيئاً للأطفال.

10- في المعصية والذنب:

ان محيط البيت يجب أن يكون محيطاً مقدساً وطاهراً, حيث يجب أن لا تزاول وتقترف فيه الأعمال السيئة والذنوب, ويجب أن لا يقترف ذنب في حضور الأبناء, ففي البيت الذي تقترف فيه الذنوب فإن الأب والأم يعصيان الله سبحانه وتعالى فيغتابون, وينمّون ويلعبون القمار والطفل أمامهم, فماذا ننتظر من مثل هذا الطفل, هل ننتظر نتيجة جيدة؟

أن الأبوين يجب أن يكونا قدوة في الأخلاق والسلوك الذي يتناغم مع تعاليم الدين, فإذا انحرف الوالدين عن الطريق المستقيم فلا أمل في صلاح أبنائهما.

11- العادات:

من أنواع التربية السيئة هو اعتياد الوالدين ببعض العادات, فالأم والشاب يجب أن تكون لديهما مراقبات في هذا المجال بحيث يبعدان أبناءهما من الانحراف والزلل.

إننا لا نفضل بأن يعتاد الأب والأم على التدخين فضلا عن الاعتياد على المسائل التي يكون فيها الاعتياد ذنباً كالهروئين والمواد المخدرة والمشروبات والافيون و... فإذا كان الأب والأم من ذوي الاعتياد سابقاً فمن الضروري ترك هذا الاعتياد حفاظا على مصلحة وتأمينا لسعادة أبناءهم.

وبالرغم من كون الاعتياد يعتبر من الأعمال الخاطئة والتي استمر الإنسان عليها لكن من الشجاعة والموفقية أن يقوم الفرد بتغيير أفكاره الخاطئة ويتخلص من الظلم الذي عرض له نفسه لسنين طوال.

12- الممارسات الخاطئة الأخرى:

من الدروس السيئة والأخطاء الأخرى التي يرتكبها الوالدين والتي يتعذر ذكرها هنا بشكل تفصيلي, بل سوف نتعرض لها باختصار هي:

مواجهة الأبناء بنقاط ضعفهم من دون النظر إلى النقاط الإيجابية والقدرات التي يتمتع بها الأبناء, اتخاذ القرارات السريعة والعجولة تجاه الأبناء, ممارسة الظلم والتفرقة بحق الأبناء, عدم الاهتمام بأسئلة الأبناء, عدم الصدق في المواعيد, الاصرار والعناد وحب الذات والتعصب في الأمور, التهديدات الغير قائمة على أساس وتخطيط, التفرقة بين البنين والبنات, عدم الالتزام في العلاقات الزوجية, عدم الاهتمام بشرف الآخرين وحيثيتهم, ذكر القصص الخليعة والماجنة, ذكر الأخبار التي من شأنها إشاعة الفحشاء و... كل هذه الأمور التي ينبغي للوالدين والمربين أن يهتموا بها في هذا المجال والتي يجب أن تحظى بالأهمية لديهم.