تعدد الأسباب والعوامل
الكاتب الدكتور علي القائمي
لا تقتصر الانحرافات الاجتماعية على سبب أو عامل واحد؛ أي أن الانحرافات والجرائم ليس لها سبب واحد بل لها عدّة أسباب أو حتى سلسلة من العلل أحياناً. ففي موضوع الانتحار مثلاً يمكن الإشارة إلى عدم الاستقرار العائلي، وتفكك الروابط الأسرية، والفقر، والثقافة السيئة وأمثال ذلك. وتتدخل عوامل أخرى في مسألة كمسألة الاعتياد من قبيل الفقر، والحالة التربوية والوضع العائلي، ونوعية الأصدقاء، وتدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية البناءة.
أ- التوجه نحو وضع خطة صحيحة:
إن إصلاح الانحرافات الاجتماعية يستدعي أن نضع في الحسبان نقطتين وهما:
1- التقييم والتشخيص: وهو ما يتطلب الالتفات إلى ما يلي:
معرفة السبب أو الأسباب القائمة وراء تلك الظاهرة، ودرجة شدتها، وهل هي منتظمة الحدوث أم مجرّد حالة اعتباطية أو طارئة، وتأثيرها على المجتمع، واحتمالاتها المستقبلية، وكيفية المواجهة وهل تكون بشكل تدريجي أم فوري؟
2- القيام بوضع الخطة اللازمة: وغرضها اجتناب الإجراءات العاجلة وغير المدروسة، لتكون بين أيدينا خطة واضحة وقطعية، وبرنامج مدروس قائم على أسس علمية، تتضمن مراحل التنفيذ والفواصل الزمنية المطلوبة في ما بينها، وأن تأخذ بنظر الاعتبار الضوابط التنفيذية والإمكانات اللازمة التي يجب توفيرها مسبقاً.
ب- التطبيق العملي:
ثمة نقاط جديرة بالاهتمام في مجال التطبيق، إلك ثلاثٌ منها:
1- التطبيق الرسمي أو غير الرسمي: من الواضح أن بعض هذه الإجراءات تتطلب تطبيقاً رسمياً للضوابط والقوانين كالسجن والإخضاع للفحص والعلاج السريري. وهذه الإجراءات يجب اتخاذها من بعد استفاد تأثير الأساليب الإصلاحية الأخرى. أما الجانب غير الرسمي فيركز على دور الوالدين والتربويين الذين ينتهجون خطة قائمة على مبدأ الإقناع واللين بعيداً عن أسلوب العنف والتعسف سعياً وراء القيام بالإصلاح المطلوب.
2- الاتجاه الفوري أو التدريجي: فالاتجاه الأول يقتضي السرعة في التنفيذ، أي أن تكون هناك سرعة في اتخاذ القرار مع السرعة والحزم في التطبيق. وهذه الطريقة مفيدة طبعاً في اجتثاث الانحراف بسرعة، إلا أن تأثيرها لا يتسم بالجذرية.
وقد تتأخر النتائج إلى حدٍّ ما في الاصلاح التدريجي إلا أن الإصلاح يتخذ صفة الثبات والاستمرارية، ويظل احتمال عودة الانحراف ضعيفاً.
3- طول المدة وقصرها: وهذه المسألة تقف إلى جانب المسألة السابقة. ففي الإجراء قصير المدة تتخذ التدابير بشكل متتابع وسريع من غير الاهتمام بالأبعاد والجوانب الأخرى، في حين يهتم البرنامج طويل المدة بالجوانب الثانوية، ويتناول القضية بما يناسبها من الاهتمام. ويمكن في كل مرحلة الالتفات إلى المراحل السابقة وتقييم نتائجها، لتكون الخطوات اللاحقة دقيقة ومحسوبة.
موضوع الرقابة
من الضروري أولاً وقبل كل شيء معرفة الشخص المنحرف عن طريق المراقبة والمتابعة، وهذه العملية لا تتحقق بالطرق الرسمية لأن الكثير من الانحرافات تحصل بعيداً عن أعين الشرطة وبعض المنحرفين لا يطالهم القانون والسجن، ثم أن الشرطي هو أحد أفراد المجتمع. ومن البديهي أن السجن لا يعطي النتائج المتوخاة. والسجون تتحول في بعض الحالات إلى مراكز لتبادل المعلومات الجنائية. وكثيراً ما يكون السجان سبباً لإيجاد عقدة الانتقام عند السجين، وليس ثمة علاقة بين تكرار الجريمة وشدة العقاب. وكثير ممن أعفى عن زلاتهم يعاودون ارتكاب جرائم أخرى.
إذن سبل المراقبة غير الرسمية أكثر نجاحاً في معرفة المنحرفين ومعالجتهم لأنها تنطلق من العائلة ومن المدرسة وترافقها عوامل العطف والالتزام وحسن النية وتنسجم والميول الفطرية والرغبات الباطنية. ولا تخلف في النفوس عقدة أو حساسية.