التربية البدنية
الكاتب : الدكتور علي القائمي
الإسلام _ وخلافاً للمدارس الفلسفية الأخرى- لا يرى البدن سبب الذل والعار للإنسان أو انه جثة لا قيمة لها, أو أن سعادة الإنسان في إهمال الجسم والاقتصاد على تربية الروح, فهذا التفكير خاطئ من وجهة نظر الإسلام.
أن نمو البدن وتربيته وترويض أعضائه تعتبر من الأمور المحبذة لدى الدين الإسلامي, بشرط رعاية التنسيق للأبعاد الأخرى للتربية.
إن التربية في نظرنا- من جهة- تعمل على تهذيب الأبعاد الوجودية للإنسان صحيح أن الأطفال يملكون أعضاء وحواس, ولكنهم لا يستطيعون الاستفادة منها الاستفادة المرجوة, والوالدان والمربون هم الذين يوجهون الطفل ليقوم بأعماله.
فالتربية البدنية يجب أن يكون لها دور في تربية القوى الطبيعية والحياتية للإنسان بشكل لائق ومناسب, وذلك لرفع قدراته ومعنوياته لكي يتمتع الإنسان ببدن سالم وصحيح, فتحصل الموازنة والتعادل بين أعضاء البدن, وهذا ما يريده الإسلام.
ضرورة الاهتمام بالبدن:
إن الاهتمام بالتربية البدنية ونمو الجسم من الأمور المهمة والضرورية للإنسان, وهذه الأهمية والضرورة تأتي من جهات مختلفة:
أولاً: من وجهة النظر الإسلامية, فإن البدن مقدّس سواء كان حيا أم ميتاً, ولا يحق لأحد أن يؤذي بدن الآخر, وحتى الإنسان نفسه لا يحق له إيذاء بدنه, وقد وضع الشرع طريقة معينة للوضوء والغسل والصلاة والصوم, وذلك لحفظ سلامة جسم الإنسان, وكذلك فإن الإسلام فرض دية معينة على كل من يسبب ضرراً أو جرحاً لبدن الإنسان سواء كان حياً أم ميتاً.
ثانياً: إذا كان باعتقاد البعض أن البدن يمثل مركباً للروح, فكذلك يجب أن نهتم بهذا المركب, فإن المركب إذا كان سالماً وفعالاً فإنه يستطيع القيام بأعماله بأحسن صورة.
ثالثاً: الإنسان يحتاج في مسيرة حياته إلى الدفاع عن نفسه وشرفه ودينه عندما تقتضي الضرورة ذلك . وهنا تطرح مسألة استطاعة الإنسان بجسمه الضعيف المنهار أن يدافع عن نفسه وماله ودينه.
رابعاً: كلما كان الجسم قوياً وسالماً فإن القيام بالأعمال الموكلة إليه من قبل العقل يكون أسرع وأدق, فالإنسان ذو الجسم السليم يستطيع النجاة من المهالك, ويستطيع أن يتحرك ويبني أكثر, ويستطيع انجاز الأعمال الفكرية والعقلية الموكلة إليه, فالجسم السليم يهيئ إمكانات خدمة العقل, وعلى هذا الأساس فإن الاهتمام بالجسم وسلامته, وصلابة العظام وقوتها تعتبر من الأمور الضرورية. والآباء والمربون يجب أن يهتموا بهذا الأمر ويراعوا النقاط التالية:
في التربية الجسم:
يجب إتباع الطرق التالية في التربية البدنية وبالأخص بالنسبة للبنات.
1- الاهتمام بنمو واعتدال الجسم: أن نمو أعضاء الجسم بشكل متناسب وقوته يعتبر امتيازاً من وجهة نظر الإسلام. ونلاحظ أن التوصيات تنصبّ في الزواج على كون المقابل ذا جسم سليم وجميل, وترى ذلك في وصية الإمام علي عليه السلام لعقيل في قصة زواجه من أم البنين حيث أوصاه بأن يخطب له امرأة مربوعة القامة وقوية البنية لكي تنجب له أولاداً أقوياء.
أجل فإن الصفة (اعني لرشاقة البدن وقوته وجماله) تنتقل عن طريق الوراثة إلى الأولاد: وهنا نؤكد على تربية الأطفال بشكل نبعدهم عن الإفراط والتفريط في تناول الغذاء.
2- ترويض أعضاء البدن : ليس المقصود من التربية البدنية ترويض أعضاء الجسم ونموها واعتدالها فقط, بل إن أعضاء الجسم_ التي تمثل كل واحدة منها موظفاً من موظفي العقل والروح_ يجب أن تربى كلّاً على انفراد لكسب الخبرة, وكذلك حواس الإنسان كالعين والأذن وحاسة اللمس والشمّ والسمع والذوق, وحاسة التعادل والتوازن, فالعين المسئولة عن النظر يجب أن تنظر إلى الحسن وكذلك اللسان الذي يستعمل للنطق يجب أن يقول الطيب من الكلام, وهكذا سائر الأعضاء.
والحواس تعتبر وسيلة الارتباط بالخارج, حيث تطلعنا على كل التحولات والمتغيرات التي تحدث.
وفي تربيتنا للأعضاء والحواس نسعى إلى الاهتمام بكل الجوانب والإبعاد المتعلقة بها لكي تقوم بأعمالها على أحسن صورة ووجه, والغرض هو تربية البدن, وهذا لا يتم بالصورة المطلوبة إلا إذا قمنا بتربية الحواسّ.
3- الاهتمام بقوة البدن: إن قسماً من تربية البدن والاهتمام به يجب أن ينصّب على تقويته ليستطيع الدفاع أمام الهجمات والصعوبات, وكذلك تكون له القدرة على ممارسة الأعمال والوظائف الموكلة.
إن عمل المرأة في البيت عمل صعب ومهم بالرغم من التصور السائد عن كونه عملاً بسيطاً, فحضانة الطفل ورعايته وحمله واستصحابه, والحمل والولادة والإرضاع, والاهتمام بأمور الحياة, وتنظيم أوضاع أفراد الأسرة والاعتناء بالنظافة, كل هذه الأمور تحتاج إلى قوة البدن واقتداره. فالنساء يجب أن يكنّ على قدر كافٍ من القوة لكي يستطعن ممارسة المسؤوليات الملقاة على عاتقهن, والتي تعتبر من وجهة نظر البعض أعمالا لطيفة وسهلة, في حين أنها تحتاج إلى قوة بدنية, أما الوصول إلى هذا الهدف, فعن طريق الغذاء المتكامل, والعيش في بيئة ملائمة وجوّ مناسب, وكذلك عن طريق ترويض أعضاء البدن.
4- الاهتمام بالصحة: الصحة والجسم السليم من النعم الإلهية الكبرى, والإنسان ما دام سالماً, لا يحس بنعمة السلامة. لكنه عندما يمرض, يشعر بما كان يتمتع به, فيأسف على فقدانه.
والذين أصبحوا عرضة للابتلاء بالأمراض يشعرون كيف أن الدنيا تضيق بهم. فحين يبتلى الإنسان بأوجاع في الأسنان أو الأذن أو جرح في المعدة, فإنه مستعدّ لأن يضحّي بكل ما يملك من أجل أن يشفى مما ابتلي به .
5- إن حفظ سلامة البدن تعتبر من الأمور الواجبة على الإنسان: فلا يستطيع أن يهمل سلامته الجسمية أو يعرض نفسه ومن يتعلق به إلى الخطر, لأن الأمراض الجسمية تؤثر تأثيراً مباشراً على روح الإنسان, فيبتلى بالأمراض النفسية, فمثلاً الحمى الشديدة في أيام الطفولة بالإمكان أن تسبب للطفل عوارض نفسية.
من جهة أخرى, فقد ثبت أن علل سوء الأخلاق والسلوك لدى البعض ناتج من طول ابتلائهم بالأمراض, حيث يفقد الإنسان صبره وتحمله أمام الآلام والأوجاع التي تنشأ من المرض, وعلى هذا الأساس فإن رعاية الصحة والسلامة تعتبر من الأمور الضرورية جداً.
الاهتمام بالمهارات والذكاء
إن الاهتمام بالمهارات والذكاء والحكمة, من المسائل المهمة والأساسية في الحياة, حيث أن الكثير من الأعمال يتم انجازها بسرعة بسبب ما يتمتع به الشخص من قابلية ومهارة, كما أن الكثير من الأعمال التي تبدو بأنها مشكلة ولا يمكن حلها, تكون المهارة والفطنة الطريق لحل العقد والمشكلات إلى تعترض انجاز هذه الأعمال.
والمهارة والذكاء تعتبر من الأمور المهمة للنساء حيث تمكنهن من انجاز أعمالهن البيتية وما يرتبط بتربية الأولاد. هذا أولاً.
وثانياً: أن بعض الأمور التي تحدث ولا يمكن حلها بواسطة الضوابط والطرق المرعية , إنما تقتضي حلها وجود مهارة وذكاء وحكمة.
ومن جهة ثالثة: لا يمكن حل جميع الأمور بشكل عادي وبسيط لا يستدعي اهتمام الإنسان لحدوثها, بل تقتضي بعضها وجود دراية وحنكة وتجربة. فالمهارة هي الأساس في التغلب على الصعوبات وحل المشكلات المتعلقة بالأعمال الموكلة.
يجب أن نسعى لجعل البنات ذوات خبرة ومهارة, يملكن الصبر والتحمل مقابل الأمور والمسائل المتعلقة بوظائفهن, وحلها بنحو أفضل, مما يجعل حياتهن بعيدة عن الصعوبات والتعقيد, ولا يشعرن بالإخفاق أمام المسائل العادية.