التربية الدينية والأخلاقية
الكاتب : الدكتور علي القائمي
إن من الأمور الضرورية والتي يجب أن لا نغفلها هي التربية الدينية للبنت بشكل خاص, وللجيل الجديد بشكل عام , لأن الإنسان وحسب قانون الخلقة الإلهية في حالة حركة وتكامل, فالتربية الدينية تحفظه من الزلل والانحراف خلال مسيرته. والتربية الدينية أشد ضرورة للبنت, وذلك للنجاة من الوقوع في الشباك المتعددة التي يفرضها المحيط الاجتماعي, بالإضافة إلى الأعمال الشاقّة والصعبة التي تكلّف بها, والتي يجب أن تقوم بها بأحسن وجه.
وفي التربية الإسلامية فإن هناك مسألة تطرح نفسها, وهي سن البلوغ الشرعي للبنات والذي يكون أسرع منه لدى البنين, حيث يعطي هذا الأمر فرصة لبناء البنت فتفرض عليها هذه المرحلة تعلم المفاهيم الإسلامية المتعلقة بوضعها والعمل بها, وبذلك تكون مؤهلة لتربية الجيل القادم فإذا ما حصلت البنت على التربية الصحيحة فإن الجيل الجديد سينعم بالسعادة, وبعكسه فإن المجتمع سيصاب بالانحطاط والويلات.
إن البرنامج والمفاهيم الدينية للبنات يجب أن تتقدم على كل البرامج والدروس, لأن في تعلم هذه المفاهيم ضمان حفظ سمعة البنت وسمعة عائلتها, وتربية الأولاد تربية صالحة, وهذا الأمر يعتبر من الأولويات.
حدود المسائل الدينية
إن ما نقصده بالتربية الدينية لا يعني اقتصار الأمر على تعلم الصلاة والصيام وحفظ بعض سور القرآن الكريم, أن لدينا ديناً شاملاً فيه من المقررات والتعاليم ما يؤمن النظام بالنسبة للبشرية, والسعادة الدنيوية والأخروية للإنسان, وعلى هذا الأساس فإننا نسعى بأن تأخذ كل أبعاد الحياة طابعاً دينياً وعقائدياً.
هناك نقطة مهمة يجب ذكرها هنا وهي إن البنت أمانة الله في أيدينا, ونحن مسئولون عن حفظ ورعاية هذه الأمانة وإبعادها عن مكان الخطر, وهدايتها على سبل الرشاد.
أما ما هي الطرق التي تضمن إيصالها إلى مراحل الرشد هذه ؟ فالجواب هو أن صاحب الأمانة أعطى لنا تعاليم بهذا الصدد, فيجب أن نرى هذه التعاليم ونرى ماذا يريد خالق هذا الكون, وماذا أصدر من تعاليم وأوامر في سبيل حفظ وهداية هذه الأمانة؟ أن علينا واجباً يقضي بأن ندل أولادنا ونهديهم إلى الصراط المستقيم, وكل ما يتعلق بحياتهم يجب أن يكون طبق ذلك الصراط ومنسجماً معه.
يجب أن نعمل على أن يكون سلوكهم, وعملهم وتفكيرهم مطابق التعاليم الإلهية الصادرة من الباري سبحانه وتعالى.
استعدادات للتربية الدينية
إن من حسن الحظ أن التربية الدينية لا تحتاج على جهد عضلي للقيام بعمليات نظير التربية البدنية, فهي لا تشكل مجهودات عضلية أو ممارسات لا تطاق, ولا تحتاج إلى سبل وطرق فنية, ففي الإنسان الأرضية والاستعداد لتقبل ما يصدر من الدين من تعاليم وأحكام, وتحظى هذه التعاليم بأهمية خاصة لدى الإنسان.
إن الفطرة الإنسانية تنسجم مع التعاليم والأحكام الإلهية, فتوجد في داخل الإنسان الرغبة والدافع الفطري لتقبّل هذه الأحكام والعمل بها.
فالإنسان يمتلك رغبة ونزعة داخلية لقبول عبادة الله سبحانه وتعالى والسعي إلى الفضيلة والمكرمات, وقبول الآداب والرسوم الدينية, وتبدأ هذه الرغبة منذ النشأة الأولى للإنسان. وتفاضل الوالدين والمربين بالإضافة إلى وجود الأفكار المنحرفة التي تخالف الصراط المستقيم يجعل هذا الاستعداد في بعض الأحيان تحت هالة من الغبار والتراكمات المختلفة.
إن عمل المربي هو إيقاظ الشعور الديني لدى الإنسان وتقوية الميول الإلهية في شخصيته, وهذا الأمر يتمّ بطرق مختلفة بالوسائل العملية والتمرين والإيحاءات وبذلك نخلق منه شخصية تواقّة إلى البحث والتحليل, والسير في الآفاق. ويمكن الاستفادة من العواطف الجياشة لدى الفرد, وتهذيب هذه العواطف بواسطة التعاليم والتفاهيم الإسلامية, بحيث ننمّي لديه القابلية للعمل بهذه التعاليم.
في المجالات العبادية
العبادة: هي الطاعة وإظهار الخضوع والخشوع من قبل العبد لخالقه. وهي القيام بأعمال طبق تعاليم وضوابط وضعها الخالق سبحانه وتعالى للبشر, فتخلق لدى الإنسان الارتباط والانشداد للعظمة الإلهية الأزلية. يجب أن نخلق من الإنسان عنصراً لائقاً للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبذلك تنشأ وتتوثق العلاقة بينه وبين الله سبحانه وتعالى, فيكون مطيعاً للأوامر الإلهية حامداً لله لا طمعاً بالجنة وخوفاً من نار جهنم. وكذلك يجب أن لا ينصرف بشكل كامل للدنيا أو بشكل كامل للآخرة بل تقتضي الموازنة بين الاثنين وينبغي أن يسيطر على عقله وعاطفته, وأن يبيع آخرته ودينه وشرفه بأي قيمة سوى رضا الله سبحانه وتعالى. يجب أن يكون أنسه بالله بحيث يلجأ إليه في الصعاب, وعندما تضيق به الأمور, فيطلب حاجته وبغيته منه طمعاً في رضاه, ويجب أن يكون رضا الله مقدماً على رضاه. ولا نريد هنا من خلال توفير الأجواء العبادية للبنت أن نخلق لها جواً خانقاً, وبالأخص في الأيام الأولى لبلوغها الشرعي, ولا نريد أن نقيدها بقراءة الأدعية الطويلة وإلزامها بالأوراد والأذكار الصعبة, بل هدفنا أن نخلق في نفس البنت ارتباطاً تدريجياً بالله سبحانه وتعالى بحيث تحس بحلاوة هذا الارتباط ولذته.
النظر إلى الأمور
في التربية الدينية وبالأخص بما يرتبط بالأصول العقائدية يجب أن يسعى المربي- من خلال التحليلات العقائدية- إلى طرح المفاهيم التي لها علاقة بالسيرة والأخلاق, وذلك من أجل خلق جو روحي ومعنوي لدى الإنسان, وذلك لإبعاد المجتمع من الأمراض والفساد الأخلاقي, وأحسن طريق هو الاستدلال المنطقي والعقلي الذي يوفّر القناعة للفرد. فمن خلال التدرج نستطيع خلق توجه لدى المخاطب بحيث نحيي من نفسه وقلبه الارتباط مع الله, ونبعده عن الرغبات اللامشروعة والأهواء النفسية, ونخلق لديه الأمل والاتكال على الله بحيث يوقن بان الله سبحانه وتعالى هو حامي المظلومين وناصرهم ونصير الحق وإقامة العدل, وفي عين الوقت فهو شديد العقاب, وبالأخص للذين يعصون أوامره ويظلمون أنفسهم, يجب أن تفهم البنت بأن الله سبحانه وتعالى أحاطها بسور لصيانتها بأن جعل وقت بلوغها أسرع من وقت بلوغ الولد, وذلك لأهمية المسؤوليات التي تلقى على عاتقها بعد البلوغ, فيريد منها أن تكون طوداً شامخاً لا يهتز في الحوادث والأخطار, يريد أن يحفظ زهرة حياتها ووجودها متفتحة مصونة من الأشواك التي تعترض طريقها بحيث لا تقطف هذه الزهور قبل تفتحها وقطافها- يجب أن تتضح لها وترسخ في نفسها المسائل المتعلقة بالتوحيد, العدالة, النبوة, الإمامة, المعاد وما يتعلق بهذه المباحث, وكذلك بالنسبة للصفات الثبوتية والإثباتية, الشافعة, البداء, المعجزة, الوحي, وظائف الأنبياء, الصراط المستقيم, الميزان, الموت, القبر, جهنم, البرزخ وما إليها من المسائل فتلقن كل ذلك في مرحلة الطفولة.
في الجوانب الأخلاقية
الأخلاق هي مجموعة الأصول والضوابط الحاكمة على الروابط الإنسانية وتعتبر البنى الأساسية لكل سلوكنا وتفكيرنا حيث يتم المحافظة على كل الحدود والحقوق عن هذا الطريق, وإذا ما صدقنا هذه المقدمة فنستنتج أن إنسانية الإنسان متعلقة بأخلاقه. ويجب أن نذعن إلى أن الأخلاق لها دور رئيسي في تربية البنت.
إن لحسن الأخلاق وسوئها دوراً كبيراً في سعادة المجتمع وشقائه. والتقدم والتطور أو انحطاط الأجيال علاقة بالأخلاق والتربية الأخلاقية وحسن أخلاق بنات اليوم أمهات الغد.
أن الأخلاق بمثابة المناعة لحفظ جسم الإنسان, فهي تنظم وضع الإنسان بشكل تجعله يحبّ للآخرين ما يحب لنفسه, والتربية بدون مراعاة الجانب الأخلاقي لا تعد تربية ولا أثر لها في الخارج, وإذا لم تتضمن التربية تهذيب أخلاق الإنسان فإن سلوك الإنسان وحركاته تصبح شأنها شأن حركات الحيوان فتقتل استعداداته وقابلياته ومهاراته في طرق إرضاء وإشباع شهواته وبطنه وغرائزه, شأنه شأن الحيوانات المفترسة.
أهمية الأخلاق
إن التربية الأخلاقية تعتبر من المسائل المهمة بالنسبة للبنين فضلاً عن البنات يجب أن يتعلم الإنسان الأخلاق ويفهمها حتى ترسخ مكارمها في إطار المحبة والعواطف في قلبه فيصبح ذا ورع وتقوى ويلعب دور القدوة بين أبنائه وعائلته.
يجب أن نهتم بالجوانب الأخلاقية في تربية البنت, لأن البنت إذا أصبحت مهذبة فإن الرجال يصبحون مهذبين, وعندها سيكون المجتمع مهذباً متحلياً بالفضيلة والأخلاق, وهنا يجب أن نولي الأهمية الكبرى للبنات لكي نخلق من البنت عنصراً قادراً على حمل الأمانة, وهي بحق أمانة عسيرة وصعبة.
إن إدارة الأمور في الحقيقة بأيدي الأمهات العاقلات المهذبات, وكذلك فإن الفوضى والاضطرابات مرتبط بالأمهات اللاإباليات والمهملات.
وإذا ما وصل المجتمع إلى حد يميّز فيه أن وجود المرأة غير المثقفة دينياً يسبب للمجتمع البؤس والفاقة, عندها ندرك أهمية التربية الأخلاقية في حفظ وصيانة شرف المجتمع وعزته.
أمور مهمة يجب ملاحظتها
في المجالات الأخلاقية هناك مسائل مهمة يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار وهي التضحية والإيثار, الفضيلة والخير والحياء, الصدق, الشجاعة, حب الخير وفعله, العفاف, عزة النفس, القناعة, التعاون والتكافل الاجتماعي, العفو, بعد النظر, الحلم, الأمانة وما إليها من الفضائل الأخلاقية, ويجب اجتناب رذائل الأخلاق مثل الأنانية وحب الذات والعجب, الغيبة, النميمة, الافتراء والبهتان, ضعف النفس, الذلة والجبن, وحب العظمة, والمسائل الأخرى من هذا القبيل.
أننا نسعى من خلال إتباع الطرق المثلى في التربية أن نخلق من البنت ملاكاً يمشي على الأرض, نبني فيه الجوانب الفكرية والروحية, بحيث تكون فرداً لا نظير له في عالم الرجال, فالمرأة يجب أن تتمتع بقسط عالٍ من الشخصية والعفاف, وأن تكون درجة عفافها أعلى من درجة عفاف الرجل, لأنها في الحقيقة هي المربي للرجال.
هناك ضيق نظر لدى البعض في التربية الأخلاقية, ممن يرى أن نربي البنت على قلة الكلام, والانزواء والطاعة العمياء, إن هذا النمط من التربية يعدّ بعيداً عن الصواب, والصحيح هو أن نسعى لجعلها مهيّأة مستعدة لأن تبني نفسها, وأن تألف وتؤلف ضمن الإطار الشرعي, وتكون ذات محضر لطيف وحسن, تؤدي مسؤولياتها بحسب ما أراد الله لها, بعيداً عن الكذب والحسد والحقد.
فضائل الأخلاق ورذائلها
في التربية الأخلاقية هناك جانبان يجب رعايتهما, وهما الجانب الأخلاقي الإيجابي والجانب الأخلاقي السلبي, أي الصفات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان والصفات التي ينبغي اجتنابها أما فيما يتعلق بالصفات الإيجابية وهي صفات الفضيلة, فيجب أن يربى الإنسان على العفاف والصدق والاستقامة, وأن يترعرع ذلك في أعماق نفسه, يجب أن يكون شجاعاً أميناً ومتواضعاً. وأن لا يكون معجباً بنفسه, يجب أن يكون جوهره صافياً كيلا يأخذ منه المظهر مأخذاً على حساب الجوهر.
يجب أن يكون أحب شيء إلى نفسه الإيمان, وأن يكون أفضل عمل إلى نفسه الإيثار والتضحية في سبيل الهدف.
ويجب أن يكون تواقاً لبناء أسرته على أسس من المحبة والمودة والتفاهم والصفح, مسيرته مملوءة بالتقوى والطاعة, وأن يتقبل الوعظ والنقد, وأن يرعى الآداب والسنن الإسلامية وأن يهتم بالنظافة والنظام.
أما بالنسبة للجانب السلبي في الأخلاق, فبشكل عام يجب تجنب رذائل الأخلاق كالابتعاد عن الدناءة وتجنب الغيبة والكلام البذيء والسب والشتم وإيذاء الناس, يجب ترك التصنع والتظاهر والعجب وسوء الخلق والغضب والحقد, وأن لا يكون نماماً يسعى بين الناس بالخراب والفتنة, وأن لا تكون لديه أدنى رغبة في ارتكاب الإثم, وأن يتجنب التكبّر والعظمة, وأخيراً أن يتحلى بأدب باطن يعصمه من هذه الرذائل.
الأخلاق الدينية
إن التربية الأخلاقية تضمن سعادة وكمال الفرد والمجتمع بشرط أن يكون منشأ الأخلاق نابعاً من صلب الدين والمعتقد. ونحن نرى أن الصفات الإلهية تنمو في ظل الأخلاق الدينية. فالذي يريد أخلاقاً بدون دين, شأنه- في نظرنا- شأن من يريد جسداً بلا روح, فلا فائدة في جسد بلا روح, لأن الإنسان الذي لا دين له يسلك سلوكاً ويتكلم كلاماً ليس له مصدر أو ضابطة, ومثل هذا الشخص لا يستطيع أن يصل إلى حالة التكامل الجوهري, فالشخص الذي لا يستعد أخلاقه من أصول الدين يصبح شخصاً أنانياً ولا يستبعد أن يقوم بالجريمة بشكل عادي, وإذا ما عرضت له منفعة مقابل منافع كثيرة للآخرين فإنه سيفضل مصلحته على الآخرين.
إن الكثير من مشاكل عالمنا هذا نابعة من هذا الأمر,فقد أعدّ بعض الفلاسفة وعلماء الأخلاق بعض الأصول العملية لحياة الفرد, ولكن هذه الأصول غير مرتبطة بالضوابط الدينية والمذهبية.
في نظرنا أن حق تعليم الأخلاق يعتبر من الحقوق المهمة في تربية الأطفال, وبالنسبة للبنت أهم, فللبنات في هذا المجال الحق الأوفر, لان مصير المجتمع مرتبط بهن.
أن أهم ما يقدم للبنت هو الأخلاق الدينية وهي أهم من الحلي والمجوهرات وأثاث البيت, فإن الغنى في الجانب الأخلاقي يغطي على الفقر في الجانب المادي.
الأخلاق العملية
في التربية الدينية والأخلاقية للبنت يجب أن نعتمد الجانب العملي وأن نستعين بالقدوة والنموذج في تربيتنا. والآباء والأمهات يتحملون في هذا المجال عبئاً ثقيلا, فبالإضافة إلى قيامهم بأعمالهم أمام أبنائهم بأحسن صورة, فإنهم يجب أن يكون لهم إيمان بما يفعلونه ويقومون به.
إن الشيء المفيد والمؤثر هنا هو العقيدة والإيمان, وإلا فإن المظاهر والتصنعات والأعمال المزورة والملفقة سرعان ما تنكشف للأبناء, وعندها ستفقد قيمتها, بل سيفقد الآباء احترامهم وتقديرهم أمام أبناءهم.
فالعبادة يجب أن تؤدى أمام الأبناء بشكل حقيقي لا تصنعي, يجب أن يكون هناك وفاء بالالتزامات, رعاية العدل, قول الصدق, الاعتدال في السلوك, الصدق مع الآخرين وعدم التلون, السعي الحثيث والصادق أثناء القيام بالعمل, رعاية النظافة والاهتمام بها, حفظ الشرف الإنساني, التواضع والإنصاف, المتانة والعفو. كل ذلك يجب أن يطبق تطبيقاً عملياً حقيقياً بحيث يشعر الطفل بأن هناك تطابقاً بين النظرية والعمل.