التربية في المجتمع

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

إن بناء الإنسان يتم في ثلاثة أماكن وهي محيط البيت, المدرسة والمجتمع, وبالإضافة إلى البيت هناك عامل مؤثر وهو الجانب الوراثي. في المدرسة والبيت هناك خصال وصفات تبرز لدى الأفراد بحيث تبني الشكل والهيئة الأخلاقية للفرد, ومما لا شك فيه أن دور المدرسة أهم من دور المجتمع, لأن المدرسة تقوم ببرامجها طبقاً للتخطيط والتفكير, حيث أن النظام التعليمي يبني برامجه على أساس تعليم وتربية الطلاب, وفي الوقت نفسه لا يمكن أن ننكر دور المجتمع وبالأخص بالنسبة للفتيات حيث أن هناك تنافساً بينهن للحصول على التفوق أو الظهور بمظهر لائق وجميل, والرغبة في لفت الأنظار.

إننا نعيش في مجتمع يخضع إلى عوامل كثيرة لكل منها دور في سعادتنا وشقائنا كالأدوار والأعمال, المنزلة والدرجة, الطبقة والمجموعة, الثقافة والأبعاد الاجتماعية, الانحرافات, المؤسسات, وكذلك المدنيّة والبداوة, الهجرة, تعداد النفوس والسكان, الحكومة, الحرب والسلم, التاريخ, الثورة والقيادة...الخ.

فإذا ما استطعنا أن نوجه كل هذه المسائل والتيارات على حسب أسس وضوابط معقولة طبعاً الأمر ليس باليسير وإنما فيه بعض المصاعب- لأمكننا أن نصون أبناءنا من الانحرافات والتأثيرات السيئة التي يبتلي بها المجتمع في بعض الأحيان.

ومما لا شك فيه أن القسم الأكبر من اهتمامنا يجب أن ينصب على مراقبة الفتاة والاهتمام بها.

 

الحياة في المجتمع

الإنسان مخلوق اجتماعي بالطبع, يتطور ويستمد تطوره من المجتمع, إن ما يأخذه الإنسان من المجتمع ليس بالقليل وربما يبقى تأثير ما اكتسبه من المجتمع إلى سنين طويلة, ويكون سبباً لسعادة الفرد أو شقائه.

إننا- وبسبب المشكلات الاجتماعية- لا نستطيع أن نصون أنفسنا من تبعات هذه المشاكل, فالحياة الاجتماعية تعتبر أرضية للإثارة, والوعي, والمواقف, وإبداء الآراء والتنافس, وتفتح الأذهان والقابليات, وبروز القابلية على الكلام والتعبير عن الرأي مما يسبب ظهور شعور وإحساس آخر. وكم من أبناءنا يتمتعون بحالة من الاستقرار والهدوء في البيت, ولكن عندما يخرجون من البيت ويرجعون ثانية نراهم يعودون وهم بحالة أخرى, يحملون آمالاً وطموحاتٍ بعضها صائبة وبعضها بعيدة عن الصواب والحق.

أن سوء التربية, وتعلم العادات والتقاليد, ونوع الأسئلة, بل ونوع اللباس والزينة... أغلب ذلك يمكن اقتباسه من الحياة الاجتماعية, أما الأخلاق والإرادة القوية فإنها تسعى إلى حفظ الإنسان بعيداً عن المؤثرات غير الطبيعية والموضوعات المبتذلة, ولكن الأكثر لا يصلون إلى الموفقية في هذا المجال.

التربية في المجتمع

إن تأثير المجتمع على الفتاة يكون عادة قليلاً, وعلى هذا الأساس فإن النظام الإسلامي ألقى موضوع القيام بالأعمال خارج البيت على عاتق الرجل, وذلك لتهيئة متطلبات وسائل العيش.

أما المرأة فيندر تواجدها في ميادين الحياة الاجتماعية والبيع والشراء إلا استثناء وضرورة, في الوقت نفسه فإننا لا نقول بأن تبقى الفتاة مغلقة على نفسها محبوسة في البيت أو المدرسة, بل لها الحق- وحسب الضرورة- في الارتباط مع صديقاتها, وأقربائها وأهل الخير والهداية والعلماء في المجتمع, مع رعاية المسائل الشرعية, كما أن لها الحق في شراء بعض ما تحتاجه من الوسائل التي لها علاقة بحياتها العائلية.

ومن هنا نستطيع أن تشقّ طريقها في الحياة الاجتماعية. والبنات شأنهن شأن البنين من حيث التقولب في المجتمع, كونهم يعيشون في أحضانه ويتأثرون بمؤثراته, ولأجل إبعاد البنت عن المؤثرات الاجتماعية السيئة يجب أن نراعي:

-        الوعي, الإيمان, الأخلاق, وللوالدين دور خطير في هذا المجال.

-        في نظرنا أن التربية بدون العوامل الثلاثة(الوعي, الإيمان, الأخلاق) تكون ناقصة ولا يكتب لها النجاح, وتبرز آثارها عاجلاً أم آجلاً, وبالأخص بالنسبة للبنات, فإن تأثّرهن يكون أكثر بحكم عواطفهن ومشاعرهن الرقيقة.

 

دور العلاقات الاجتماعية

للروابط والعلاقات الاجتماعية دور مهم في بناء وهدم الأسس الأخلاقية. فالكثير من الناس وقعوا في الشباك بسبب الروابط الاجتماعية الخاطئة, وبسبب كسب الطباع السيئة. وعلى هذا الأساس فإن هذه المسألة يجب أن تخضع للمراقبة, وأن تكون هناك ضوابط في العلاقات وعلى الأمهات أن يراقبن بناتهن وبالأخصّ في علاقاتهن وذلك للتعرف على صديقات ابنتها.

يجب أن تعرف عائلة البنت صديقات ابنتهم, ويجب أن تكون لديهم إحاطة عن خصوصيات وسلوك وأخلاق من لهن رابطة وعلاقة بابنتهم, وذلك ليستطيعوا إرشادها وتوجيهها.

لقد قدّمنا أن البنات يحملن صفة التسابق والمنافسة فيما بينهن, وذلك ليحظين بشخصية لدى الآخرين, وهذا الأمر له الأثر في بروز الفتن, حيث أن هذه الظاهرة تبرز للبنت في سن الصبا والبلوغ, ومن أجل أن تقوم البنت بإبراز شخصيتها فإنها تأخذ في البحث في أسرار حياتها, وفي بعض الأحيان تلجأ إلى الكذب والخيال في سبيل أن تبرز شخصيتها أمام صديقاتها, وهي في عملها هذا تروم التخلص من الإهمال والبقاء بعيدة عن الركب الاجتماعي, فتلجأ إلى هذه الأساليب, وفي كل الأحوال فإن الأمر قد ينتهي بها إلى السقوط الأخلاقي.

إن الاشتراك في جلسات البنات, ومراقبة ذهابهن وإيابهن والإصغاء إليهن من أجل إرشادهن وهدايتهن, وأخيراً: المواقف البناءة والإيجابية في هذا المجال لها دور مؤثر وبنّاء في التأثير على هذه الأمور.

 

الأجواء المختلطة

من المسائل التي تطرح في مجال الحياة الاجتماعية, والتي بها علاقة بتربية البنت موضوع الاختلاط, فالإسلام لا يجيز الاختلاط واللاإبالية والمجون, لأن الأمر يرتبط بحفظ العفاف وله علاقة بالتقوى وشرف المسلمين.

إن وجود الجاذبية لدى البنات وروح التجاوز لدى البنين يتطلب منا تجنب الأجواء المختلطة, لنتقي وقوع الانحرافات.

وهذا الأمر يقوى بالنسبة للبنين والبنات في مرحلة الشباب حيث يتكامل نموهم, فيكونون في مرحلة مملوءة بالعواطف المتوقدة. وهذا الأمر لا يكون سبباً في منع البنات من الذهاب لقضاء حاجاتها الضرورية خارج البيت حيث يقتضي الأمرأن تتكلم مع الرجل في المعاملات الضرورية.

إن الذين يدعون بأن الاختلاط يسبب الانفتاح في شخصية الرجل والمرأة, يتغافلون عما يترتب على هذه الظاهرة من مفسدة, تكون أكثر ضرراً وخسارة للمجتمع, حيث دلّت التجارب في كل نقاط العالم أن الاختلاط يجلب الاختلال في السلوك, والانحراف عن المسير الصحيح.

إن التعاليم الإسلامية وضعت ضوابط ومقررات للحياة الاجتماعية يجب أن تؤخذ ينظر الاعتبار في مجال التربية. فقد نهى الرسول الأكرم (ص) في حديث عن خلوة الرجل بالمرأة.

وقال الإمام علي (ع) أكره أن اسلّم على الشابة منهن لئلا أصيب من الذنب أكثر مما أصيبه من الأجر والثواب.

أما الإمام الصادق(ع) فلا يجيز أن تنظر المرأة إلى رجل أعمى.

وهناك روايات كثيرة أخرى تؤكّد على النهي عن اختلاط المرأة بالرجل أكثر من اللازم. والأصل في أن الناس يجب أن يختلطوا بحدود رفع حاجاتهم بشرط مراعاة الحدود والضوابط الشرعية, كعدم تغيير الصوت ولحن الكلام, وأن لا تصدر من الطرفين حركات وابتسامات توجب حدوث الريبة التي تكون من مقدمات الانزلاق والزلل.

 

مسؤولية المجتمع تجاه البنت

إن للناس مسؤولية تجاه البنت لا تقتصر على مسؤوليتهم تجاه بناتهم هم, بل تمتد إلى أبعد من ذلك لتشمل المسؤولية تجاه كل البنات في المجتمع, وهذه التكاليف تشمل كل أفراد المجتمع, وهم مسئولون تجاهها.

فهؤلاء يجب أن يعلموا بأن البنات أمانة الله سبحانه وتعالى, وهم المؤتمنون فيجب المحافظة على هذه الأمانة حتى ولو لم تكن متعلقة بالفرد, أي حتى ولو كانت البنت غريبة, فيجب أن يسعى الإنسان للمحافظة عليها باعتبارها أمانة الله,فيدافع عنها ويحافظ على شرفها في الزقاق والشارع من الأخطار التي قد تحيط بها.

 

ثانياً: يجب أن يخضع سلوكها في المجتمع إلى الرقابة بحيث يكون مطابقاً للضوابط, ويجب أن يكون الكلام في حضور البنات موزوناً خالياً من البذاءة والسباب والشتيمة, وكذلك يجب الامتناع عن الخفة في السلوك الذي يكون مدعاةً للانحراف عن الجادّة المستقيمة, ويجب مراعاة أصول المحادثة في البيت أو الاجتماعات الأخرى.

ثالثاً: يجب السعي من أجل حفظ المحيط العام للبنات من التلوث الذي يسببه الآخرون. وذلك بمراقبة سلوك وحديث الآخرين ومنع النظرات الخبيثة للبنات بواسطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بحيث نغلق أبواب التصرفات الشائنة على الآخرين. يجب منع ممارسة الأعمال القبيحة, لأن الكثير من التربية تكون عن طريق العمل, حيث يقوم الأفراد بتقليد العاملين. ويجب مراعاة العادات والأعراف الاجتماعية بشرط أن لا تكون مخالفة للشرع وتعاليمه, وأخيراً فإن كل حركات أبنائنا من قبيل كيفية الكلام والحركة والعلاقات الاجتماعية والتفكير والتعمق في الطرح في المجالات المشخصة والواضحة وطرق التعليم (بالفكر والمطالعة أو بالحس واللمس) كل ذلك يجب أن يخضع لرقابتها وأن نسعى في تقديم الدرس الجيد والأسوة الحسنة لهم.

 

القدوة الاجتماعية

نحن نعلم أن القسم الأعظم من شخصيتنا, حديثنا وعملنا, وأسلوب حياتنا ناتج من مشاهداتنا لأعمال وأقوال الآخرين, وقسماً قليلاً من ذلك يأتي من المطالعة والتفكير.

إن الإنسان في عمله وسلوكه يكون مقلداً للآخرين مقتدياً بهم حيث يراقب كلامهم وأعمالهم بدقّة, ومن بين الأفراد الذين نحتك بهم يومياً الأشخاص الذين تكون أعمالهم منسجمة مع أفكارنا وتطلعاتنا ومن هنا تطرح مسألة القدوة حيث تبدأ عملية التأثير من قبل القدوة.

هناك نقطة مهمة في مسألة القدوة ينبغي الانتباه لها, وهو أن التأثير بواسطة النظر يكون أكثر بدرجات من تأثير الدرس والبحث.

فالإنسان يتعلم كثيراً وسريعاً عن طريق المشاهدة, ويكون تأثير التعلم عن طريق التمارين الجافّة والمحاضرات والعادات أقل من تأثير المشاهدة, والثاني أفضل من الطرق الأخرى.

وعلى هذا الأساس فإن المجتمع الإسلامي- ومن أجل القيام بالتربية الصحيحة للأفراد, يؤمن بضرورة وجود قدوات صالحة في المجتمع تغطي وتمنع حضور الكاذب والفاسد في المجتمع, وقد اعتنى الإسلام بهذا الأمر كثيراً.

نحن بحاجة إلى بنات مسلّحات بالعفة والتقوى, حافظات لشرفهن وأخلاقهن الإنسانية ليكنّ قدوة يعوّل المجتمع عليهن, بدلاً من الراقصات والمغنيات وبائعات الهوى.

إن الاهتمام بهذا العمل يمثّل وظيفة ومسؤولية خطيرة حيث إننا نسعى إلى الوصول إلى هدفنا بدون معاناة وإضاعة للوقت.

 

محيط تربية البنت

من مسؤولياتنا أن نسعى إلى تربية البنت في محيط اجتماعي تراعى فيه مسألة خلو ذلك المحيط من الفساد والتلوث أو على الأقل إبعاد البنت عن الأجواء الملوثة والموبوءة, لأن المحيط الفاسد المليء بالضلال لا يؤثر على الفتيات فحسب, بل يؤثر على جميع الفتيات حيث يهيئ لهن الأرضية المناسبة للفساد والتحلل.

التربية في بعض الأحيان تكون مقصودة, وفي أحيان أخرى تكون عن غير قصد ووعي. فالإنسان, وعن طريق تردّده يستطيع أن يتعلم بعض الأساليب والعادات, وهذه التربية غير المقصودة تؤثر في مرحلة الطفولة أكثر من تأثيرها في المراحل الأخرى, ومن هنا فإن الطفل يجب أن يخضع للمراقبة الجادّة.

أن ما يحصل في أوساطنا ناتج عن التربية غير المقصودة ولا الواعية. وعلى هذا الأساس يجب أن نحافظ على سلامة المحيط. فإذا ما وجد في المجتمع شباب متهتكون فاسدون شغلهم العربدة والرقص فإننا لا نتوقع من بقية أفراد المجتمع التحلّي بالأخلاق الفاضلة الحميدة.

ان غرضنا من هذا الحديث هو حفظ البنت من الفساد والانحراف وذلك عن طريق تهيئة الأجواء السليمة لها, مع رعاية الموازين الأخلاقية, والوقوف بوجه رواج القيم الكاذبة البالية والغير أخلاقية, وأخيراً: نقف بوجه أي عملٍ نتيجته الفساد والتحلل.

 

العلاقة مع الأقرباء

إن أكثر الزلات والهفوات التي يبتلي بها الأبناء تنتقل إليهم عن طريق الأقرباء, ففي بعض الأحيان يكون الآباء والأمهات من ذوي الدين والتقوى فيقومون بتربية أبنائهم على أسس وضوابط دينية, ولكن يوجد بين أقربائهم من لا يتمتعون بأخلاق حسنة من الذين ابتلوا بالأعمال القبيحة, فيتعلم الطفل منهم التربية السيئة, وذلك بحكم الارتباط العاطفي بهؤلاء الأقرباء.

يجب أن نحتاط في علاقة البنت مع أقربائها, فمن الممكن أن تسوقها هذه العلاقة إلى الفساد والهلكة. فالكثير من الأخلاق السيئة, وكذلك الاهتمام المفرط بالمظهر والزينة والحلي كلها تنتقل عن طريق الأقرباء, وإن الكثير من الفساد ينتقل إلى البنات بسبب الأمور المذكورة.

وفي نظرنا: إن على الوالدين التحلي بالعقل, سيما الأم فعليها التقيد بالقواعد والمقررات الخاصة بالحياة ومعرفة الموقع المناسب لتمتع أولادها بحرية في العلاقات والمواضع التي يجب منعهم فيها عن هذه العلاقات. وإن إغلاق الحب والحنان الكافي على الطفل يجعله يرتبط بوالديه أكثر من ارتباطه بالأقرباء.

 

المراقبات الاجتماعية

وأخيراً فإن أفراد المجتمع البشري يتعلم بعضه من الآخر, ويستفيد من مصادر مشتركة, لذا فإن التصرفات والسلوك الاجتماعي يجب أن تخضع للرقابة, وهذه الرقابة تكون عادة من خلال ثلاثة طرق وصور وهي:

1-  عن طريق الدولة الإسلامية التي تأخذ على عاتقها حفظ الشرف وحراسة التعاليم والمقررات الإسلامية.

2-  من قبل الناس بواسطة القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3-  من قبل الوالدين والمعلمين, فإن مسؤوليتهم تجاه الأطفال هو حفظهم من الأخطار المحدقة بهم ومعاملتهم معاملة حسنة.