تربية الأبناء في المدرسة

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

هناك عوامل متعددة لبناء شخصية البنت, منها المدرسة وما يرتبط بها.

إن جو المدرسة يعتبر جواً مناسباً ومعقولاً بالنسبة للبنت لأنه خال من أثاره المشاعر والعواطف, يمتاز بالتخليط وحسب الأدلة المتوفرة فإن بعض البنات يتأثرن تأثراً شديداً بسلوك معلماتهن, وهذا التأثر قد يكون سلبيا وقد يكون إيجابياً.

الكلام هنا حول طبيعة المدرسة ومسؤولياتها؟ وما هي الأفكار والمعلومات والتي يجب أن تزوّد البنات بها؟ وكيف تستطيع الاستفادة من القابليات والاستعدادات الإبداعية لدى البنات؟

إن المصلحة تقتضي أن توكل مهمة التربية لأشخاص ذوي كفاءة واقتدار واستعداد في هذا المجال, بحيث يستطيعون أن يؤمّنوا للبنات ما يلزم لنموهن وفطرتهن.

 

مسؤولية المدرسة

في المجتمعات ذات الأنظمة الفكرية- عادة- تكون المدرسة مرتبطة بالدولة وتعيّن مسؤولياتها ووظائفها من قبلها, وعلى هذا الأساس فإن هناك مسؤوليات ووظائف تقع على عاتق المقبولين في الجامعة. أما في مجتمعنا الإسلامي فهناك أمران آخران لا بد من مراعاتهما- أيضاً- في هذا المجال, هما:

1-  استمرار التربية العائلية على أسس وضوابط إسلامية.

2-  الاستفادة من أساليب جديدة لغرض بناء الفرد وإعداده لبدء الحياة الاجتماعية, وفي طريقنا للوصول إلى هذا الهدف ننتظر من المدرسة أن تكون قدوة في طريق الوصول إلى هذه الأهداف, لكي تقوم بنشر الأفكار والاعتقادات التي تتناسب مع التعاليم الفكرية للمدرسة الإسلامية, وتكون المدرسة بمثابة محل لصقل الأفراد وإعدادهم للدخول في معترك الحياة.

ينبغي أن يكون أسلوب المدرسة ونهجها متمشيا مع ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية, وعمل المعلمين هو تقييم الآداب والسلوك والعادات والأبعاد الثقافية للتلاميذ, والقيام بإصلاح السيئ منها وإثراء لهم ما يحتاجونه, وبهذا تكون المدرسة ذات طابع فني ومسؤولية مهمة. فالطفل عندما يذهب إلى المدرسة فإن المسئولين يتحملون وظيفة شرعية ووجدانية تجاه هذا الطفل, ويكونون شركاء في سعادته وشقائه, لذا فإنهم يتحملون مسؤولية مهمة في إيجاد الملجأ الأمين والمناسب للطفل, فهم يملئون الفراغ العاطفي الذي ينتج من ترك الطفل لأمه, فيجب تحريك الشعور بالغيرة لدى الطفل للقيام بأعماله ووظائفه الملقاة على عاتقه.

 

أهمية المدرسة

تمثل المدرسة جسراً لعبور الطفل من الحياة العائلية إلى الحياة الاجتماعية, فيتعلم من المدرسة دروساً في الحياة, وهناك تبنى شخصية الطفل.فالطفل عندما يدخل المدرسة فإن تحولاً مهماً يحدث في ذهنه وفكره وينشأ له تصور آخر عن الحياة, لأن الحياة التي يعيشها في المدرسة لا تشابه الحياة في البنت, فنوع المعاملة والأوامر والنواهي لا تشابه ما كان موجوداً في البيت. يجب أن يعتمد الطفل على نفسه, ويتّخذ التدابير لإدامة واستمرار حياته.

إن الحجر الأساس للحياة الاجتماعية والحياة الفردية يوضع في المدرسة, والبنت هنا تضطر إلى التفكير بحياتها الجديدة مثل الآخرين, وكل ما تتلقاه في المدرسة يكون مساعداً على تقوية إرادتها وعزيمتها وإيقاظ استعداداتها وتهيئتها للوصول إلى أهدافها والخلاص من المشكلات, وأخيراً: الاستفادة المتنوعة من هذه الروضة التي تعتبر بمثابة المصنع لإعداد الإنسان وبنائه.

 

أجواء المدرسة

إن جو المدرسة- وبالأخص في المرحلة الابتدائية- يجب أن يكون مشابهاً لجو البيت والعائلة, فالبنت يجب أن تنال المحبة والحنان في المدرسة مثلما كانت تناله في البيت, وبالأخص في الأيام الأولى لافتتاح المدرسة, بحيث يتم كسب عواطفها وإحساساتها فتحس بالمحبة والعطف والدفء والحنان.

إن محيط التربية من وجهة نظر الإسلام يجب أن لا يكون مختلطاً, وهذا الأمر يجب أن يحظى بالاهتمام في السنين الأولى لبدء مرحلة التمييز لدى الطفل, والاعتماد على هذا الأسلوب في التربية تقتضيها أمور عديدة, منها:

1-  إن تربية الجنسين تحتاج إلى أسلوب مختلف في التربية, من حيث المحتوى والمعاملة والأسلوب.

2-  المحافظة على العفة لدى الولد والبنت, وقد أكد الإسلام على ذلك.

3-  المحافظة على الحجاب والذي يعتبر سبباً في الحفاظ على العفة والابتعاد عن الانحراف, ويعتبر حجر الأساس الذي يجب أن يوضع في هذا الطريق.

4-  وضع الأسس للحياة العائلية طبق ضوابط ومقررات مخطط لها سلفاً.

5-  إعداد جيل سالم ومهذب.

6-  الوقوف أمام أثارة العواطف والغرائز لدى الجنسين.

 

أسلوب العمل في المدرسة

ينبغي أن تكون الأساليب المتبعة في المدرسة كفيلة بكسب ثقة الطفل بالمدرسة, لأن المدرسة لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها التربوية من دون ذلك, حيث أن أولياء المدرسة بإمكانهم أن يفتحوا باباً من الشوق والرغبة في أعماق الطفل بواسطة الحب والحنان الذي يبدونه للطفل, وبهذه الطريقة فإنهم سيتمكنون من تنمية أفكار ومعتقدات الطفل وتوجيهها, وهناك نقطة يجب الانتباه لها وهي أن السنين الأولى من حياة الطفل يجب أن لا تشهد اختلافاً في السلوك والانضباط بين المدرسة والبيت, لأن الطفل سيجد نفسه في محيط غريب عندها سوف لا يؤثر كلام المعلم وإرشاداته على الطفل, فنراه يحب دائماً أن تنقضي ساعات الدرس بسرعة ليرجع إلى الجو الذي ألفه وهو البيت.

 

أسلوب توجيه الطفل في المدرسة

كما قلنا إن المدارس والمؤسسات يجب أن لا تنهج نهجاً مغايراً لنهج الأسرة في التربية( بشرط أن يكون نهج الأسرة صحيحاً), ويجب أن تسعى المدارس للحفاظ على الحصيلة التربوية التي حصل عليها الطفل من أسرته. وهذا الأمر يصدق على البنات أيضاً, فيجب رفع مستوى الشعور والوعي لدى الفتاة, لتستطيع معرفة أسرار الحياة ورموزها.

ومن الأمور التي يجب أن تعلمها المدرسة للفتاة هي سعة النظر حول نفسها باعتبارها عنصراً قابلاً للنمو والترقي, وكذلك تعليمها المسائل التي لها علاقة ودور مهم ومؤثر في نمو شخصيتها الاجتماعية, وتعليمها الفنون والحرف المتعلقة بها كفتاة, وتنمية الوجدان الأخلاقي لديها, واحترام القانون والنظام ويلزم أيضاً إعطاؤها المقاييس والمواصفات للحياة الصحيحة والواقعية, وتنمية ميولها الاجتماعية, وتعليمها الأخلاق, والفنون والطرق المتعلقة بتربية الطفل, وإدارة الأسرة, والمسائل التي لها علاقة بالوظائف الشرعية والأخلاقية, وتعليمها كيفية إقامة العلاقات مع الوالدين, والزوج, والأولاد والأشخاص الآخرين, طبق الموازين الشرعية, وبقية المسائل التي لها علاقة بحياتها الحالية والمستقبلية.

التعليم الحرفي

إن قسماً من المعلومات المتعلقة بمجالات الحرفة والمشاغل الأخرى تقوم المدرسة بتعليمها للبنات في الصف الثالث في المدرسة الابتدائية والمدرسة في هذا المجال يجب أن تلاحظ التباين في المسؤوليات بين البنين والبنات, فمثلاً تعلّم الأولاد الأعمال اليدوية والفنية وتعلّم البنات الخياطة, التطريز, الحياكة, الطبخ وما أشبه.

ومن الطبيعي فإن هناك اختلاف في رغبة الفتيات في هذه الأعمال, وهذا الاختلاف يجب أن يكتشفه أولياء المدرسة والمربون بأنفسهم. ويعدّ اكتشافه من المهارات التي يمارسها الأولياء في مجال التربية. ويجب أن يأخذوا بنظر الاعتبار بأن تربية البنت لا تشابه تربية الولد وبالعكس, لأن هذا العمل في الوقت الذي يكون فيه مخالفاً للفطرة والطبيعة التكوينية للجنسين, فإن نتيجة التربية لن تكون لصالح البنت ولا لصالح الولد.

 

مسؤولية المعلم

إن عمل المعلم ومسؤوليته فيما يتعلق بالتلاميذ يعتبر من الأمور الصعبة, وبالأخص بالنسبة للبنات, لأن في تربية الفتاة ينبغي مراعاة الظرافة وبعض الأمور ذات الحساسية الخاصة, حيث أن العمل بها والاهتمام بها يعتبر من الأمور الصعبة, وكذلك فإن المعلمين يتحملون مسؤولية السعي والاجتهاد في سبيل توفير السعادة والاستقرار الحقيقي للبنت. فالمعلم بالإضافة إلى تربية الاستعدادات والقابليات الفطرية لدى الطفل, يتحمل مسؤولية هداية الطفل وإرشاده إلى طريق الخير والصلاح, ويجب أن يسعى إلى إرشاده إلى القواعد والأصول التي ينبغي أن يتعلمها الطفل بشكل هادئ ومحبّب إلى النفس.

إن على المعلم أن يهيئ وسائل الفهم والإدراك للطفل, وذلك ليتعرف على القيم التي يراعيها المجتمع الإسلامي فترسّخ هذه القيم في ذهنه ووجدانه. ويجب أن تبنى شخصية الطفل بشكل لائق, لكي يتعرف على البيئة التي يعيش فيها, ويجب أن يكون الطفل عطوفاً لا مهملاً, بشيراً ونذيراً وليس لا أبالياً, يجب أن يكون لدى الطفل رغبة في الترقي والبحث وأن يكون ذا حساسية في مقابل إصلاح وهداية الطفل كذلك يجب أن يكون دقيقا جدا في سبيل معرفة الطفل كي نستطيع التخطيط لإصلاحه وبنائه.

 

المعلم القدوة

إن المعلم يجب أن يكون قدوة في القيام بمسؤولياته في تربية البنات. قدوة في التقوى والأمانة والطهارة والصفاء والوعي والذكاء, وفي هذا المجال يجب أن يحظى باحترام من قبل تلميذه, فيكون تلميذ خاضعاً متواضعاً مخلصاً لمعلمه ويتجاوب معه بكامل رغبته.

إن الكثير من الممارسات في المجالات التي لها علاقة بالأخلاق, المواقف, الصراحة والتسليم, الطهارة ومن هذا القبيل يكون لها تأثير حادا على أوضاع التلميذ. وإذا ما حدثت هفوة أو خطأ في هذا المجال فإن ذلك سيترك أثراً سلبيا على روح الطفل ويتعسر إصلاحه.

على معلمينا أن يتخذوا من الأئمة المعصومين الأطهار قدوة لهم, ليستطيعوا التأثير على أفكار تلامذتهم وسوق أرواحهم وأذواقهم إلى الواجهة التي يريدونها, إن دور المعلم المتزوّج أكثر تأثيراً باعتباره جرّب وسلك طريق الحياة.

ويجب أن يتعامل المعلم مع تلميذه ويخلق منه إنساناً ذا فكر قويم ورأي مستقل.

 

في الجوانب العاطفية

يجب أن تقوم المعلمة بتربية البنت تربية تشعر معها أنها شريطة آلامها وآمالها, فتودعها أسرارها وما يخالج نفسها وتطلب منها حلاً لما يعتريها من المشاكل.

إن مما لا شك فيه أن الطفل عندما يأتي في الأيام الأولى للمدرسة فإنه يعاني من فراغ عاطفي كبير نتيجة فراق والديه, فعلى المعلم أن يكون بملأ هذا الفراغ فيغمر التلميذ بالعطف والحنان ويجب أن يكون المعلم مسيطراً على عواطفه تجاه الطفل, وعواطف الطفل تجاهه.

ومن النقاط المهمة في هذا الباب هو أن يكون المعلم على حذر من حدوث منافسة بينه وبين والدي الطفل في كسب الأخير تؤدي إلى ارتباط الطفل وتعلقه بأحدهما. فالطفل يجب أن يعدّ ويتأقلم للعيش في محيط الأسرة وليس في محيط المدرسة, وحل المسائل الأساسية في حياته يجب أن يوكل إلى أسرته.

ولا شك أن المحافظة على هذه العلاقات يقتضي أن يكون المعلم صاحب خبرة وفن, لأن دفع الطفل وإخراجه من ارتباطاته الوثيقة التي ارتبط بها يعدّ خطأ كبيرا.

إن لدعوة أولياء التلاميذ للحضور إلى المدرسة وتبادل النظر معهم بشأن التلاميذ وبحضورهم, الأثر في تحكيم منزلة المعلم في نفوس التلاميذ, كذلك فإن التلميذ- يحس بوحدة نوع المحبة والحنان من قبل المعلمين والأولياء, ومن المفضل أن تتكرر الزيارات واللقاءات والتفاهم.

 

العلاقات بين التلاميذ وكيفية الإشراف عليها

تعتبر المدرسة محيطاً عاماً, وفيها تجتمع عينات مختلفة من التلاميذ, كلّ منهم قد تربّى على طريقة خاصة. فقد يكون بعض التلاميذ وبسبب تربيته العائلية الخاصة- في وضع إذا ما اختلط مع بقية التلاميذ, سبّب لهم إضراراً وتبعاتٍ وليست وظيفة المعلم في هذا المجال القيام بمنع مثل هذه العلاقات بين التلاميذ, بل يكون بمثابة المراقب لها, والمتحكم في المواقف.

على المعلم أن لا ينسى بأنه مؤتمن من قبل الله, والناس: فإذا ما حدث انحراف لدى التلاميذ على أثر التسامح واللاابالية, فإنه سيكون مسئولا أمام الله وأمام المجتمع.

ينبغي أن تكون متابعة الفتيات ومراقبتهن في سنين الصبا والبلوغ وعندما تشتدّ عندهنّ الرغبة في التمثل بصفات المرأة البالغة.

ويجب أن يكون المعلم عاملاً مساعداً ومشجعاً للتلاميذ لكي يهتموا بمراعاة الأخلاق, وأن يوصيهم بأن يتعاطفوا ويتحاجوا فيما بينهم بحيث يساعد التلميذ الكبير أخاه التلميذ الصغير ويشدّ على عضده, ويكونوا كالأخوة والأخوات يقوموا بأداء دور الأخوة بأن يتعاونوا فيما بينهم كوظيفة إنسانية.

  

المعلم والسيطرة على أخطائه

هناك نقطة مهمة لا بد أن نذكرها هنا, وهي أن المعلم يمثّل القدوة في العمل والتخطيط, وكل سلوك شائن أو تربية غير صحيحة تصدر منه تكون بمثابة المصيبة والكارثة في الحياة التعليمية, وعلى هذا الأساس فإن المعلم, ومن أجل صلاح الطفل يضطر إلى التقيّد في سلوكه وتصرفاته تقيّداً كاملاً.

النقطة الثانية: إن الكثير من الاستعدادات والقابليات لدى الطفل- وبسبب جهل المعلم وعدم معرفته بما يعمل- ستذهب إدراج الرياح, وسيذهب معها الذكاء والوعي, حيث سيوجّه- وجهة غير صحيحة, فيكون الأمر مجلبة للشقاء والعناء.

أما النقطة الثالثة: فهي إن من الخطأ أن يتكلم المعلم فقط وتتخذ التلميذات دور المستمع فقط بل على المعلم. ومن أجل معرفة الفتيات واتخاذ التدابير اللازمة في طريق هدايتهن أن يخلق عندهن الرغبة للكلام وإبداء وجهة نظرهن في بعض المسائل والمواضيع. إن من الذنوب الكبيرة أن يقوم المعلم بتولي مهنة التعليم وهو الآن لم يصل بعد إلى مرحلة بناء نفسه, فيقوم بالتدخل في تربية أفراد يحملون ذهنية صافية وبعيدة عن كل الملابسات والقبائح. فالمفروض أن يقوم بتربية وبناء وإصلاح نفسه أولا, وبعد ذلك يتقبل مسؤولية تربية الآخرين, ويطلب من الله التوفيق في هذا المجال.