التربية الثقافية
الكاتب : الدكتور علي القائمي
إن الإسلام يرفض فكر الفلاسفة الغرب في القرن السادس عشر القائل بأن علم المرأة يكفي إذا كان في حدود معرفة الفرق بين قميص زوجها وسرواله, ولا تحتاج إلى معلومات أوسع نطاقاً من ذلك. إن الفكر الإسلامي يرى بأن المرأة شأنها شأن الرجل لها الحق في اكتساب المعلومات الواسعة, وفي مجالات الحياة المختلفة, ويجب أن يكون لها نظرة شمولية للكون.
نحن لا نريد من المرأة أن تحصل على التخصص في العلوم في سبيل كسب وتأمين لقمة العيش, وإن كان الإسلام يشجع المرأة للوصول إلى التخصص والمهارة في العلوم والفنون المختلفة.
التربية الثقافية للبنت
إن وظيفة التربية تشتمل على بناء كافة الإبعاد الوجودية للإنسان لا أن يقتصر الأمر على تربية بدنه وعضلاته لكي يحصل على ما يريد في حياته اليومية, فماذا يحتاج الإنسان لكي يعيش في المجتمع الإنساني؟ أي نوع من الفكر والمعلومات يحتاج في حياته اليومية, وأية مسائل يجب أن يتعلمها ويفهمها؟ وفي الوقت نفسه يجب أن نذكر هذه النقطة وهي: أي نوع من المعلومات يجب أن يتعلمها من والديه في تربيته الثقافية وذلك لاكتساب الصفات الحميدة والسلوك الحسن؟ وما هي العبارات والجمل التي يجب أن يقدحها الوالدان في ذهن أبنائهما لكي تكون عامل فعالية ونشاط لهؤلاء الأبناء؟
وعلى هذا الأساس فإن جدارة البنت لكي تكون أماً في المستقبل تحسن تربية أولادها, تعتمد على كيفية تربيتها ثقافياً, وتعتمد على المواقف التي نتخذها تجاهها, وكيفية توجيهنا وإرشادنا إياها, وعلى المسائل التي نختارها لها أثناء تربيتها الثقافية, وعلى أي أساس يتم ذلك.
تعليم المفاهيم والاصطلاحات للأطفال
أن عيش الطفل مدة من الزمان في أحضان عائلته يحتاج خلالها إلى الجميع في سبيل توسيع دائرة معلوماته واحتياجاته, وأول المسائل التي يجب أن يتعلمها الطفل في بداية حياته هي المفاهيم والاصطلاحات وأسماء الأشياء. وينمو بالتدريج فتتسع دائرة احتياجه إلى المعلومات فيتعلم أسماء الأشياء البعيدة عن دائرته.
أن الشيء المهم لدينا في التربية هو إيجاد الارتباط بين العبارات ومفاهيمها, والأشياء وأسمائها, لدى الطفل, حيث أنه يسعى وبعد بلوغه السنة من حياته, وبالتدريج, على درك بعض الأسماء والألفاظ, فيجب أن نسعى إلى تعليمه هذه الأشياء والأسماء بالصورة الصحيحة والمكان والزمان المناسب لاستعمالها.
إن الكلمات التي نسمعها للطفل من الأيام الأولى يجب أن تكون بنّاءة ومفيدة في حياته المستقبلية وذات قيمة, ويجب أن نبعده عن الكلمات والاصطلاحات المنحرفة والتي تسبب حرف ذهنه.
تربية الفكر لدى الطفل
من أجل أن ننمي قدرة الطفل على تلقّي المفاهيم وتطبيقها مع مسمياتها ومع الوسائل والأشياء, فمن الضروري تربية أفكار الطفل وادراكاته, أن سعة ونمو فكر الطفل يكون عادة في السنين الأولى, أي في فترة المدرسة الابتدائية, وبالتدريج فإن هذه الادراكات تقوى حتى يستطيع الطفل درك المسائل المعنوية والمثالية بالشكل والبيان الذي يفهمه والده.
تكون لادراكات الطفل الأولية عادة علاقة بالأمور والعوامل التي له القناعة, أما الأسئلة التي يكون فيها محذور أخلاقي في الإجابة, فهنا يجب إعطاء الجوانب بشكل مختصر وبسيط بدون إثارة بعض الكوامن في نفسه أو الشعور بأن والديه لم يجيباه على السؤال أو إنهما اتخذا منه موقفاً صلباً, فعندها يلجأ في سؤاله إلى مصدر آخر ليحصل على الجواب, الذي لا يتوقع أن يكون الجواب الصحيح المنطلق من شخص مخلص يشخّص المصلحة الحقيقية للطفل فيهديه إلى الصواب.
فإجابة الأب على السؤال مع بيانه النقاط السلبية في الموضوع كفيلة بإقناع الطفل, وسوف تكون رادعة عن الإصرار على مواصلة السؤال في هذا الموضوع.
في الجوانب العلمية
إن للعلوم والمعارف دوراً في رفع مستوى المعلومات والخبرة لدى الطفل وبالتالي رفع مستوى الحياة وتحمل المسؤوليات, وعلى هذا الأساس يجب أن ينصب قسماً من سعي الوالدين على دفع المستوى العلمي والوعي اللازم لدى الأبناء وتهيئة الأرضية المناسبة لذلك.
أن الجهل له دور مباشر في الحيلولة دون نمو الأفكار وحل المشاكل ويجب أن لا تحرم البنت – ولأي سبب كان – من تحصيل العلوم والمعرفة وتكون عرضة لطوق الجهل, لأن الجهل يمنع نمو الشخصية الإنسانية ويوجب الحسن بين الأفراد. إننا إذا حرمنا البنت من تلقي العلوم والمعارف فكيف نرجو منها أن تكون عضواً نافعاً وشريكة ذات دور في الحياة الاجتماعية؟
وحول قدرة البنت على الحصول على مكانة علمية عالية وتحصيلات دراسية متطورة, فإن للإسلام موقفاً مشجعاً وإيجابياً تجاه ذلك, لكن هل أن مسألة تبوئهن لمراكز علمية عالية له أهمية كما هو للرجال أو أن اشتغالها في أماكن معيّنة وضمن مسؤوليات وتخصصات معينة أمر إجباري فإن الإسلام يرى الرجل المسئول عن تهيئة متطلبات العيش شرعاً.
أما المرأة في النظام الإسلامي والحياة الاجتماعية الإسلامية تكون مسئولة عن تربية الأطفال وشؤون البيت وإذا ما سمح لها الوقت والظرف فبإمكانها التوجه إلى كسب العلم والتخصص بدون أية موانع أو محدوديات .
في الجوانب الفكرية والفلسفية
إن المرأة إذا ما أرادت أن تعيش عيشة حسنة وان تكون موفّقة في إدارة شؤون أسرتها وأولادها, فيجب أن تكون لها خلفية فكرية وسعة في الذكاء والإدراك المرتكز على أفكار فلسفية لشئون الحياة, بحيث تعرف العالم الذي تعيش فيه, ومن أجل أي هدف وقصد؟ هل إنها يجب أن تعيش في دنيا مملوءة بالمعاناة والويلات أم في دنيا مملوءة بالمسرة والأفراح؟ هل أنها تنظر إلى الحياة نظرة محبة ولذة أو نظرة من يريد أن يقوم بانجاز أعماله ومسؤولياته المناطة به؟ هل تريد أن تعيش عيشة واقعية أم عيشة مبنية على الأحلام؟
أن للتفكير والمرونة الفكرية والاعتقاد دوراً أساسياً واستثنائياً في بناء شخصية الأولاد وإعدادهم اللائق. فالذي يعتمد الإسراف- عن عقيدة وفكر- أو الزهد والاقتصاد المقرون بحب الربح والفائدة, والقناعة وعدم الشكر, أو مع أي شخص يتعاون وإلى أي شخص يلجأ من حاجته, وسعادته وشقائه؟ وفي أي شيء يكمن؟ كل ذلك يؤثر على تربية الأبناء. وفي هذه الأمور يجب أن نقوم ببذل العناية اللازمة بالبنت لأن البنات يمنحن الحياة رونقها, وللأجيال القادمة سعادتها.
في المجالات الأدبية
من الأمور التي لا جدال فيها هي أن البنت ينبغي أن تكون على اطلاع في المسائل الأدبية مثل الشعر والنثر والمصطلحات وضرب الأمثال والكنايات, والمهم أن تكون هذه الأدبيات مطابقة للحقائق والأمور المندوبة, فما أكثر الأشعار المتفسخة وما أكثر الأمثال التي لها دور في هدم البناء الأخلاقي للإنسان. إن الأدبيات المفيدة هي التي تعلم الإنسان الخلق والفضيلة, فالأمثال والكنايات الجيدة هي التي تجنب الإنسان من اتخاذ المواقف الخاطئة, ولا تجعل منه إنسانا لا أبالياً أو تعلمه الأساليب الملتوية وغير الصحيحة, فالإنسان بحاجة إلى حد ما- إلى الأدبيات القديمة والجديدة لكي يستطيع الاستفادة من تجارب الماضين في حياته الحاضرة ولكي يسدّ الفراغ الموجود لديه بواسطة المطالعة في آثار المتقدمين حيث تعتبر من وسائل المتعة البريئة.
في الجوانب الفنية
يجب أن تتعلم البنت قبل زواجها الفنون لكي تصبح من ذوي الفن, ولا نعني بذلك فن الرقص والغناء ووسائل اللهو والتخدير. إنما نقصد الفنون التي لها دخل في حياتها, والتي توثق ارتباطها بالله سبحانه وتعالى. إننا نقصد بالفن الذي يجب أن تتعلمه البنت هو ذلك الفن الذي يضفي على الحياة العائلية رونقاً وصفاء فيخفّف الصعاب والمعانة, ويكون له دخل في خدمة الأسرة والمجتمع, وفيه لله رضىً بحيث يتم فيه ملء الفراغ الموجود ويجعل أوقات الفراغ مملوءة بالفائدة والمنفعة.
إن الحياة من وجهة نظر البعض تعتبر فناً حيث توجد فيها اللطافة والدقة, فهي تعتبر فناً بالنسبة للبنات حيث تؤخذ البنت على عاتقها تربية الطفل وإدارة شؤون البنت وحفظ النظم والانضباط في البيت وإقرار الهدوء والسكينة في المحيط الأسري, وإيجاد الأجواء الملائمة المملوءة بالدفء والمحبة بين أفراد الأسرة, فلا يمكن فصل التعليم الفني عن حياة البنت, فهي بأمسّ الحاجة إليه, فالفن يعتبر المؤنس في ساعات الفراغ والخلوة, والباعث على تلطيف وتهذيب العواطف والأحاسيس والغرائز وله الدور في رسم وبناء الحياة المستقرة.
في مجالات العادات والتقاليد
في كل مجتمع عادات وتقاليد موروثة من الأجداد والأجيال السابقة, ففي تربية البنت يجب أن نسعى إلى أن نخلق منها إنساناً قادراً على تقييم العادات والرسوم المفيدة فتعمل بها. وأما ما هو غير مفيد وغير لائق فتجنبها أو تصلح ما يقبل الإصلاح منها. ولسنا بصدد أن نجعل البنت ترتبط بعادات وتقاليد بشكل غير مبرمج أو محسوب غافلة عن التقدم والتطور الذي نالته الإنسانية. فمثل هذا الإنسان الذي يكون بعيداً عن التطور والتقدم مثله كمثل من حكم عليه بالموت والفناء. فالعائلة يجب أن تسعى إلى تلقين أبنائها العادات والآداب والعقائد الحسنة والمتفق على تقييمها والحائزة على مرتبة الصلاح, أما أن نملي على الأبناء عادات وتقاليد لا لشيء إلا لأنها كانت عادات وتقاليد أجدادنا القدماء, فهذا وجه من وجوه الخيانة بالأولاد.
إن النظام التربوي الإسلامي يملي علينا أن لا نعتقد بالأعراف القديمة ونجبر عليها أولادنا ما لم تكن عادات حسنة ومفيدة وحقة.وكذلك العادات والتقاليد القومية فإننا لا نؤكد إلا على تلك التي لها دور في نمو الفرد والمجتمع وتقدمه.
موقفنا من الحضارات
إن المعرفة القيمة الحقيقية والملاكات والمعايير الأخلاقية وأصول حضارة ما, من المسائل المهمة التي ينبغي أن تكون البنت على بينة منها. يجب أن لا نسمح لتعاليم أية حضارة ترد علينا معرفة تلك الآثار الحضارية أولاً فنقبل الصالح منها ونرفض الرديء منها. إن موقفنا من قبول التجدّد موقف ايجابي بشرط أن يكون:
- عاملاً في النمو الفكري ولا يكون موجباً لركود وخمول الذهن والتفكير.
- أن لا يكون مخالفاً للشرع والتقوى وهدر القوى الاجتماعية.
- أن لا يوجب فساد الاستقبال وتسلط الكفر على الإسلام.
ومن هنا يجب أن نسعى بأن نجعل من البنت صاحبة مثل هذه المواقف في مقابل الحضارات وتعاليمها. يجب أن لا يكون للاختراعات والاكتشافات أثر على فقدان هويتنا سبباً في ضياعنا بل أن يكون للنمو والتقدم دور في نمو معنوياتنا وأخلاقنا وإنسانيتنا.
حرية الفكر
من خلال تربيتنا الثقافية لجيل البنات يجب أن نسعى إلى الاهتمام بالحرية الثقافية لهن, بحيث نجعل من البنت إنساناً حراً. ونعني بالحرية التحرر من قيود وأغلال الأوهام والخرافات وكل ما يجلب الذل والهوان للإنسان, فتصبح البنت ذات فكر ناصع بحيث لا تصبح أسيرة لأهوائها وأهواء غيرها.
يجب أن تكون البنت حرة بحيث تعرف حدود مسؤوليتها, وتفهم سر وأبعاد حياتها, ولماذا خلقت, ولأي شيء تحيا وتعيش, ولماذا تبني الأسرة, ولماذا تصبح ذات أولاد, وهؤلاء الأولاد كيف يجب أن يتربوا ويكبروا؟
يجب أن تكون في ظل الحرية الفكرية حرة من كل قيد, وأن لا تفكر بأنّ شخصيتها تكمن في حصولها على شهادة التخرج وأثاث البيت والمجوهرات والبيت الجميل. ذي الديكور الفاخر. يجب أن تعلم بأنّ خلق الإنسان وكل ما خلق الله من في السماوات والأرض له هدف ومقصد في خلقته أسمى مما نتصور ونفكر.
يجب أن لا تعتني بالمزاعم والإيحاءات الواهية والتي كان يروّجها الكثير من المغرضين, وذلك من أجل غزو أذهان وأفكار الآخرين ويجب أن تكون حرة ومستقلة في تفكيرها.
إن مما لا شك فيه أن الوالدين وبواسطة العملية والاستعانة بالقدوة والتذكير والردع بإمكانهم أن يجعلوا البنت تتجه للتفكير بما حولها من أفق وظواهر وتقوم بنقد وتحليل لأفكارها, وتطبيقها مع المعايير والضوابط الأخلاقية والدينية, بعدها يتم عرضها للتداول والعمل بها.
وسائل التربية الثقافية
هناك وسائل مختلفة ومتنوعة نستفيد منها في أمر التربية الثقافية فبعضها نحصل عليها من الآخرين والبعض الآخر نحصل عليها من التفكير والمطالعة والدقة والتأمل. ولأجل التوفيق في أمر التربية يجب أن نضع ما نتلقاه في الذهن تحت التحليل لكي نعرف ماذا اكتسب ذهننا ومن أية قناة وصلته المعلومات؟ وعلى الوالدين والمربين أن يشرفوا إشرافا كاملاً على الكتب والمطبوعات التي تطالعها البنت لكي يعرفوا أي كتاب وأية مجلة أو جريدة يطالعن, وبأية مواضيع يأنسن وتنال إعجابهن.
يجب أن نعلم أن كتاباً منحرفاً هو أخطر من لصٍ يريد أن يسرق ممتلكاتنا, لأن الكتاب المنحرف يفسد الذهن ويصادر ثرواتنا الفكرية, أو أنه يفسد الحصيلة الذهنية والفكرية للفرد ويسوقه نحو طريق الانحراف والندامة.