تربية وبناء البنت
الكاتب : الدكتور علي القائمي
الهدف من البناء هو تهيئة الظروف والعوامل المساعدة على الإصلاح, وذلك لإصلاح وهداية الأبناء وبنائهم من كل الجهات والإبعاد, وهذا العمل إذا ما بدأ على أساس وبرنامج فإنه لا يكون مستعصياً وصعباً.
إن مسألة بناء الأبناء وبالأخص البنت حقّ من حقوقهم الطبيعية, فللطفل الحق أن ينشأ نشأة صالحة وأن يستفيد من مزايا التربية الصحيحة واللائقة.
أن أطفالنا أشبه بالمادة الخام يولدون تحت شروط وإمكانات ويتمتعون باستعدادات وقابليات مملوءة بالمواهب الإلهية, وأن من حقهم الطبيعي أن نقوم باكتشاف الذخائر الكامنة في شخصياتهم وتربية استعداداتهم وهدايتها والاستفادة منها في طريق الكمال.
إن أمر بناء الأطفال يعتبر من مسؤولية الوالدين, وهذا الأمر يحتاج إلى زمان ومكان معين, وإذا لم نقم به في الوقت المناسب فإن فرصة الإصلاح تكون قليلة جداً.
إن أبناءنا بمثابة الغرسة حيث يجب أن ندارى ونخدم هذه الغرسة في فصل الربيع لأن الخريف والشتاء إذا أدركا هذه الغرسة قبل أن تقوى ويشتد ساقها فإنها يحتمل أن تصاب باليبس وتموت.
الغرض من البناء
أن الغرض من بناء البنت هو تربية كافة الأبعاد الوجودية لها من جسم وذهن وروح وآمال ورجاء بشكل يكون سبباً وعاملاً في وصولها إلى مقصدها وكمالها في هذه الخلقة, نحن نريد أن نفتح في عيون البنات الآفاق بحيث لا يتصورون بأن العالم محدود في هذه الدنيا.
وفي هذا البناء نسعى إلى رعاية الشرف والكرامة والحقوق الإنسانية وكذلك رعاية حقوقهن الإنسانية وكذلك نعمل على تهيئة الأرضية من أجل تقدمهن ورفعتهن واكتشاف استعداداتهن وقدراتهن ووضعهن في طريق التطور والتقدم ومما لا شك فيه بأن من الضروري لكل مدرسة فكرية أن تسعى لكي تصل إلى نتيجة في كيفية تربية بنات اليوم وأمهات الغد وإعدادهن في هذه المدة المحدودة من عمرهن وذلك الحصول على فائدة أكثر وأعظم.
إن الكثير من الصعوبات والمرارات ناتجة من عدم معرفة المسؤولية وبالنتيجة عدم التربية الصحيحة.
فالشخص الذي يجهل ما يريد ولا يريد أن يعلم ماذا يعمل, وفي النتيجة يقضي عمره في حيرة وعدم راحة, فالغرض هو أن تخطو الخطوة في هذا المجال وهي الوعي ومعرفة أهداف التربية وبناء شخصية البنات. في بحوثنا السابقة تعرضنا لهذا البحث بشكل مختصر بأن الغرض من التربية هو تربية الأبعاد الوجودية للبنات ومن أقسامها تربية البدن والفكر والذهن والعقل وتربية الروح, وفي هذا القسم نريد بحث هذه المسألة من بعد آخر ومن جوانب أخرى وهي:
1- تعليم البنت المسؤوليات الخاصة بالمرأة: إن التربية تأخذ على عاتقها وبشكل قاطع بإرشاد البنت, بأيّ الجنسين تتعلق, وما هي المسؤوليات والتكاليف التي تقع على عاتقها. يجب أن تدرك البنت بأن هناك تفاوتاً وتبايناً بينها وبين الولد, وكذلك تبايناً في الوظائف والمسؤوليات, وأن تعلم بأن هذا التفاوت ليس بلاءً بل نعمة, وذلك لأن البنت تتولى مسؤولية إدارة الحياة العائلية, وعندها تكون أهداف الحياة متعددة ومتنوعة, فتأخذ الحياة أطراً أخرى وتكون أكثر ثمراً وعندها يكون رفاهاً نسبياً لكلا الجنسين, وكذلك فإن المسؤوليات المختلفة للجنسين تكون سبباً في دوران عجلة الحياة دوراناً متعادلاً ومتوازناً.
يجب أن تعلم البنت بأن الصفة الأصلية للمرأة هي الانسجام والصبر والتحمل وأن الذوق الأصلي لها هو نفسه الذي رأينا مظهره في مرحلة الطفولة, فهي مسرورة لأنها أصبحت أماً لأولاد ومديرة للبيت وأن بناءها ووجودها وجسمها وروحها وجدت لهذا الغرض.
في بناء البنت, يجب الاهتمام بمسائل في طريق الوصول إلى هذا الهدف والتربية هي العنصر الأساس من أجل الوصول إلى هذا المقصد ومن هذه المسائل مساعدة الأم في أعمالها, إدارة البيت, الأعمال الفنية مثل الخياطة, إدارة شؤون الطفل, الترغيب بالمرونة والتحمل, التضحية والمتابعة, تعلّم كيفية الحياة الاجتماعية والسعي من أجل تأمين سلامة العائلة.
2- مسؤولية البنت تجاه بنات جنسها: من الأخطاء الشائعة أن يتصور البعض أن المربي يستطيع أن يخلق من البنت قهرماناً يتمتع بالكمال والقوة فتستطيع أن تكون مديرة لإدارة البريد أو سائقه لقطار أو ملاحة في سفينة أو مديرة لأحد المصانع و... الخ إن هذه الأفكار فرضها علينا الاستعمار, وذلك لجذب النساء إلى دنيا الصناعة والإدارات وذلك من أجل أن يقوم بتنفيذ مقاصده ومآربه السيئة.
إن الهدف الذي نبتغيه في تربيتنا للبنت أن نخلق منها امرأة شريفة وعزيزة, فالمرأة التي ألمّ بها التعب نتيجة لعملها في المعامل وأتعبت ذهنها الأصوات الناتجة من أزيز وأصوات المكائن, كيف يمكنها أن تفرض جواً من الهدوء والسكون في أسرتها وتبني حياة أفراد الأسرة على أسس من المودة والمحبة الخالصة؟
إننا في تربيتنا للبنت نريد أن نخلق منها أماً تتحلى بالفضل والتقوى وتستطيع أن تحفظ نسلها من تأثير الغوايات الشيطانية وأن يكون برنامج حياتها مبنياً على أساس تستطيع من خلاله تحديد كيفية اشتغالها وحياتها بحسب الاستعدادات الفطرية والغريزية التي تتمتع بها.
إننا نسعى لحفظ عزة نسائنا, ومن خلال احترامنا لهن فإننا نهتم ونرعى الجوانب العاطفية عندها, ونجعل لها حرمة وعزة فنؤمّن حاجاتها المشروعة بشكل لا ندعها تضجر من كونها امرأة, ولا يخطر في بالها يوماً بأن تشتهي أن تكون رجلاً.
3- في مجال عزة النفس والكرامة: يجب أن تتمتع بناتنا بعزة نفس بحيث لا يستسلمن مقابل الإرادات المنحطة والذليلة, وأن لا تتهاوى شخصيتها على أثر التملق والكلام المزخرف وأن لا تتعاطف وتتفاعل مع الأجواء الغير ملتزمة. ومن الطرق التي تؤمن الوصول إلى هذا الهدف هو أن يجعل لها الأب مكانة في نفسه وقلبه وأسرته سواءً أكانت جميلة أم قبيحة, ذكية أم غبية وبأي شكل كانت, فعليه المحافظة على حرمتها والاعتزاز بها, وكذلك يجب أن تشبع من عطف وحنان أبويها بحيث تشعر بأنها متعلقة بهما ولا تقبل أية محبة أو لاً تتعلق بأي شخص غير الله وأبويها.
لقد قلنا سابقاً بأن المرأة والرجل يجب أن يتحليا بالطهارة والعفاف ولكن من الضروري أن تكون المرأة أكثر عفة وطهارة ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف فيجب أن تشبع المرأة بالمحبة والحنان.
عندما تصل بناتنا إلى سن البلوغ يكونن تواقات, إلى الطهر عازبات عن القيام بذنب, ونحن يجب أن نلقن البنت ونفهمها بأن قيمة المرأة في وقارها وعفتها بحيث نجعل منها محبة للعفة والنجابة.
4- البنت وتعلم المواقف: يختلف الأفراد في موجبات وعوامل الكمال والسمعة, فمنهم من يقول بأن الكمال والشخصية في امتلاك المال والحياة المرفهة وبعضهم يرى أن الكمال في القدرة العسكرية والنظامية, وبعضهم يرى الكمال في الجمال الظاهر وعدد قليل يراه في الكمال الباطني, ونحن ومن البداية يجب أن نوضح للبنت بأن المال والحياة كلها وسائل من أجل الوصول إلى الفضائل, وأن سعي الإنسان ومواظبته يجب أن تنصبّ على تكميل مكارم الفضيلة والأخلاق والمعنويات. ومن حسن الحظ فإن هناك أرضيات واستعدادات لدى بناتنا وميولاً لمعرفة الله, وحب الحق والدفاع عنه والصفاء والإخلاص, والقرب من الحق, والتضحية والإيثار فيجب أن تنمى هذه الاستعدادات وتوجّه الوجهة الصحيحة يجب أن نرشد البنت إلى أن تكون عفيفة حتى تستطيع الوقوف والصمود أمام الإغراءات ووسائل الإضلال والإغفال, يجب أن نجعلها تحس بالقرب الإلهي وذلك لنربي عندها الآمال الحقيقية ونبعدها عن الآمال والتطلعات الصورية وغير المنطقية ونبعدها عن طلب الجاه وحب الذات, ويجب أن نخلق عندها الميل إلى الحرية والاستقلال بالشكل الذي تستطيع فيه الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها التي تصب في نفع أسرتها, والرغبة في تنمية استعداداتها الذاتية وتربية القيم الأخلاقية والقدرات الفكرية, وانسجامها مع ضوابط وتعاليم الحياة الإسلامية والحياة العائلية.
5- في المطالعات والهوايات: إن ذهن وروح الطفل يجب أن تصاغ صياغة صالحة, هذا يتم بطريقين: الأول: عن طريق الأب والأم من خلال إلقاء المفاهيم والمعلومات في ذهنه وتوجيهه, والثاني: عن طريق المطالعات وتلقين نفسه.
إن البنات بحاجة إلى المطالعات والهوايات في مراحل حياتهن من أجل أن يتعلمن فناً من الفنون ولملء أوقات فراغهن بشكل سليم ومفيد, فالمطالعات الهادفة وفتح العيون والآذان للتعرف على هذه الدنيا الجديدة المليئة بالغرائب والعجائب.
ومما لا شك فيه أن بعض المطالعات تسبب ورود أفكار وتمايلات لدى البنت, وإذا لم تراقب هذه الأفكار وتتابع فإنها ستجلب المخاطر والويلات معها. وعلى هذا الأساس فمن الضروري أن يقوم الوالدان والمربين, بتوجيه البنت في المطالعة وأساليب اللهو التسلية وهدايتها إلى الأحسن بحيث نهديها على ما فيه بناء روحها وضمان تقدمها. والبنت يجب أن تكون مسلحة بالفن والعلم والوعي والإيمان لكي تقف أمام الهفوات والسقطات وتمد أمام هوى النفس والتحريكات الشيطانية. يجب أن تتعلم البنت من خلال مطالعاتها بأن القيمة واللياقة ليس لها ارتباط بالثروة والجمال, وإن اهتمام الناس ينصّب دائماً على العفة والتقوى. ويجب أن تصل إلى درجة من النمو الفكري بحيث تدرك بأن الإخفاقات الظاهرية يجب أن لا تكون سبباً في الحرمان, فالحرمان الحقيقي هو الحرمان النابع من فقدان الإيمان.
6- ممارستها للتمارين: إن البناء لا يمكن قبوله بدون القيام بتمارين في ذلك المجال, وهذه التمارين يجب أن تبدأ في مرحلة الطفولة بصورة العاب, دروس وتلقين. فالذي يصاغ ويبنى في الطفولة تقلّ الحاجة إلى ترميمه وإعادة بنائه في الكبر.
فالبنت يجب أن تتعلم من الصغر دروساً في التعاون والتضحية والتنسيق, وإن تتمتع بروح التعاون من خلال تعاونها مع أمها في القيام بأعمال البيت, تغذية الطيور, سقي الحديقة, تنظيم أثاث البيت, غسل أواني الطعام وبعض القطع الصغيرة من الملابس, التطريز, ترتيب وتنظيم البيت, ويجب أن تقوم بهذه الأعمال بدون الاستفادة من القوة لإجبارهم على العمل بل بواسطة تحريك نخوتها وتشجيعها وبكل هدوء ولطافة وعملية البناء يجب أن تكون بالتدريج بالرغم من إننا نستطيع القيام بها بسرعة فائقة, فلا نتوقع من البنت في مرحلة من المراحل أن تتعلم كل ما نريده منها في جميع مراحل حياتها.
إن الشيء المهم لدينا خلال مسيرة الحياة . أمران: الأول: هو أن لا نتعب ونمل ونحس بالكلل في مسألة التربية. والآخر: هو أنه يجب أن لا نضغط على فكر وجسم وذهن الأطفال ونتعبهم بشكل ينفرون معه من الإصلاح والبناء.
يجب أن تنصب مساعينا من أجل أن يكونوا كل يوم أفضل من يومهم السابق.
7- سلوك الوالدين: إن مسألة النموذج والقدوة من المسائل المهمة في التربية, فكلما تحدثنا عنها أحسسنا إننا بحاجة إلى الكلام عنها ثانية. وهنا نود أن نذكّر بأن لنوع التفكير والسلوك الذي يتعامل به الوالدان تجاه بناتهما وأخلاقهما ومواقفهما في توضيح العقائد والأفكار ونهج الحياة دوراً مؤثراً وبناءً.
إن القدوة والنموذج الحسن له تأثيره الكبير في تقديم البنت ويجعل الإنسان متفائلاً في حياته, ويكون مستعداً في هذا المضمار من أجل إدامة مسيرة حياته.
يستطيع الوالدان- وبواسطة سلوكهم العملي تعليم البنت المسائل والمواقف الحياتية المهمة, فتكون صاحبة أخلاق حسنة.
إن النصائح والأوامر من الأمور المحبذة, لكنها إذا خرجت عن حدها المقرر واتخذت طابعاً عملياً فإنها تصبح متعبة.
وأخيراً نؤكد على أن أفضل أسلوب للعمل هو أن يكون هناك نموذج وقدوة نستطيع من خلالها تربية البنت تربية صالحة.
فنون وأساليب التربية:
في طريق بنائنا يمكن الاستفادة من فنون وأساليب ووسائل متعددة, والذي نحب أن نتعرض له في بحثنا هذا وباختصار يمثل أسلوبين, أحدهما إيجابي والآخر سلبي.
- فالجانب الإيجابي هو الوعي, تقوية الإيمان, النصيحة والموعظة, الشكر والتقدير, التشجيع, الترغيب والإرشاد والبشارة بالخير.
- أما في الجوانب السلبية: الإنذار, الأخطار, الملامة, التهديد, المقاطعة, وأخيراً : العقوبة.
طبعاً في هذا الطريق يستطيع الإنسان الاستفادة من الإيعازات, الوجدان الأخلاقي وتنمية الوعي لدى الفرد.
ملاحظة مهمة
في طريق بناء البنات يجب الاهتمام بالنقاط التالية:
1- يجب أن يتم البناء على أساس التعاليم الإسلامية ومصلحة الفرد.
2- يجب تلبية رغبات الفتاة وحاجاتها المشروعة وبشكل متّزن.
3- العقوبات البدنية (مثل الضرب) تؤخّر عملية البناء.
4- لا ينبغي الاستفادة من مسألة كون الطفل مغلوباً على أمره, والضغط عليه من هذا الجانب في سبيل إصلاحه وبناءه.
5- يجب أن لا نسعى في القضاء على فطرة وطبيعة البنت, فالغرض هدايتها وتوجيهها.
6- يجب أن تنال البنت درجات من الوعي حول المسائل الدنيوية الموجودة بحيث تكون مجهزة ومستعدة لمقاومة الطوارئ.
7- يجب أن نسعى بأن نخلق من البنت شخصاً معتمداً على نفسه بحيث يستطيع القيام بأعماله بأفضل وجه.
8- وأخيراً فإن روحية المربي ونوع تعامله مع مصاعب الحياة يعتبر درساً مهماً وعملياً للبنات.