التربية والوقاية
الكاتب : الدكتور علي القائمي
يعتبر الفساد والتلوث الذي حل بالمجتمع على مستوى العالم درساً وعبرة لكل الآباء ولكل ذي عقل وبصيرة يريد أن ينعم المجتمع بالسعادة والصلاح. إذا ما رأينا شيئاً من الانحرافات ولو قليلاً ظهر في المجتمع فعلينا أن نفتح عيوننا ونراقب أبناءنا- فلا يكفي أن يكون الأب واعياً لهدفه في طريق بناء الجيل وتربيته وعندما يشاهد الانحراف والخطأ يفكر في الإصلاح, إن هذا وحده غير صحيح أن عمل المربي ينصبّ في السعي الدائم وبكافة إمكاناته بأن لا يقع أمر غير مرغوب لأبنائه فيقعون في مشكلة وبلاء وتصاب مسيرة حياتهم بخدشة يكون إصلاحه صعباً أو مستحيلاً.
إن الطفل في نظرنا يمثل ثروة وأمانة الهية يجب حفظها وصيانتها من التلف, وأن الرقابة التي يقوم بها المربي تعتبر نوعاً من الوقاية, والمقصود هو المتابعات والمراقبات الإضافية والجانبية الأخرى والتي تسد طريق الخطر أمام الطفل وتكسر جماح شيطان النفس الذي يترقب الفرص للانقضاض على الفريسة.
أرضية الخطأ
يقول الإمام علي عليه السلام أن الشرّ كامن في طبيعة كل أحد والنفس الإنسانية مجبولة على الرذائل, وعلى هذا الأساس فإن مسألة التربية يجب أن تفرض على الأفراد (اكره نفسك على الفضائل) أجل فإن الكثير من الشر له جذور في داخل الإنسان, وإذا لم يتغلب الإنسان على نزعة الشر الموجودة في داخله فإنه سيؤول إلى الانحراف.
ورد في غرر الحكم :
( الشر كامن في طبيعة كل أحد فإن غلبه صاحبه بطن وإن لم يغلبه ظهر) من جانب آخر فإننا نرى أن عواطف وإحساسات البنت تتغلب على عقلها وتكون البنت عرضة وبشكل دائم للغواية, وهذا الأمر بحد ذاته يعتبر أرضية واستعداداً يساعد على الانحراف والزلل. ومن جهة أخرى أن البنت أكثر حياءً من الولد, وهذه نعمة والحمد لله نستطيع الاستفادة منها في التربية وحفظ عفاف البنت, ولكن هذا الأمر نفسه يكون خطراً على البنت فيما إذا أراد أن يستغله ذوو الأفكار المنحرفة ليحققوا رغباتهم وميولهم, فالخجل سيف ذو حدين, بالإمكان الاستفادة منه في طريق الخير وقد يستفيد منه أهل الشر في تحقيق إغراضهم ومن جهة أخرى فإن البنت وفي سني بلوغها تكون لها أسرار وأمور خاصة فهي لا ترغب بأن يطلع على أسرارها أحد, فتدافع عنها وتخفيه بحيل وأساليب شتى ومن هنا فإن الوالدين لا يستطيعان معرفة ما يجول بخاطرها كي يتخذ الموقف المناسب والصحيح تجاه استعداداتها ورغباتها, فهي ترغب في إبراز شخصيتها وقابليتها السريعة على الانفعال الشديد, وكل ذلك يدعونا على التحفظ والتوقي من سقوطها حيث يجب أن نفكر وبذكاء ومتابعة خاصة في هذا الأمر.
المراقبات والمتابعات:
إن المراقبات والمتابعات التي يجب أن تجري في هذا المجال كثيرة ومنها:
1- تنمية العقل والاستعداد: إن وجود الاستعداد والذكاء لا يمكن أن يكون عاملاً في حفظ البنت من الانحراف والزلل, بل يجب تربية هذا الاستعداد والذكاء بواسطة التجارب العقلية والعملية.
إن عقل الإنسان يعتبر الذكاء العملي له, ويبرز وينمى العقل في ظل المشاهدات, السماع والإحساس.
إن احد أبعاد المربي هو الدلالة على الطريق, فإذا ما وضع خلاصة تجاربه وفتح عيني وأذني الطفل لمميز وأيقظ إحساساته, فإن الطفل سيهتدي إلى الطريق بالتدريج.
أجل: إننا نحتاج وبشكل عملي أن ننذر أبنائنا ونعلمهم منزلتهم ومسؤولياتهم التي يجب أن يتحملوها.
2- تنمية الإيمان والأخلاق: يجب أن يتعلم أطفالنا ومن المراحل الأولى لتمييزهم القبيح من الحسن, وأن يتحملوا بالأخلاق والإيمان, ومن حسن الحظ فإن أرضية ذلك موجودة لدى الطفل (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (فألهمها فجورها وتقويها).
إن الإيمان بالله والمعاد والكتب السماوية والتفكير بالخلق وبيوم الحساب والجنة والنار مسائل يمكننا جعل الطفل يفكر بها في سن السابعة من عمره, ومن ذلك الوقت وفي ذلك العمر نستطيع أن نحثه على قبول وحب الأعمال الصالحة.
وفي نظر الإسلام, فإن الإيمان أساس الأخلاق, والأخلاق أساس العلم, والعلم الصحيح أساس العمل, والعمل الصالح هو العامل الرئيسي في سعادة ونجاة البشر.
أن الاهتمام بهذه الأركان والمباني والاعتناء بكيفية العلاقة بينها يوضّح لنا فلسفة التربية في الإسلام.
إن الأساس في سلوك الإنسان هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى أمّا حبه وعدم حبه إياه فإن ذلك سيكون تابعا لحسابات وتفكير خاص.
3- السيطرة على سلوك الأطفال: إن السلوك الذي يمارسه أبناؤنا بحضورنا وبالأخص البنات يجب أن يكون خاليا من أية شائبة أو عدم لياقة, فالكثير من الأعمال التي تمارس اليوم لا تحظى بأية أهمية, ولكن هذه الأعمال تسبب في خرق حجب الحياء, والفضيحة والانحراف في المستقبل.
إن المربي الحكيم والماهر يرى ابنته من خلال سلوكها, ومن هنا فإنه سوف يعلم بأن عمله سيسبب سقوطها في المستقبل, فيقف في طريق ذلك, وبنظرة ثاقبة وعميقة وذات معنى يستطيع أن يردعها عن تكرار سلوكها بأن يقول لها (أنا لا أتوقع ولا انتظر أن يصدر منك هذا العمل).
4- الأطفال واللعب: عندما نلاحظ الكثير من الألعاب والممارسات غير الصائبة يقوم بها الأطفال فنغض الطرف عنهم بسبب كونهم أطفال, إلا أننا نغفل أمراً مهماً وهو أن تكرار واستمرار هذه الممارسات يؤدي إلى أن يعتاد الطفل عليها وبعدها يكون تركها أمراً مشكلا وصعباً فالطفل إذا لم ينتبه إلى خطأ سلوكه فيجب علينا أن ننبهه إلى ذلك بمنعه من ممارسته. في بعض الأحيان نرى الأم وبغية التخلص من صخب وضوضاء أطفالها تأمرهم للذهاب واللعب في الشارع, فيبدأ الطفل لعبه في جو الشارع مع أشخاص قد لا يكونون صالحين وفي محيط فاسد, والطفل تواق إلى الخروج خارج البيت واللعب هناك, في حين أن الكثير من الألعاب والمعاشرات تكون بمثابة السم بالنسبة للطفل. والضرورة العقلية تقتضي أن تكن مثل هذه الألعاب تحت رقابة أم عاقلة وحاذقة.
5- أبعاد الطفل عن الأجواء التربوية الفاسدة: في كل مجتمع نرى هناك أفراداً مستهترين عديمي الشرف غير ملتزمين قولاً وعملاً, وبسبب عدم التزامهم فإنهم يعرضون شرف وسمعة الآخرين للخطر, والآباء في هذه الحالة يجب أن يراقبوا التربية السيئة التي يتلقاها والأخطاء التي يمارسها أبناؤهم.
وحسب الضوابط التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي, فإنه لا يمكن لأية مجموعة أن تقوم بدور المهرجين في المجتمع مستفيدين من صفة الحماقة والرذيلة, فلا يحق لهؤلاء أن يمارسوا ما تمليه عليهم رغباتهم وشهواتهم, أو أن يذهبوا إن شاؤا حتى ولو كان المحيط مختلطاً, كلا- فإن الحكومة الإسلامية تأخذ على عاتقها منع هؤلاء والحد من تصرفاتهم, لكن على الوالدين في الوقت- نفسه الحفاظ على يقظتهم وحيطتهم وحذرهم.
6- إعطاء الأبناء الحرية: إنه مما لا شك فيه بأننا نحبّ أبناءنا, وبسبب هذا الحب فإننا نسلك أحيانا طرق الإفراط والتفريط, فندع الأطفال مختارين في القيام بأعمالهم وذهابهم وإيابهم دون النظر إلى مصلحتهم والتفكير في تربيتهم. فنعطي للبنت الحرية, لا الحرية بالمفهوم الغربي التي يكون مفهوما هو استعمار المرأة وجعلها وسيلة للتمتع الجنسي (حسب رأي جان جاك روسو).
أن الإسلام يعتبر هذا النوع من الحرية إهانة لقيمة ومنزلة المرأة, أنه يحب الحرية التي فيها نمو وتكامل شخصية الإنسان والتي ترتكز على أسس وضوابط شرعية وفكرية, كضابطة العرف والأخلاق, وحفظ سلامة النفس والروح, والمهم أن تكون الحرية بشكل لا تسبب فيه ضربة للمجتمع, فالحرية التي تكون من نتائجها توجيه ضربة للفرد والمجتمع نتيجة لعدم الالتزام بالتعاليم الشرعية والقضاء على القيم الأخلاقية, فإن مثل هذه الحرية لا يطلق عليها مفهوم الحرية لأنها بعيدة عنه.
7- السيطرة على النظر والسمع: من وجهة نظر الإسلام فإن العين- وكذا الإذن- لا تكون حرة طليقة في عملها.
أن وجود الإنسان وكافة أعضائه يكون ملكاً لله سبحانه وتعالى, ويجب الاستفادة من هذه الأعضاء في الموارد التي فيها رضا الله تعالى.
إن في النظر لكثير من الأشياء تحريكا وإثارة للغرائز مما يكون سبباً في ارتكاب الأخطاء, وأن الكثير من القضايا التي تسمع تكون كفيلة بهدم البناء الأخلاقي وسعادة الفرد والمجتمع وكذلك فإن القول هذا يصدق على اللمس, العشرة, والعلاقات والروابط. وفي نظر التربية, فإن هذه الأمور يجب أن تخضع للسيطرة ولضوابط خاصة, والأم والأب يجب أن يعلما بأن ابنهما مشغول بالنظر والمراقبات والمتابعات تكون سبباً في المحافظة على أبنائنا من الذوبان في بوتقات مختلفة أو الخضوع للتجارب والتحليلات المختلفة.
8- الوقايات الأخرى: هناك الكثير من المسائل التي يجب أن نلحظها في الوقاية وهي منع الانطواء والانزواء الطويل, منع حالة العيش في عالم الخيال, منع التجملات الزائدة, منع الكلام البذيء والسب والشتم وغيرها من المسائل التي يجب أن تحظى بالاهتمام. كذلك يجب أن نسعى إلى منع البنت من التظاهر بمظهر البنين ومنعها من العيش في الأوساط المختلطة, ويجب أن نعلمها على التفكير والتأمل في اللذات التي سرعان ما تنتهي, ويجب أن يكون في ذهنها بأن أبويها من أهل الخير وحفظة السر وعليه فيجب أن تطرح كل مسائلها على أبويها لكي تجد الحل.
في طريق الوصول إلى الهدف:
في طريقنا للوصول إلى أهدافنا هناك عدة مسائل يجب الانتباه إليها هي:
1- الإحساس بالقيمة والشخصية:
يجب أن تحس البنت بعزتها وعظمتها, وبشروط لياقتها وصلاحيتها فهي تستطيع أن تكون خليفة الله في الأرض. وفي طريق الوصول إلى الرفعة, فمن الضروري أن تتحلى ببعض الصفات ومنها العقل والفهم, والتفكير والتحرك طبق برنامج مرسوم, والرحمة والعطف على شرط أن يكون هذا العطف في موقعه ومحله. يجب أن تكون صامدة كالجبل الشامخ تتحلى بالصبر والمقاومة, وان تكون حياتها مبنية على أسس وبرامج خاصة. وفي أية حركة من حركاتها هذه, يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى نصب عينيها.
ويجب أن نحذّر البنت الصفات والخصوصيات التي تجعل منها إنساناً منبوذاً وحقيراً بحيث تتسافل قيمتها وشخصيتها إلى الحضيض ومنها أن لا تعشق اللباس والجواهر ووسائل التجميل, ومنها الضحك غير المبرر, والخفة والحماقة في القول والسلوك, والعشرة غير المحسوبة, والحضور في الأماكن التي تقترف فيها الذنوب, وعشق الملاذ سريعة الزوال, وعدم الحزم والاحتياط في العمل و...
2- الأنس بالعائلة:
وهو من الطرق التي تستطيع من خلالها الوقوف أمام خطر الانحراف, فيجب أن نخلق لدى البنت والأنس بالأسرة لكي لا تشتهي بيتاً أو مكاناً آخر, يجب أن تتعلق بأبيها وأمها بحيث تستشيرهما في كل أمر, ولا تخطو خطوة عن أخرى دون رضاهما, وفي هذا الطريق يجب أن نسعى بأن لا نستفيد من الأساليب الشاقة في التربية وإن يكون القسم الأعظم من تصرفات الأبوين منصبّاً على الوعي والاستعانة بالعقل والذكاء, فالأمر والنهي من الأمور الضرورية في الحياة لكن بشرط أن لا نقف سداً أمام كل اللذائذ, ويجب الاستفادة من الضوابط والمقررات.
يجب أن تكون الأعمال خاضعة للتقييم في الحياة العائلية وقياسها مع الخارج.
3- الاستفادة من الأسلوب القصصي:
إن للأسلوب القصصي تأثيراً بليغاً في روح ونفس الإنسان ودوراً حساساً وأساسياً في تربيته وعن طريق القصة بالإمكان الحصول على نتائج أخلاقية قيمة كما نستطيع من خلال هذا الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولقد استفاد القرآن في أسلوبه التربوي من القصة وقال " إن في قصصهم لعبرة لأولي الألباب" والمهم هنا هو أن في قصص القرآن دروساً من الأخلاق والفضيلة, ونرى أضرار التخلف عن الأصول الطبيعية المسلمة وسن الخلق. وفي التربية الإسلامية يجب أن نستفيد من القصص ذات الطابع الإيجابي أو السلبي متوخين البناء في ذكر القصة, ويجب الاجتناب عن ذكر المفاسد لكي لا تكون سبباً لإشاعة الفاحشة, وحافزاً لارتكاب الذنب.
وفي تربية البنات يجب أن نختار أفضل وأعذب القصص ومن خلال سردنا للقصة فبالإمكان تصوير نتائج الإقدام على عمل الخير, وذكر التبعات التي يسببها عمل الشر والأخطاء والزلات الناجمة عنه, وتوضيح نتائج التخلف وعصيان الأوامر, كيف نقف أمام الأعداء الذين يواجهون مسيرة حياتنا, وها هي نتيجة اليقظة والمقاومة ونتيجة الغفلة والكسل؟
4-الاستفادة من التذكير والتحذير:
إن الإنسان بحاجة إلى سماع التذكر وبشكل دائم, وكذلك تلقي الإخطار والتحذير لكي يستطيع أن يقطع مسيرة حياته بدون معاناة وآلام.
أن التذكير له تأثير في توجيه وإرشاد الأفراد نحو حياتهم وهدفهم, حيث يعطي لشخصية الطفل رونقاً خاصاً, ويجب أن يكون الأفراد الذين ينذرون ويحذرون محترمين من قبل الأبناء ولهم حرمة في نفوسهم. وهؤلاء يجب أن يستفيدوا من النصيحة والموعظة أحياناً ومن الإنذار والتحذير أحياناً أخرى وذلك لكي يستطيعوا هداية الأبناء.
طبعاً من العلل التي بسببها يمتنع الأطفال من سماع النصيحة والإنذار عدم التزام الناصح بالنصيحة التي يسديها للآخرين, فهو يملك الاقتدار النظري على النصح أما عملاً فلا يستطيع ذلك. وهذا الانتظار من قبل المنصوحين بأن يلتزم الناصحين بنصائحهم أمر وارد وفي محلّه, لأن الكثير من الحراس يحملون صفات الذئاب المفترسة, فهم يلبسون لباس الراعي لغرض إيهام الآخرين, ولا يؤمنون بما يقولون, فلا يترك أثراً.
أن السعي في هداية الأبناء تعتبر من المسؤوليات, ولكن يجب أن تكون مقرونة بالإيمان والعمل والإخلاص في النية, فإن ما يخرج من القلب يدخل في القلب, وفي التقبل فإن البنات أسرع من الأولاد لأنهن يحملن إحساسات وعواطف جياشة.