اساس مشكلات الناشيء
الكاتب الدكتور علي القائمي
ان هناك اجوبة واسعة عن هذا السؤال وهو : من اين تحصل المشكلات والمصاعب والشعور بالآلام والأمراض واين اساسها ؟
ولغرض الحصول على الاجابة ينبغي قراءة البحوث الماضية مرة أخرى ومع هذا نشير باختصار الى موارد منها وهي :
النمو البدني
في هذه المرحلة من العمر ينمو البدن ، ويجلب النمو للناشيء الحيرة من جهة الغرور والاعجاب بالنفس من جهة اخرى . ويواجه الفتى تغييرات واسعة ، يزداد وزن البدن ، يتضاعف حجم بعض الاعضاء وتزول قدرة السيطرة والتنسيق بين الاعضاء بالنسبة له .
ويعتبر الناشيء كهلاً من الناحية الحياتية ولكنه من النواحي الاخرى لايزال في مرحلة العبور والانتقال وهذا يؤدي الى ردود فعل كثيرة في الحياة ويتعرض الى اغلب حالات الخلل الحياتية مثل اوجاع الرأس وسوء الهضم وغيرها مما يثير اضطرابه .
النشاط الغريزي
تنشط الغرائز ومنها الغريزة الجنسية في هذه المرحلة من العمر وتصبح كثير من الغدد نشطة وتفرز في الدم بعض افرازاتها وتثير لدى الانسان شوقاً وفوراناً خاصاً ، وفي ظل هكذا امر تحصل لدى الناشيء طلبات وامنيات جديدة وواسعة لايمكن اشباعها في وضعه الحالي .
ويدخل الفتى عالم الكهول من الناحية الغريزية ولكنه غير بالغ من الناحية العاطفية او من ناحية امكانية سد الاحتياجات . ويثير هذا الامر مشكلات خاصة بما يناسب النمو خاصة وانه اصبح حالياً شخصاً يمكن تحريضه وتثير التلقينات والتنبيهات الجنسية فوراناً لديه . ان رؤية حركات واطوار الجنس الآخر وشرح بطولاته تستهوي الناشيء وتدفعه الى الاشباع الغريزي . واذا لم يحصل على نجاح في هذا الصدد فقد يخضع للذنوب والوساوس .
ونعلم ان الاناث يدخلن عالم البلوغ قبل الذكور وتكون مشاعرهن في مجال الكهولة او دخول عالم الكهلة اكثر من الذكور . وتكون تغييرات النمو والتغييرات الهرمونية اكثر لدى الاناث وعلى هذا الاساس يتعرفن على العالم الجديد قبل الذكور . وكثير من حالات الفشل وردود الفعل
والتغييرات التي تمثل ظاهرة الاضطرابات الغريزية واحياناً حتى الحالة الغضبية لدى الناشيء لها علاقة بافراز الغدد لديه.
التغييرات في الفكر والذهن
يحصل تغيير لدى الناشيء في الناحية الفكرية والعقلية وعلى هذا الاساس يشعر بالقلق على اوضاعه الحالية والمستقبلية . ويكون علمه وخبرته محدودة ويعيش الفتى في ظروف بحيث يفكر أنه يعلم كل شيء ولكن الحقيقة هي انه لا يعلم شيئاً وذلك يتصور ان لديه كل شيء ولكنه في الواقع ليس لديه شيء .
ويراجع عالمه ويفكر فيه ويدرك انه غير مستفيد من محاسن الطفولة ولا من محاسن الكهولة . انه يعيش في الاحلام والتخيل ولكنه يواجه الحقائق عملياً .
يقول أحد العلماء ( الدكتور هارولس ) ان الناشيء ثمل واعي ونائم يقظ.
وتكون حالاته وافكاره متذبذبة . تارة ينسى كل الهموم والظروف المؤلمة وحسب قول سوزان برونة يتثائب ويقوم بتمديد الاعصاب ويبتسم مثل نجمة ولكنه بعد ساعة يجسد امامه جميع المشكلات ويستغرق في عالم الغم .
وبسبب العلم القليل والتجارب المحدودة تحصل لديه زلة فكرية وأسوء من ذلك عوارض واصابة فكرية كثيرة . ويقف اغلب الناشئين على مفترق طريقين في الحياة ولايعلمون هل يسيرون نحو السمو النفسي او يتحركون في طريق اشباع اللذائذ والرغبات والامنيات.
التغييرات العاطفية
تنمو الجوانب العاطفية والهيجانية لدى الناشيء في مرحلة الفتوة . وتسري المحبة التي كانت في اطار الاسرة الى خارج البيت حالياً ويتجه الاهتمام الذي كان منصباً على الاخ والاخت الى الجنس الآخر او الزوجة المحتملة في المستقبل.
وتحصل غوغاء في داخله لايستطيع تحملها وبالنتيجة يفور من الداخل ويفقد بسرعة صبره وتحمله ، وقد يجزع لاقل مشكلة ، وقد يثيره اقل تحريض وقد يؤذيه حرمان قليل جداً .
ان رؤية التمييز والشعور بالحرمان وكذلك وجود منافسات في المسابقة في الحياة.
يثير لديه احياناً تصوراً انه يرتكب المخالفات دائماً وانه منبوذ في البيت ، خاصة اذا كانت كمرحلة طفولته غير جذابة ومرت عليه مرحلة صعبة .
وتشير دراسة ان الذين كانوا يعانون من قلة المحبة في مرحلة الطفولة قد يصابوا بالشذوذ الجنسي ويستخدمونه لاحياء جميع الرغبات والامنيات السابقة المطرودة . وتترتب على هذا قضايا متعددة اخرى .
التغييرات النفسية
من بين اسباب المشكلات يمكن الاشارة الى التغيرات النفسية . ويحصل للناشيء فهم وادراك وبصيرة اخرى ويكون من اهل العجلة ويدخل في امر من دون ان يهيء مقدماته مما يعرضه الى الخسران .
ويتعرض الناشيء الى ازمة هوية ، ويعاني من الحيرة فيما يتعلق بنفسه وفلسفة الحياة ، لايعلم كيف يعمل وليست لديه تبريرات صحيحة لكثير من القضايا . يحب الحقيقة والجمال ولكنه يواجه مصاعب بشأن مصاديقهما.
وشخصيته في طور التكوين وهذا التكوين يحتاج الى زمن . والفتوة مرحلة يجب ان تطوي مسيرها بصورة طبيعية . ولو اراد ان يسير ويتحرك بصورة سريعة وغير طبيعية فان وضعه يكون مثل طائر يرغب في التحليق قبل ان تنمو جناحاه وهذا يؤدي الى كثير من المشكلات والمصاعب لهذا الجيل .
بقية الاسباب
من اسباب مشكلات الناشئين يمكن ذكر الموارد التالية :
- الحالة الثقافية للاسرة من حيث ادراك وفهم الآباء ، فلسفة حياتهم ، الآداب والتقاليد الخاطئة ، الفن التخديري وغير ذلك .
- المشكلة الاقتصادية من حيث الفقر والغنى وبشكل عام المشكلة الاقتصادية ، التشديدات غير المناسبة ، التبذير في الاستهلاك وغير ذلك .
- الاوضاع الاجتماعية السيئة من ناحية الاصدقاء ، الاجواء الفاسدة ، المفاسد في المجتمع ، انتشار الجرائم والانحرافات وغيرها.
- الاوضاع السياسية المضطربة في مجال الحريات غير المشروطة من وجود حروب طويلة وواسعة ، التحزب والتنظيمات المنحرفة .
- الاوضاع الدينية للعوائل والمجتمع في مجال الحالات السطحية وعدم الاصالة وعدم العمق والمشكلات .
- وضع ايصال الاخبار للناشيء خاصة في المجالات الجنسية والغريزية والمصادر الملوثة والخاطئة في هذا الصدد .
- اهمال الآباء في التربية ، النزاعات في العوائل والاختلافات بين الآباء .
- المشكلات الناجمة عن مرحلة الطفولة التي لم تحل بعد مثل العقد والشعور بالنقص .
- فقدان القدرة على التحليل لدى الناشيء للاوضاع القائمة ومايحيط به مما يمهد لحصول مشكلات .
- مرحلة الفتوة نفسها والتي تثير ازمات ورد فعل واذا اقترنت بحالات خلل فان مشكلات الناشيء تتضاعف .
الباب الثالث عشر
المشكلات ذات الصلة بالمجتمع
ندرس في هذا الباب بصورة ملخصة ثلاث مباحث هي :
نتناول في فصل يحمل عنوان ( المشكلات الاجتماعية ) المشكلات العائلية للناشيء مشكلة المعاشرة ، الجرائم ، التكيف ، المشكلة الاخلاقية ومشكلة الوقت الاضافي .
ويحمل الفصل الذي يليه عنوان ( المشكلات الثقافية والدينية ) ويختص البحث بشأن جهل الناشيء ومشكلته المدرسية ومشكلاته في الآداب والتقاليد والموضات ومشكلاته الدينية وخطر استغلال ايمانه الديني وخطر ضياع الناشيء في المباحث الدينية.
وفي الفصل اللاحق الذي حمل عنوان المشكلات ( السياسية – الاقتصادية ) نتحدث بعد المقدمة بشأن حب الحرية لدى الناشيء والحماسة السياسية ومصاعبها ومشكلاته الاقتصادية وانشغاله الفكري ومشكلات الابوين في هذا الصدد والقيود الموجودة بالنسبة للاناث على الصعيد الاقتصادي.