الود والتفاهم والاحترام

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

احترام الطفل:

الطفل هو صنيعة الباري وأمانته التي سلّمها للآباء والامهات والاخرين. وقد حدد القرآن الكريم منزلة الانسان عندما قال:"ولقد كرّمنا بني آدم"وفضّله على الاخرين"وفضلناهم على كثير من خلقنا".

لذا يجب على الاخرين أن يحترموا هذا المخلوق الذي كرّمه الباري جلّ وعلا ولا يحق لهم ولا للوالدين أن يهينوه, بل ينبغي أن يتبادل الاب الاحترام مع ولده.

وإسلامياً فإن هذا الاحترام, هو حق من حقوق الطفل ولا يعتبر تفضّلاً من الوالدين وانه يطالبها بأداء هذا الحق, ولا يمكن أن تقوم التربية والاخلاق الا على الاحترام.

 

سيرة الرسول (ص):

يجب علينا أن نعتبر بسيرة الرسول (ص) في تصرفه مع أطفاله وأطفال الناس. وثمة روايات عديدة تشير إلى هذا المعنى وكيف أن الرسول الاكرم (ص) كان يحترم الاطفال ويهتمّ بهم.

ولا بد إنكم قرأتم عن حمله للأطفال على كتفه وتلبية طلباتهم, ولم نقرأ أو نسمع أبداً أنّه (ص) صفع طفلاً أو أبكاه بل أشارت بعض الروايات بأنّه كان يبكي للظلم الذي يصيب بعض الاطفال.

فقد جاء عنه (ص) إنّه كان يسمح لأحفاده أن يرتقوا ظهره أو انه كان يطيل سجوده بسبب جلوس الطفل على ظهره. وكان يسارع في صلاته (ص) أحياناً لكي يندفع لمساعدة طفل معين ويمنعه من البكاء . ولو كان هذا هو تصرّف الانبياء وخاصة رسول الله (ص) فهل من عذر لآباء بعد هذا؟

 

حاجة الولد إلى الاحترام:

إنّه لسعيدٌ حقاً ذلك الطفل الذي يتربّى على الاحترام والحب في أسرته, وسوف يشعر بالفخر والاعتزاز لأنّه تذوق هذا المعنى وسيتقدم إلى الامام.

فالطفل بحاجة إلى أبٍ عطوف ليلتذ بوجوده ويتعامل معه باحترام وتفاهم.

ويرغب أولادنا كثيراً في أن نستمع لوجهات نظرهم ويحبّون أن نقيم لهم وزناً وشأناً, وإنّها لنعمة كبرى أن يتحدث الطفل مع والده فيطرح عليه مشاكله بكل بساطة ويستلهم من صفائه ونزاهته.

ويؤثر هذا السلوك كثيراً على بناء شخصية الولد وتربيته ويجعله إنساناً ملتزماً ومنضبطاً ومطيعاً لوالده. وإنّه لمن الضروري جداً أن ينشأ الطفل في محيط مناسب وجيد مفعم بالاخلاق الحسنة.

 

أثر أخلاق الاب ووده على الطفل:

قد لا تسمح لكم ظروفكم المادية بتوفير كل ما يحتاج إليه الطفل لكنه يمكنكم التعويض عن ذلك من خلال إظهار حبّكم واحترامكم والتعامل معه بودٍ وتفاهم لكي تقضوا على الاثار السلبية للفقر المادي.

إنّ أشدّ ما تحتاج إليه التربية اليوم هو حنان الاسرة وحبّها حيث يساهم ذلك في تقوية الاواصر وتحقيق الانسجام بين الافراد ومنع الانحراف والصدق في القول .

وفي ظل الحنان والحب يقبل بوظيفته ويمارس دوره وتنشأ روحيته وتظهر شجاعته في مواجهة المشاكل والصعاب.

ويتأثر الطفل بوالده ويلجأ إلى محاكاته متى ما شاهده إلى جانبه ويتعامل معه بخلق واحترام. ولذا يمكن القول أن قبلات الاب وملاطفته إنما هي وسائل لتحقيق التربية المطلوبة التي تدفع الطفل لنيل الهدف المقصود ومنعه من الانحراف والفساد.

ولو أدرك الآباء القيمة المعنوية للحب والحنان والاحترام لأكثروا من ذلك لكي يتمكنوا من النفوذ إلى قلب الطفل الذي سيستسلم لوجهات نظرهم القائمة على أسس تربوية صحيحة.

 

المزاج وأساليب الجذب الاخرى:

ليس صحيحاً أن يستقبل الاب ولده بوجه عبوس, إذ أن هذا التصرف لا ينفع الاب أبداً بل سينظر إليه الطفل بأنّه كائن مخيف ومستبد مما يؤثر سلباً على مستقبل الطفل والاسرة.

فالبشاشة والمزاح وذكر اللطائف هي من الامور التي تزيد من شأن الاب في نظر الطفل فتجعله يحبّه وينتظر لقاءه كل يوم .

ويؤثر ذلك على نفسية الطفل أيضاً فينشأ إنساناً متزناً وسليماً. وقد تواجه الاب مشاكل جمة فلا يكون قادراً بسببها على الابتسامة, لكنّها ضرورية ومهمة, فضحكة الاب تجعل الطفل يشعر بالسعادة والانشراح, وقلما يلجأ إلى الانحراف والفساد.

 

مضار الانفصال:

ينبغي أن يوفر الاب المناخ الملائم للود والالفة من خلال إقامة العلاقة مع ولده, ويمكن تحقيق هذه العلاقة من خلال عدة أساليب منها عقد جلسات للاستشارة في البيت وإشراك الطفل في اتخاذ القرارات فيشعر بأنّه قريب من والده.

وبخلاف ذلك فإن ترك مساعدة الطفل والتحدث معه ستدفعه إلى الابتعاد تدريجياً عن والده, وتعميق علاقته بأصدقائه ومعاشريه فيأتمنهم على أسراره, ويلجأ مثل هؤلاء الاطفال أحياناً إلى معلميهم أو من لهم مقام أعلى وينفصلون عن آبائهم .

وقد يكون ذلك لصالح الطفل أحياناً,ولكن ينبغي عدم الغفلة عن مخاطره وأعراضه السيئة, فقيام الهوّة بين الاب وطفله ولجوء الاخير إلى رفقائه وأصدقائه تؤدي إلى فضيحة الولد في بعض الاحيان وانحرافه وانتقال عدوى ذلك إلى الاسرة.

 

ضرورة تخصيص الوقت:

إنّ أولادكم بحاجة إلى أن تخصصوا لهم وقتاً من أجل أن يستفيدوا منكم ويتزوّدوا من مودتكم وألفتكم ويتعلموا منكم الطريق الصحيح في الحياة لكي يسلكوه.

حاولوا أن تخصصوا ولو نصف ساعة في اليوم لأولادكم مهما كانت مشاغلكم لأن هذا في صلاحكم, حيث تتحدثون إليهم وتمازحونهم وترفهون عنهم. ويمكنكم من خلال ذلك أن تقيموا سلوكهم وتطلعوا على خلفيات ذلك. فتقوّموا السلوك السيئ. كما يمكنكم أن تعلموا بميولهم ورغباتهم فتتخذوا القرارات المناسبة والصحيحة في ذلك.

وسوف يرتبط الطفل مستقبلاً مع ذلك الشخص الذي تربطه به علاقة تقوم على الود والالفة, وسيستمع لكلامه أيضاً. ويتمكن الاب من خلال تخصيص الوقت أن يقوّي علاقته بولده وبباقي أفراد أسرته والاهم من ذلك كلّه بربّه وخالقه.

 

الحسم إضافة إلى الود:

لا يوجد شك في أن العلاقة مع الولد ينبغي أن تقوم على المودة ولكن بشرط أن لا يستغل الولد هذه العلاقة.

يجب على الاب أن يكون هادئاً صابراً وقوراً وعفوّاً وأن يكون حاسماً في الوقت نفسه من أجل أن يلتزم الولد بتطبيق قراراته وتعليماته.

ولا بدّ أن يكون إلى جانب هذا الحسم بالنسبة للأحداث والبالغين والشباب الدليل والبرهان. أما الطفل الصغير فلا يحتاج إلى أدلّة كثيرة غير أنه لا بأس من ذكرها له بلغة واضحة وبسيطة فيما لو أمكنكم ذلك.

ولو قامت الاجواء على الحب والعطف والحنان والثقة والتفاهم لأطاع الولد أوامركم حتماً, وهذا هو المطلوب إذ ستنعدم الحاجة إلى تكرار الاوامر والنواهي.

حاولوا الاهتمام بشخصيته ورحّبوا به بحرارة وعاملوه باحترام لكي يندفع في السير على جادة الصواب.