موت الاب وتأثيراته

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

تصوّر الطفل لأبيه:

يمكن القول باختصار شديد أن الطفل ينظر إلى والده من خلال إنّه:

1-  رب الاسرة والمسؤول عنها والامر الناهي فيها.

2-  القدوة الصالحة والبطل الذي يجب محاكاته.

3-  الرازق الذي يقوم بتوفير مستلزمات الاسرة.

4-  المسؤول عن تحقيق الامن والذي يصون جميع أفراد الاسرة.

5-  أساس الاقتدار والانضباط فلا يحق لأحد أن يتجاهل شأنه.

6-  مصدر الثواب فيكافئ ويثيب على الاعمال الحسنة.

7-  الصديق والرفيق والجليس والانيس.

8-  وأخيراً فإن الاب هو البطل والرب ومصدر إعجاب الطفل وشعوره بالفخر والاعتزاز. فنراه يهتم لهذه الامور كثيراً ويحسب لها حساباً.

 

نظرة الطفل للموت :

ينبغي أن نعرف كيف ينظر الطفل إلى الموت وما هو إحساسه في هذا الخصوص.

في الحقيقة إنّ الطفل قاصر عن إدراك معنى الموت حتى العام الثالث من عمره, لكنه سيعي ذلك بعد هذه المرحلة من خلال مشاهداته للأموات وتشييع الجنائز فيكون قادراً في العام الرابع تقريباً على التمييز بين الحي والميت.

ينظر الطفل في عمر 3-5 سنوات للموت على أنه نوع من النوم, فيتصوّر بأنّ الميت يمكنه الاستيقاظ فينتظر عودته, لكنه سيكون أكثر واقعية منذ العام السابع لإدراكه بأن الموت هو العاقبة الحتمية لكل الكائنات.

وفي السنوات 8-10يتولد شعور سلبي مؤسف عند الطفل عن ظاهرة الموت لاعتقاده قبل هذه السن بأن الموت لا يصيبه بل يصيب الاخرين. وقد وصفوا السن الثامنة بأنّها سن الخوف من الموت حيث يمكن أن يظهر هذا الاحساس في كلّ لحظة.

وفي هذه السنوات يؤثر موت الاعزّة على الطفل بشدّة فيشعر بالاسى والحزن, ويصل به الامر إلى الشعور باليأس والحيرة, أو يعتريه الغضب ورغبة في الانتقام. علماً بأن حزنه يكون بمستوى سنّه واعتقاده, ومدى ارتباطه بوالديه إذ قد يؤثر عليه سلباً.

-        الاعراض الناشئة بسبب الموت:

يمثل موت الاب خسارة للطفل, ويختلف حجم هذه الخسارة باختلاف السنّ والادراك والفهم والذكاء والجنس. وسوف نشير باختصار إلى الاعراض التالية:

1-  الاعراض الحياتية: ويمكن الاشارة إلى عدة أمور منها:

-        فقدان الشهية للطعام حتى انه لا يبالي بالجوع والعطش.

-        اختلال في عملية هضم الطعام وتمثيله.

-        ظهور بعض التغيرات والمشاكل في حركة الارجل والركض والقفز,فيفقد الطفل النشاط.

-        سوء التغذية, والذي يؤدي إلى اختلال في نمو العظام فيصاب الجسم بالذبول.

-        حصول توتر في حركة اليد والعين والاذن والاجفان.

-        حدوث تغيرات في شكل البشرة واصفرارها وهو ما ينتج عادة من لوم النفس والشعور بالحزن والكآبة.

-        حدوث اختلال في برنامج النوم والاستراحة, فيضطرب النظم في هذا المجال, ويؤدي بنفسه إلى الاصابة بأمراض أخرى.

-        التعرّض للإصابة بالامراض, وهي لا تكون كثيرة عادة, ولكن من الممكن أن يغلبه المرض.

2-  الاعراض الذهنية والنفسية: ويمكن أن نشير إلى بعض منها من خلال ما يلي:

-        التأثير على ذهن الطفل وذكائه وإمكانية حدوث انخفاض مستوى ذكائه.

-        ظهور اختلالات في مجال الدراسة وهبوط المستوى الدراسي بل وحتى ظهور اختلال في عملية التعلم.

-        حصول تغيّر في الرؤية والاهداف بحيث تتهاوى بعض الاهداف السامية والمقاصد العليا.

-        حدوث خلل في التوقعات فنراه لا يطلب ماءً ولا طعاماً رغم انه يشعر بالجوع والعطش.

-        ظهور خلل في الشخصية والسلوك بحيث تضطرب عملية النضج ويصاب الطفل بسلوك غير متزن.

-        الاختلال النفسي, إذ يكون من اشدّ الاعراض المذكورة أعلاه.

-        وأخيراً ظهور أعراض أخرى كقضم الاظافر ومصّ الابهام والعبث بالاعضاء التناسلية والتبول الليلي والحسد والخوف والخجل والشعور بعقدة الحقارة والكذب والاحساس بالقلق وغير ذلك.

3-  الاعراض العاطفية: وهي عديدة أما أهمها فهي:

-        الاضطراب والشعور بانعدام الامن.

-        الهيجان الشديد وعدم الاهتمام عاطفياً أحياناً, والحساسية وسرعة التأثر في أحيان أخرى.

-        القلق, حيث لا يهدأ ولا يستقر ولا يدري كيف يهدأ.

-        الخوف , لشعوره بأنّه فقد ملاذه.

-        الحساسية وسرعة الغضب دون مبرر بحيث يتنازع مع أصدقائه أحياناً.

-        الانطواء على النفس والشعور بالكآبة.

-        العنف والعدوان بحيث يكون على شكل هجوم في بعض الاحيان.

-        الرجوع إلى الوراء لمرحلة الطفولة, وظهور سماتها كالتحجج والتبول الليلي ومصّ الابهام وغيره.

-        ظهور حالة الاستياء والتنفر من البيت بل وحتى الخوف من العيش في ذلك الوسط.

4-  أعراض سلوكية: يمكن لموت الاب أن يؤثر أحياناً على السلوك أصدقائه المقربين.

-        عدم الانسجام مع المحيطين به وأفراد أسرته وشقيقه وشقيقته وحتى أصدقائه المقربين.

-        العصيان والتمرّد اللذان لا يظهران كثيراً عند الاطفال لكنهما شديدان عند المراهقين والاحداث.

-        اضطراب في التعامل والعلاقات, فيصاب بحالة من اللاإبالية إزاء الاخرين.

-        التكبّر والرياء لكي يلفت أنظار الاخرين ويكسب دعمهم.

-        لجوءه في بعض الاحيان إلى التزوير والاحتيال وممارسة الجريمة في حياته اليومية ودراسته حيث يعتبر ذلك نوعاً من التنفيس عن عقده.

-        اللجوء إلى تصرفات غير مناسبة كإهمال النظافة وعدم الاهتمام بالشكل والمظهر.

-        مجالسة المجموعة ومرافقتها, وخاصة بالنسبة للأحداث مما يكون سبباً لانحرافهم في بعض الاحيان.

 

مخاطر ذلك على الاطفال:

ثمة أمران خطيران بالنسبة للأطفال الذين فقدوا آباءهم ينبغي الحذر منهما:

أولاً: خطر الشعور بالنقص ووجود قصور في توفير الحاجات.

ثانياً: خطر الافراط في الحب والذي يمهّد الاجواء للدلال وكثرة التوقعات.

وبالنسبة للنقطة الاولى فقد يكون هذا الامر سبباً لسعي الطفل للارتباط بالجماعة والانضمام إليها مما يكون بذاته سبباً في تلقي الدروس السيئة وحدوث الانحراف الخلقي والفساد أحياناً, إذ يوجد العديد من المتعطشين ممن ينتظرون مثل هذه الفرص لاصطياد الاطفال فيها.

أما بشأن النقطة الثانية, فإن الدلال وكثرة التوقع بسبب الافراط في الحب يدمّر حياة الطفل ويحرمه من تلك الحياة العادية والطبيعية . فالعديد من ذوي الموتى يخطئون عندما يلجئون بواسطة الاطعام والافراط في الدلال إلى كسب ودّ الطفل في حين أن هذا الاسلوب يؤدي إلى انحرافه.

 

أعراض أخرى:

ما أكثر الاعراض في الحياة المادية والمعنوية والتي تهدد هؤلاء الاطفال وتؤثر على نموّهم. فموت الاب يساعد على ظهور أعراض أخرى كالاصابة بالامراض العصبية والاستسلام للجرائم والانحرافات واختلال الوضع النفسي وفقدان العاطفة في بعض الاحيان .

وعندما يموت الاب يحدث عند الولد تحوّل روحي عميق لا يمكن للبعض أن يتحمله أحياناً. وسوف يفقد الطفل مكانته بسبب ذلك فيصاب بالذهول والحيرة. وقد يشعر في بعض الاحيان إن تلك الحادثة تمت بسبب ذنبٍ معين أو أن يشعر بالظلم فيعمد إلى الانتقام.

ويؤدي موت الاب أحياناً إلى اضطراب الطفل وظهور اختلال في وضعه النفسي, وتتوتر علاقته مع الاخرين وتضعف قابليته نحو العمل والدراسة والتخطيط.

وأخيراً, فقد يضطرب وضعه وينتقل تأثير ذلك إلى الاخرين أيضاً.

 

المواقف الضرورية:

اتركوا الطفل وشأنه في البرامج المتعارف عليها في الاحزان ولا تطالبوه بالكف عن البكاء أو عدم التأثر.

انظروا إليه نظرة عادية, وأوضحوا له حقيقة الامر والوظائف التي ينبغي أن يقوم بها في المستقبل.

حاولوا أن يفهم بأن الموت حق فلا يتمكن أي إنسان من الفرار منه, ويجب أن تواسوه أيضاً وتساعدوه وتظهروا حبكم له وتزرعوا الامل في قلبه. وابذلوا جهدكم في أن في أن يحافظ على سلامته النفسية والجسمية وامتدحوا إيجابياته كثيراً.

وتقع على الامهات مسؤولية ثقيلة بهذا الشأن . فلو تمكنت الام أن تدير الامور بشكل جيد وتضبط نفسها لكانت أباً وأمّاً لولدها. وينبغي أن توجهه نحو الخير والصلاح وتكشف له عن العديد من الالغاز. ويمكننا أن نقول عن هذه الام بأنّها فنانة في عملها.