الاب واهتمامه بدراسة أولاده
الكاتب:الدكتور علي القائمي
جهل الانسان وحاجته إلى العلم:
يولد الانسان جاهلاً, لا يعرف شيئاً عن ظواهر هذا الكون, والمواقف التي ينبغي اتخاذها, وإننا مكلفون بتوعية هذا الانسان إلى أن يزول جهله ويصبح عالماً واعياً.
ويكتسب الطفل المعلومات من خلال ارتباطه بوالديه إضافة إلى أجهزته الحسية, ويتمكن من خلال استخدام حواسه أن يرى الاشياء ويسمع الاصوات ويدرك الامور ويعي طعمها ورائحتها ووزنها وحجمها وألمها.
فالمهم هو قيام المربي بتوجيه الطفل لأن ينظر جيداً ويدرك بدقة, وينقل إليه العلائم والادلة ويطالبه بتحليلها وتفسيرها على أكمل وجه, ويعلمه تلك العلاقة القائمة بين العلة والمعلول بما يناسب سنّه وفهمه واستيعابه الذهني.
أهمية الوعي:
إن المعرفة ما هي الا مقدمة للقدرة. ولا سبيل أمام الانسان الذي تواجهه الاف الظواهر المختلفة الا أن يكون عالماً يدرك كيف يتعامل مع الاشياء ولا يكون حائراً عندما تواجهه.
فالجهل هو سبب العديد من الاعمال السيئة والتصرفات القبيحة والمفاسد والانحرافات. وإن العلم النافع يؤدي حتى إلى ظهور الايمان يحتاج الطفل في مستقبله (القريب) إلى فلسفة واضحة لكي يعي كيفية اتخاذ المواقف والتعامل مع الاشياء. وهو الوريث الاول لجهود الناس والمنتفع بها, وعليه أن يصل مستوى من الكمال يؤهله لتقديم خدماته للناس.
إنه بحاجه لتعلم طريقة استخدام الاشياء والتعامل مع الظواهر, وبذل جهده- فيما لو أمكنه- لإغناء التجارب. وأن يحاول في بعض الاحيان اختراع وسائل جديدة وأشياء نافعة تضاف إلى قائمة الظواهر, ويسعى من خلال ذلك إلى تعبيد الطرق الوعرة وتحقيق الخير والسعادة لأبناء جنسه.
ولا بدّ أخيراً من الوصول إلى تلك المرحلة التي تمكنه من الدفاع عن نفسه وأفكاره, ويعرف شأنه ودوره, ويبذل جهده ليحيا حياة شريفة, ويبتعد عن عوامل الانحراف, ويعصم نفسه من السقوط في مستنقع الدناءة والرذيلة.
دور الوالدين والمربين:
للوالدين دور أساسيّ في توفير الوعي الضروري للحياة. ولا شك أن للأمّ دوراً مهماً داخل البيت في نقل الوعي والتعريف بمختلف الظواهر, لكنه يبقى للأب ذلك الدور المتميّز في البناء الفكري والمعرفي.
فالام تعرّف الطفل بالاشياء التي تحيطه بينما يقوم الاب بتعريفه بالمحيط الخارجي وكل ما هو موجود في هذا العالم وله طبيعة علمية.
وبشكل عام فإن الام مسئولة عن معرفة الاشياء والعلاقات, والاب يقدّم دروساً لطفله في الاخلاق والاداب والجرأة والاقتدار والبناء.
ومنذ تلك السنوات التي تتضح فيها شخصية الطفل, أي منذ انتهاء السنة الثالثة, يمارس الاب دوراً آخر إضافة إلى أبوّته, فهو معلم لولده الذي سيسأله عن كل شيء لأنه يتصور عالماً بكل شيء ولا مثيل له .
وينظر الطفل إلى والده بأنّه يجسّد عالمه الخارجي, ويقدر أن يشرح له كلّ ما هو موجود في هذه الدنيا ويتحدث له عن الفوائد والمضار. وأن المعلومات التي يقدمها الاب لولده ستترسخ في ذهنه دائماً وأبداً فتساهم في نشأته ونموّه الفكري.
ثم يأتي دور المدرسة فيذهب الطفل في سن معينة إليها ليجد مساعداً لوالده وأباً يمارس دور الابوّة بشكل أفضل. وهذا هو المعلم الذي سينقل المعلومات بشكل آخر إلى الطفل ويطالبه بأن يتعلمها ويمتحنه بها (يختبره فيها).
ضرورة الاهتمام:
تقع على الاب وظيفة مهمة في انتخاب مدرسة جيدة لولده ومعلم كفوء, وأن لا يغفل عن دراسته أبداً, أمّا أهم الاهتمامات فيمكن درجها ضمن النقاط التالية:
1- انتخاب المدرسة: إن أهم وظيفة للأب هي اختيار أفضل مدرسة لولده تناسبه وتليق به "وان تضعه موضعاً صالحاً" وسبب ذلك هو ما للمدرسة من دور مهم وأساسي في بناء شخصية الطفل وأفكاره. فما أكثر الاطفال الذين ظلّوا ملتزمين بكل ما تعلموه من المدرسة بينما نسوا ما حصلوا عليه من البيت.
والمدرسة هي أفضل مكان لتحقيق المعاشرة وإقامة العلاقات الواسعة, وإنّها توفّر فرصاً جيدة لتكامل الانسان أو تسلبه تلك الفرصة فينشأ محطماً منحطاً, كما إنّها قادرة على أن تجعله إنساناً ملتزماً بالقانون ومدافعاً عنه أو أن يكون عاصياً ومتمرداً.
فالجو الاخلاقي للمدرسة, والمستوى العلمي لها, وسعتها, وجمال غرفها ومناضدها ومقاعدها أو قبحها، والاجهزة والوسائل المستخدمة فيها تؤثر بأجمعها على الطفل.
2- انتخاب المعلم: قلنا إن المعلم يؤدي وظيفة الاب في المدرسة, ويلقّن الطفل ممارسات وأساليب خاصة. وقد تؤثر في الطفل توجيهات المعلم- غير تلك التي في الكتب الدراسية- وتصرفاته والتزامه وانضباطه وأسلوبه المستخدم مع الاولاد.
وما أكثر المدارس التي نراها قد عيّنت المعلمين مسبقاً فيضطر طفلكم ليتعلم على يد هذا المعلم لا غيره سواء كان جيداً أم سيئاً.
ولا بدّ- والحال هذه- من مصادقة المعلم والارتباط به لكي تأمنوا تلك الاثار السلوكية والتعليمية السيئة. وأن تتعاونوا مع الاباء الاخرين في تقديم النصائح والارشادات له لتساعدكم في العمل التربوي.
3- الاهتمام بدراسة الولد: من الضروري أن يهتم الاب بدراسة ولده فيدفعه لتعلم تلك الامور التي يحتاج إليها في المستقبل . وينبغي أن يكون هذا الحديث الوارد عن الامام علي (ع):" من لم يتعلم في الصغر لم يتعلم في الكبر" نصب أعين الاباء.
ويتأكد هذا الاهتمام بالنسبة للناشئين لأنهم يفضلون عادة النشاطات الاخرى على الدراسة ويقضون جلّ وقتهم فيها مما يؤثر سلباً على مستواهم الدراسي والتعليمي. وإن اللاإبالية لها نتائج سيئة على مستقبل الطفل.
4- الحذر من الكسل: ينبغي على الاباء أن يحذروا من إصابة أولادهم بالكسل, ولكن في نفس الوقت عليهم أن لا يطالبوهم بما يفوق طاقتهم. فالكسل يقضي على ظاهرة حب التطلع لدى الطفل ويحول دون تقدمه.
وقد يكون للكسل مخاطر أخرى لا ترتبط بدراسته فتجرّه مثلاً إلى الانحراف وممارسة الجريمة مما يسبب ذلك في إيجاد مشاكل معقدة في حياته الحالية والمستقبلية.
فليس من الصحيح أن يقف الاب موقف اللاإبالي إزاء تعلم طفله ودراسته لأن الطفل لا يمكنه أن يدرك العواقب الخطيرة لعمله هذا.
كما عليه أن لا يمنعه أيضاً من الحركة ويقف بوجه شراسته وعناده لأن ذلك دليلٌ على زيادة عقله, فقد ورد في الحديث الشريف أن :" عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره" . فالقراءة والكتابة والتعلم إنما هي أمور تختلف عن اللعب والحركة.
5- الاهتمام بتوفير مستلزمات الدراسة: تقع على الاب مسؤولية توفير الظروف والمستلزمات المطلوبة لدراسة الولد. ولا تقتصر هذه المستلزمات على الكتابة والدفتر والقلم, بل إنها تشمل تهيئة المكان المناسب للدراسة والتفرغ إليها براحة بال.
فحريّ بالاب أن يوفّر أو يهيئ مكاناً لولده ليقرأ فيه دروسه ويكتب واجباته. وأن يمنع الاطفال الصغار من الحضور في ذلك المكان في ساعات العمل, وأن يكون ذا إنارة جيدة, وأن يمتنع من التحدث إلى والده في تلك الساعات ولا يكلّفه بشيء, وأن يساعده فيما لو تمكّن من ذلك.
ومن مستلزمات الدراسة أيضاً أن يكون محيط الاسرة مناسباً لهذا العمل. فالاطفال الذين يعيشون في أجواء أسرية مشحونة بالصراع والنزاع والاختلاف بين الاب والام لا يمكنهم أن يمتلكوا الاستعداد الكافي للدراسة والتعلّم.
وتسري هذه الحالة أيضاً على تلك العوائل التي ينعدم فيها الحب والود بين أفرادها.
التعاون مع المدرسة:
تعتبر المدرسة البيت الثاني للطفل, وتقع على الاب مسؤولية تأثيت هذا البيت الذي سيقضي فيه الولد جانباً من وقته.
وحري بالاباء أن يكونوا على اتصال دائم مع المعلمين فيتحدّثوا معهم ويتباحثوا بشأن أولادهم لتحقيق نموّهم وتكاملهم وحل المشاكل التي تعترضهم.
فتربية الولد بحاجة إلى تعاون الاب مع المدرسة وبذل جهده وتفكيره, ومساعدة المعلمين من أجل الوصول إلى أفكار مشتركة في هذا الشأن.
كما يمكنه من خلال تعاونه مع المدرسة أن يراقب تحركه وذهابه وإيابه ومعاشريه من الاصدقاء وتقدمه في الدراسة.
ومن أساليب التعاون الاخرى مساهمة الوالدين في تأثيث المدرسة وأقسامها المختلفة كالمختبر والمكتبة وورشة العمل, وتقديم المعلومات المطلوبة للمعلمين بشأن أولادهما وترميم الصفوف الدراسية ومختلف المرافق الاخرى. وسوف يترك هذا الانجاز أثره الكبير على حياة الطفل أيضاً.
حدود التوقّع :
رغم الجهود التي يبذلها الاب في مجال تربية ولده, عليه أن يعلم بأنّ المدرسة لا تؤدي الوظيفة التربوية بكاملها, ولا يحق له أن يترك ولده للمدرسة ويبرّئ ذمته . فالآباء مسئولون شرعاً عن تربية أطفالهم, وان الخالق جلّ وعلا يحاسبهم على هذه المسؤولية, وإنهم سيتحملون كامل المسؤولية فيما لو فرّط المعلم أو المدرسة بهذه الوظيفة.
لذا ينبغي أن تكون توقعاتنا وطموحاتنا واقعية وأن يتحلّى الآباء بالصبر ليعوّضوا عن النقص ويحلّوا مشاكل أولادهم التربوية والاخلاقية. وأن يسخروا بعض وقتهم لهذا الامر حتى يصل الأولاد إلى ذلك المستوى المطلوب من البناء .