الطفل والاب المنحرف
الكاتب:الدكتور علي القائمي
ضرورة نضج الاب :
يعتبر البلوغ شرطاً للزواج, لكن الكفاءة والنضج هما من شروط الابوة. والسبب في ذلك أن الاب يقوم بعملية بناء شخصية الطفل ومعنوياته وأخلاقه, وعليه أن يكون سليماً لكي ينشأ الطفل سليماً ولو كان فاسداً لنشأ الطفل فاسداً أيضاً.
ولتحقيق عملية النضج لا بدّ من معرفة النفس والوظيفة الملقاة على عاتقه وبذل الجهد من أجل تحقيق بناء النفس, واكتساب الوعي والايمان والتحلي بالصفات الانسانية والاخلاق الجميلة. وينبغي أن يعرف الانسان قدر نفسه ومكانته فلا يتجاوز حدّه. فقد ورد عن الرسول الاكرم (ص) قوله:" هلك امرؤ لم يعرف قدره وتعدى طوره".
وقد يكون البعض ضعيفاً من الناحية الاقتصادية فلا يملك مالا كثيراً, لكنّه في مستوى جيد من النضج والخلق, لذا فإننا نعتقد بأن هذه الصفة تدعم صلاحية الاب وتؤهله ليكون موفقاً في عمله التربوي.
على طريق النّضج والبناء:
لا سبيل أمام الاب وهو يسير في طريق البناء والنضج الا أن يراقب ميوله ورغباته ويكبح شهواته. فما أكثر الشهوات والمشوّقات التي تجرّ الانسان إلى الفضيحة والفساد. فقد جاء عن الامام الصادق(ع) قوله:" لا تدع النفس وهواها, فإن هواها رداها". كما ورد عنه (ع) أيضاً:" احذروا أهواءكم كما تحذرون أعدائكم, فليس شيء أعدى للرجال من أتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم".
فليس صحيحاً أن يستصغر الاب شأنه ويحتقر نفسه من خلال ارتكابه للذنوب, إذ أن التصرفات القبيحة للأطفال وقبولهم للعقائد المنحرفة والتزامهم بالعادات والتقاليد السيئة وتخلّقهم بالاخلاق الفاسدة إنما تنشأ بأجمعها من الجهل والغفلة. وستكون سبباً للتفريط بالاطفال ولأفراد الاسرة. وهذا يعتبر بذاته من الذنوب الكبيرة للإنسان, فقد جاء عن الامام الصادق (ع) قوله:" كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعوله".
ويا حبذا لو يستغل الاب وقته في بناء طفله وتنميته بدلاً من صرفه في أهوائه وشهواته. إذ أن من وظائفه ومن حق ولده أيضاً أن يحدّد له وقتاً, ويمكنه من خلال هذا بناء طفله وهدايته إلى الطريق المستقيم.
الطفل والاب المنحرف:
إنه لعمل قبيح أن يلجأ الاب إلى الفساد والادمان بدلاً من البناء وتنمية الاخلاق. فنراه- والحال هذه- يوفّر الاجواء لفساد أولاده وانحرافهم. فالاب هو القدوة لطفله ويؤثر شرفه أو انحرافه في شخصية الاولاد ويطبع بذلك حياتهم الحالية والمستقبلية.
إنّ مفاسد الاب ولجوءه إلى لعب القمار وشرب الخمر وغيرها من الممارسات المنحرفة لا تؤثر على النطفة فحسب, بل إن لها تأثيرات محيطية في أغلب الاحيان, لأنّها تلقّن الاولاد دروساً سيئة. وان الاستمرار بهذه المفاسد يقضي على الحب والصفات الايجابية عند الاشخاص ويولد الكدر والضجر بدلاً عن ذلك.
ويعتبر مثل هذا الاب مجرماً. وان مواصلته للفساد تعادل إثم عبادة الاوثان, وخاصة شرب الخمر الذي يقضي على المروءة, ويجرّئ الشخص على ممارسة الفساد مع المحارم إضافة إلى أضراره الجسمية والعقلية الاخرى. فقد ورد عن الامام الباقر (ع) قول:" إنّ مدمن الخمر كعابد وثن", يورثه الارتعاش, ويهدم مروءته, ويحمله التجسر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا".
فالادمان يؤدي إلى إصابة الطفل بالمرض والانحراف, ويؤثر سلباً على خلق الاب وتصرفاته, وبالنتيجة على أولاده فينشئوا فاسدين ومنحرفين. وهذه من أعقد المشاكل التي تواجه الطفل وتربيته.
الطفل والاب المجرم:
إنها لمشكلة كبيرة وخطيرة أن يلجأ الاب إلى ممارسة الاجرام فيقف خلف قضبان السجن بسبب ذلك.
ماذا سيدور في خلد الطفل عندما يشاهد والده المسجون خاصة عندما يذهب لمقابلته في السجن؟ وما هي الاسئلة والاستفسارات التي ستثار في ذهنه, والاجوبة التي سيحصل عليها من أبيه أو أمّه أو الاخرين؟
ألا يعتبر هذا الطفل يتيماً؟ ألا يبرز عنده شعور بالذلة والحقارة؟ وهل سيتمكن من رفع رأسه أمام الاخرين؟
إنّه سيشاهد والده مسجوناً ومستحقراً, فمن الطبيعي أن يتولد عنده شعور بالفشل والالم.
إن الاب السجين يقدم درساً سيئاً لولده الصغير الذي ستجرح مشاعره حتماً, أما لو كان كبيراً فإنه سيشعر بالحقارة أو سيكون صورة طبق الاصل لهذا الاب.
الانحراف في البيت:
تقع على الاباء وظيفة بذل الجهد والسعي من أجل تحقيق نزاهة الاسرة والمحافظة على قدسيتها. وينبغي أن يخلق الاب عند طفله في محيطه التربوي شعوراً بالفخر والاعتزاز وأن يوصله في الوقت نفسه إلى أعلى درجة من النمو والكمال.
إنّه لتصرّف قبيح للغاية أن يدفع الاب هذا البناء المقدس إلى الفساد والرذيلة ويكون سبباً لانحراف الجيل وتلقيه دروساً سيئة.
فالاب الذي يفسح المجال لارتكاب الذنوب في البيت أو يتسلّى بالغيبة والنميمة والاستهزاء بالاخرين, إنما يلقّن أطفاله دروساً سيئة فيكون مثالا للأب الفاسد لأولاده.
كما أن الشيء نفسه يقال عن ذلك الاب الذي يتصف بالغضب والعداء أو ينطلق بكلمات غير موزونة وعبارات الفحش والسب والشتم فنراه بعمله هذا يخلق محيطاً سيئاً لتربية أولاده. وينطبق الامر كذلك على الاب الذي يدعو أناساً فاسدين ومنحرفين إلى بيته وينصب لهم موائد الخمر والقمار واللهو واللعب.
الانحراف خارج البيت:
يصاب بعض الاباء بانحراف خارج البيت, فنراهم مثلاً يقضون أوقاتهم حتى ساعات متأخرة من الليل في أماكن الفساد وبيوت أشخاص منحرفين ثم يعودون بعد ذلك إلى البيت فيثيرون ضجة وصراخاً ويخلقون حالة من الرعب والاضطراب داخل البيت.
ماذا ينتظر هذا الاب من طفله وهو يعود متأخراً إلى البيت؟ الا يقدم مثل هذا الاب المدمن درساً عملياً في الانحراف لأولاده فيشجعهم على ممارسة الجريمة وأن يكونوا مواطنين عدوانيين في مجتمعهم؟
لذا ينبغي أن يترك الاباء مجالس اللهو واللعب, وذلك من أجل أولادهم ولكي يكونوا إلى جانبهم . ويجب عليهم أن يشعروا بمسؤوليتهم إزاء أطفالهم, وأن يؤدوا حق هذه الوديعة الالهية ويوصلوها بسلام إلى شاطئ الامان, فأي انحراف للأب يعتبر نوعاً من التضييع والتفريط بهذه الامانة الالهية.
تأثيرات الانحراف على الطفل:
عندما يكون الاب منحرفاً فإنه يمهد الاجواء لظهور أخلاق متذبذبة وغير مستقرة عند الطفل ولجوئه إلى الغضب والتزامه بسلوك سيء. وإن المتضرر الاول هم الاولاد الذين سيكونون ضحايا هذا الاضطراب بسبب فقدهم للملاذ والملجأ ولا يملكون أي طريق لإنقاذ أنفسهم.
نرى من الضروري أن نشير هنا إلى هذه الملاحظة, وهي أن أغلب العوائل والاسر تبذل جهدها وسعيها من أجل تربية أولادها ولكن رغم ذلك فإن بعض الاولاد ينشئون منحرفين. فلو كان هكذا فكيف سيكون حال تلك الاسر التي لا تبذل أي جهد في هذا المجال بل على العكس من ذلك نراها تبذل جهوداً معاكسة ومخالفة.
فالطفل الذي يشاهد تحلل والده وعدم التزامه سيقترف الذنب ويفرط بنموه وتكامله. علماً أن أغلب أسباب الانحراف في الاطفال تعود إلى أسرهم الفاسدة وآبائهم المنحرفين, لأن الاباء المنحرفين يفتقدون إلى الاتزان في الفكر والسلوك ولا يمكنهم- والحال هذه- أن يكونوا قدوة صالحة لأولادهم.
وثمة مخاطر عديدة تهدد حياتهم الخاصة وحياة أولادهم أيضاً.
لو كانت الام ملتزمة:
كشفت التجارب العملية أنه ثمة أمل فيما لو كانت الام ملتزمة, وذلك رغم انحراف الاب وفساده. فالامهات الشريفات والعفيفات والملتزمات يمكنهن أن يساعدن أولادهن فيرسمن طريقاً سليماً يؤدي بهم إلى حياة سعيدة وشريفة.
فما أكثر الاطفال الذين ابتلوا بآباء منحرفين لكنهم تمكنوا من مواصلة نموّهم وتكاملهم بسبب امتلاكهم لأمهات ذكيات وملتزمات ومحترمات.
إننا نعتقد بأن الطفل الذي يملك أمّاً لا يعتبر يتيماً, وانّه سوف لا يلجأ إلى الانحراف والفساد بفضل مراقبتها وتربيتها( وهذا أمر نسبي بالطبع) وذلك رغم انحراف الاب وفساده.
لذا ينبغي أن يتحلّى الاب المنحرف بالحدّ الادنى من الانسانية والاخلاق وأن يفسح المجال لزوجته لتمارس دورها في تربية الاولاد. أو أن لا يضطرها إلى الانحراف أيضاً لأنّه أمل الطفل وملاذه الاخير والا لكان الدمار الشامل هو النهاية الحتمية للأسرة.