مبادئ تحقيق الانضباط

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

معنى الانضباط:

الانضباط كلمة مشتقة من الضبط, وتعني مسلك الشيء والسيطرة عليه وإخضاعه أو القبول به . والمقصود بهذه الكلمة تربوياً الالتزام بالقرارات والضوابط التي يضعها المربي بشأن الطفل أو الشخص الكبير.

فالطفل يولد حرّاً بطبيعته ولا يقبل بالضوابط والقوانين, ويحاول الأب من خلال طرق مختلفة, وأساليب متنوعة أن يعرّف الطفل ببعض القواعد لاعتقاده بأنّه لا يمكن الاستمرار في الحياة دون الالتزام ببعض الضوابط المستلهمة من المجتمع والدين.

فتلقين الطفل بالضوابط ومطالبته بها يعتبر أمراً ضرورياً خاصة وإنّه يمثل أمانة الباري جلّ وعلا عند والديه, وان الاب المؤمن مسئول عنه ومحاسب بسببه " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" . وقد لا يطيق الطفل تلك الضوابط لكنها ضرورية لحياته وتنفعه أيضاً.

 

أساليب الانضباط:

ثمة وجهات نظر مختلفة بشأن الاساليب التي ينبغي للأب استخدامها لتحقيق الانضباط في البيت. وإننا سوف نشير فيما يلي إلى ثلاثة أساليب رئيسية:

1-  أسلوب الاستبداد: ويلجأ إلى هذا الاسلوب فريقان من الاباء:

الفريق الاول, هم أولئك الأباء الذين يهتمون كثيراً بتربية أولادهم, ويطمحون إلى تنشئتهم على مبادئ الاداب والقواعد ويريدون تحقيق ذلك بأفضل ما يكون وبأسرع وقت ممكن.

أما الفريق الثاني, فهم الأباء المرضى وأولئك المصابون بانهيارات عصبية. وقد عانى هؤلاء كثيراً في حياتهم السابقة أو أنّ لهم مشاكل عديدة تواجههم خارج البيت فيحاولون التخلص منها من خلال نقلها إلى محيط الاسرة.

ويرفض الدين الاسلامي أسلوب الاستبداد وخاصة مع الاطفال الابرياء الذين لا ملاذ لهم. لأن هذا الاسلوب لا ينفع الطفل أبداً إضافة إلى تأثيراته السلبية. وقد أظهرت التجارب إنّه لا يمكن اللجوء إلى إصلاح الطفل في ظل الاستبداد, وما أكثر الذين لجئوا إلى العصيان والانحراف جرّاء ذلك.

2-  أسلوب الحرية المطلقة: يلجأ بعض الاباء والامهات إلى هذا الاسلوب في تربية أولادهم معتقدين انه ينبغي ترك الطفل وشأنه حتى تنمو استعداداته وقابلياته. وان منع الطفل عن بعض الاعمال يؤدي به إلى الاصابة بعدد من العقد والاضطرابات.

الا أن الدين الاسلامي يرفض أيضاً هذا الاسلوب, ويعتقد بأنّه ليس في صلاح الطفل ولا في صلاح أسرته. فالطفل قاصر عن تشخيص ما يضرّه وما ينفعه, وما أكثر المضار التي تصيبه خطأً أو يتورط في مشاكل معقدة لا يمكن حلّها بسهولة.

كما إن هذا الاسلوب لا ينفع الاسرة أيضاً لأن الطفل سيتجرأ على والديه مما لا يمكنهما في المستقبل الوقوف بوجهه. وسوف ينشأ مدلّلاً وحساساً ومغروراً ومنحرفاً.

3-  أسلوب الحرية المقيدة( المشروطة): وهو الاسلوب الثالث المستخدم في تحقيق الانضباط ومبادئه. فالطفل حرّ في تصرفاته ولكن ضمن حدود معينة. إنّه حرّ متى ما لم تؤثر حريته سلباً عليه أو على الاخرين والا لكانت مرفوضة من الشرع المقدس. ويجب أن تسلب حريته متى ما تجاوز حدوده.

لا بدّ من مراقبة الطفل لكي لا يلحق ضرراً بنفسه أو بالاخرين وأن لا يخاطر بحياته الحالية والمستقبلية, والا يلجأ إلى الظلم ولا إلى الكسل والتحلل, ولكن بشرط أن لا ندفعه لينفذ صبره وييأس من الحياة, فهذه الحرية بحاجة إلى حكمة الاب . فقد جاء عن رسول الله (ص) قوله:" ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة الا كان خراباً".

-        من أجل تحقيق انضباط الطفل:

يستطيع الاب أن يستعين بعوامل ووسائل تعينه في تحقيق انضباط الطفل أو تمنعه من ارتكاب الخطأ.

أما العوامل الدافعة والمعينة فيمكن الاشارة إلى مصادقة الطفل ومراعاته, وطلب الخير له وحبّه, والتعامل معه بأدب وأخلاق, ورعاية أحواله, وتشويقه وتشجعيه, ومكافأته.

أمّا العوامل المانعة من ارتكاب الخطأ فيمكن أن نذكر منها التنبيه والتحذير والتوبيخ واللوم والتهديد والعقاب حيث يمكن التحدث عنها بشكل منفصل, وهذا ما تبنّته كتب التربية.

وبشكل عام نقول إن الحديث الودي والاجراءات التي تعبّر عن الحب والعطف والحنان أجدى بكثير من القوة والعنف والضرب المبرح.

نعم يمكنكم أحياناً أن تمنعوا طفلكم من القيام بعمل معين بصفعة واحدة, ولكن عليكم أن لا تنسوا بأنه سيعتبر والده دكتاتوراً وقادراً على صفعه متى ما يشاء.

فالولد يستسلم لوالده ما دام طفلاً صغيراً, غير انه سيقف بوجهه متى ما أصبح قوياً ومقتدراً. لذا فإن السلوك ليس في صالح الطفل والوالد أبداً.

 

اللوم والانضباط:

يلجأ بعض الاباء إلى اللوم من أجل تحقيق قواعد الانضباط . فنراه يؤنّب طفله باستمرار. ومن الطبيعي أن اللوم في الاصل مفيد للطفل من أجل أن يلتزم بالقواعد الضرورية, ولكن ينبغي إلى الملاحظات التالية:

1-  يؤدي اللوم الشديد إلى شعور الطفل باليأس من نفسه والاحساس بعقدة الحقارة.

2-  إذا تكرر اللوم الشديد إلى شعور الطفل باليأس من نفسه والاحساس بعقدة الحقارة.

3-  إذا تكرر اللوم فإنه يؤدي إلى ابتعاد الطفل عنكم بشكل لا شعوري والانجذاب إلى أمه, مما يعرض العملية التربوية للفشل.

4-  يؤدي اللوم الكثير أحياناً إلى تحطيم القوى الداخلية للطفل بحيث يفقد الجرأة على العمل وبذل الجهد.

وبشكل عام ينبغي أن تكون موارد اللوم والتأنيب قليلة جداً, وفي حالات استثنائية. وأن يكون الهدف من ذلك طلب الخير والصلاح للطفل لا قمعه وإلحاق الاذى به .

وحري بالاب أن ينوي إصلاح طفله وليس أن ينفّس عن عقده أو إضعاف موقع طفله من أجل دعم مكانته وموقعه. فقد ورد عن الامام علي (ع) في هذا الشأن قوله:" تلويح زلة العاقل له أمضى من عتابه". حيث يقضي هذا الامر على التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للدروس السيئة ويسارع في عودة الطفل إلى الطريق الصحيح.

 

تحقيق قواعد الانضباط:

ثمة أصول وأساليب معينة تحقق انضباط الطفل, وسوف نشير فيما يلي إليها من خلال مجموعتين, سلبية وأخرى إيجابية:

أ‌-     المجموعة الايجابية: ينبغي للأب الذي يريد تحقيق انضباط طفله أن يهتم بالقواعد التالية:

-        التحلّي بالخلق الانساني والسلوك الجميل مع التسامح والصفح والمداراة.

-        تعريف الطفل بأنواع السلوك الصحيح.

-        تدريبه على الانضباط بشرط التزام الاب به.

-        تلقين الطفل وتنبيهه باستمرار من أجل أن يعتاد على السلوك المطلوب.

-        إصدار الاوامر المنطقية التي يتمكن الطفل من تنفيذها.

-        الوحدة بين الاب والام في إصدار الاوامر والنواهي لكي لا يشعر الطفل بالحيرة.

-        السعي لتعريفه بمبادئ الحياة كاحترام الوقت وآداب الطعام والنوم واليقظة والذهاب والاياب وكيفية التحدث والاحترام ورعاية الادب منذ مرحلة الطفولة.

-        إيجاد الوحدة بين القول والعمل ومنع التضاد بين القول والسلوك.

-        التعامل الانساني مع الطفل لكي لا يصاب بالغرور.

ب‌-          المجموعة السلبية: إذ ينبغي للأب أن يهتم بما يلي:

-        الامتناع عن ممارسة الضغط الشديد في الحياة, وإصدار الاوامر والنواهي العديدة.

-        الامتناع عن زرع الخوف في أعماق الطفل لاحتمال أن يؤدي ذلك إلى الاضطراب النفسي.

-        الحذر من الاستهزاء أو الاهانة أو التأنيب الشديد لأنها تؤدي إلى الاصابة بمختلف العقد.

-        الامتناع عن تحميل الطفل فوق طاقته.

-        الامتناع عن الغضب والعصبية في تحقيق قواعد الانضباط, كما ينبغي الامتناع عن التوسل وإظهار العجز.

-        التفريق بين التربية وبين الحب والبغض.

-        عدم التفكير بالامر الحاصل, والتفات إلى الهدف المنشود في التربية (الهدفية).

-        الامتناع عن ممارسة السلوك المنحرف, لأن الطفل سيكتسب ذلك من أبيه(الولد على سرّ أبيه).