الاب والدروس السيئة

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

الاب والقدوة :

قلنا أن الاب يكون قدوة في أسرته وحتى بين أفراد مجتمعه والوسط الذي يعيشه, وإنه مسئول عن المحافظة على هذه الظاهرة والدفاع عنها. وما أكثر المصائب والصعوبات التي تعترض الطفل بسبب الدروس السيئة التي يتعلمها ويكتسبها سواء عن وعي أو بلا وعي. وإن وجود الاب يمثل درساً للولد في الاخلاق والتربية.

والان لنره ما هي الدروس التي ينبغي أن يقدمها الاب لولده علماً بأنّه ثابتٌ تربوياً بأن الدروس السيئة لها تأثيرات سيئة أيضاً تبقى مدى العمر.

يجب على الاب أن يكون ذكياً وناضجاً وسائراً في طريق المحافظة على المبادئ الاخلاقية والتربوية ولا يهتم الا بالعادات والتقاليد الانسانية لكي يكتسب منه الطفل دروساً في الاخلاق والانسانية ويقتدي بمنهجه وأسلوبه في الحياة.

 

ما هي الدروس السيئة :

نشاهد- مع الاسف- أن بعض الاباء يلجئون عن قصد أو بدون قصد إلى تقديم دروس سيئة لأولادهم, ولا تقف هذه الدروس عند حدود معينة, لكننا سنشير إلى بعضٍ منها وهي عبارة عن :

1- في الدين والاخلاق: يجب أن يكون الاب ملتزماً بدينه وبأوامره ونواهيه, ويظهر ذلك لولده ويطالبه به أيضاً.

ماذا يتوقع ذلك الاب من ولده وهو ذاته غير ملتزم بتعاليم دينه كالصلاة مثلاً؟

كما إن الاب الذي يتعامل مع أسرته بأخلاق سيئة ويكلمهم بمنطق بذيء فإنه يرسّخ في أذانهم تلك الدروس السيئة التي تكون سبباً لشعور الطفل بالتشاؤم دوماً وعدم الاهتمام بالمعايير الاخلاقية.

وتؤدي وساوس الاب وعناده بوجه الحق وتذرعه الكثير في حياته وحياة أفراد أسرته, إلى أن يكون الطفل مستبداً ومعانداً للحق مما يولّد ذلك أخطاراً عديدة في حياته الحالية والمستقبلية وكذلك المجتمع الذي يعيشه.

2- في السلوك: عندنا آباء مذنبون لأنهم يمارسون سلوكاً منحرفاً بل ويحاولون نقل الانحراف إلى أولادهم. ونرى أن بعضهم يصحب معه ولده إلى مجالس الانحراف والاثم, ولا يهمهم عاقبة حياته وما سيؤول إليه مصيره.

فسلوكهم هذا يكون مثالا للولد, لأنهم يمارسون أعمالهم القبيحة تلك على مرأى ومسمع منه, غافلين عن أنه سيكتسب منهم تلك الممارسات, ويلجأ إلى تطبيقها في المستقبل خاصة وإن الطفل يمتاز بغريزة حب المحاكاة.

يجب على الاب أن يعلم بأنّ سلوكه القبيح والمنحرف لا يخدم بناء ولده وتكامله أبداً بل يكون سبباً لانحرافه في كلّ المجالات.

3- في القول والكلام: ومن الدروس السيئة التي يقدمها الاب لولده هي استخدامه لكلمات بذيئة, فنراه مثلاً, يذكر عبارات نابية تستقر في ذهن الطفل ونفسيته وتؤثر عليه.

ويتسم بعض الاباء بالغضب فلا يقدر أن يتمالك نفسه فيستخدم كلمات مشينة وقبيحة يكتسبها الطفل.

كما يتصف بعض الاباء بالسخرية وتقصّي عيوب الاخرين فنراه يسخر من ولده وينال من معنوياته, فيدفعه بعمله هذا إلى سلوك طريق الانحراف. ينطبق هذا الكلام أيضاً على ذلك الاب الذي يتحدث بكلمات متضادة, ويلجأ إلى الكذب, فيدرك حتى الطفل الاختلاف الحاصل في كلامه. وتكون النتيجة أن لا تؤثر كلمات الاب في ولده ولا تنفذ إليه فتفشل العملية التربوية.

4- في العهد والوعد: من الدروس السيئة التي يقدمها الاب لولده هي عدم وفائه بعهده ووعده فيلمس الطفل ذلك رغم أنه لا يتوقعه . فمثلاً يعد الاب ولده باصطحابه معه في سفره أو تجوّله في اليوم الفلاني أو أن يشتري له حاجة معينة ولكنّه لا يفي بوعده.

وقد يتعهد له بشيء ما لكنه ينسى عهده, فيتألم الطفل كثيراً خاصة فيما لو ارتبط ذلك العهد بمصلحته الخاصة.

وسوف تتضاءل مكانة هؤلاء الاباء في أعين أولادهم إضافة إلى أنهم سيقدمون لهم دروساً سيئة لها نتائج خطيرة في حياتهم المستقبلية.

5- في النظم والانضباط: لا يوجد شك في أن من وظائف الاباء المهمة هو تعليم أولادهم على النظم والانضباط والالتزام بالمبادئ والاصول.

وهذا الامر ضروري لأنّ يشمل جميع مرافق الحياة بل وحتى تناول الطفل لطعامه ونظافته وعمله ونومه واستراحته وغير ذلك.

فالاب الفوضوي الذي لا يلتزم بأي ضوابط في ذهابه وإيابه وراحته وعمله إنّما يقدّم دروساً سيئة لأولاده تكون لها نتائج وخيمة في حياتهم القادمة . ثم ماذا يتوقع مثل هذا الاب من أولاده؟ وهل ستؤثر فيهم أوامره ونواهيه ومطالبته لهم برعاية النظم والانضباط؟

6- في التعامل: لا بدّ أن يتم التعامل في الحياة الاجتماعية والاخلاقية للناس وفق معايير إنسانية ومبادئ منبثقة من الاخلاق السامية وتعاليم الدين الحنيف. أمّا لو كان التعامل خاطئاً لتأثر به الطفل واكتسب منه تلك الدروس السيئة.

فالاب المحتال والمنافق والشرير والشقي والمتكبر والعنيف والمرائي إنّما يقدّم دروساً لأطفاله, فيعرّض حياتهم المستقبلية للخطر.

وإن اللجوء إلى ممارسة الاقتدار والعنف يدفع الاطفال إلى التفكير بالانتقام دائماً, واستخدام العنف مع كل من يقف أمامهم.

وكذا بالنسبة للأب الذي يلجأ إلى الجدل كثيراً والسخرية بالاخرين ولمزهم, إذ تقضي هذه الممارسات على معنويات الطفل بشكل لا إرادي فيضطر إلى اتخاذ أساليب مشابهة.

7- في العلاقة الزوجية: من الدروس السيئة التي يكتسبها الطفل وهي أن تكون العلاقة بين الزوج وزوجته على مرأى منه حتى ولو كان صغيراً, فالذي يضاجع زوجته على مشهدٍ من طفله إنما يرتكب خطأً كبيراً لأنّه يمهّد الاجواء لانحراف الطفل ولا يمكنه أن يفلح أبداً.

فقد ورد عن الامام الصادق (ع) قوله:" لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبي, فإن ذلك يورث الزنا". وجاء عن الامام الباقر (ع) قوله:" إيّاك والجماع حيث يراك صبي يحسن أن يصف حالك" . وثمة أطفال قد انحرفوا بسبب هذا الامر.

8- في المعاشرة: ينبغي أن يقدّم الاب دروساً في الادب والاخلاق لأولاده من خلال أسلوب معاشرته لهم, ويجب أن تشمل هذه المعاشرة جميع أفراد الاسرة بما في ذلك الزوجة. وإنّ نزاع الكبار يقف بوجه نشوء الاطفال بل ويدفعهم إلى الشعور بالاذى.

كما ليس صحيحاً أن ينعدم التوافق بين الوالدين في حياتهم فيعتبرا الطفل هو السبب الوحيد الذي تستمر من أجله حياتهما. فنراهما مثلاً يتجادلان كثيراً ويتنازعان باستمرار ويشتكيان إلى الطفل ضد بعضهما ويلجآن إلى تحطيم شخصية كلٍ منهما.

فلو كان الاب مهتماً بتربية ولده فما عليه الا أن يقضي على الاختلاف الدائر بينه وبين زوجته ويمتنع عن النفاق والسلوك السيئ.

ولو حصل هذا- لا سمح الله- فما على الاب الا أن يحفظ طفله من التأثيرات السيئة لذلك بل يزيلها من قلبه لكي لا تكبر وتستفحل.

9- في المساعدة والتعاون: حري بالاب أن يساعد الاخرين من أفراد أسرته بمرأى من الطفل وبشكل يفهمه ويدركه لكي يخلق الاجواء الملائمة لنموّه اجتماعيا.

فثمة أشخاص في المجتمع ليسوا سوى عالة عليه, وما على الاخرين الا أن يتحمّلوا أعباءهم ويتبنوا شؤونهم .

ولو قرر كل إنسان أن يفكر بنفسه ويتحرك في إطار مصلحته الخاصة لتعذرت الحياة الاجتماعية ولاضطربت الامور وظهرت المشاكل والصعوبات العديدة.

لذا, لا بدّ من قيام التعاون في المجتمع وحتى التكافل الاجتماعي, ويجب أن يقدم الاب الدروس المفيدة في هذا المجال لأولاده طيلة فترة حياتهم, وإنّه لذنب كبير أن يقف الاب موقف المتفرّج إزاء مشاكل مجتمعه وآلامه.

10- في التفكير: وأخيراً, يجب على الاباء أن يؤمنوا بفلسفة واضحة ومنهج صريح في الحياة.

 عليهم أن يبعدوا سوء الظن والحقد من حياتهم. فالذي ينظر على الامور من زاوية ضيقة ويتعامل مع الاحداث نظرة سلبية إنما يقدم درساً سيئاً لأولاده ويعرّض حياتهم المستقبلية إلى الخطر.

وينبغي أن يجتهد الاباء في زرع الامل في قلوب أولادهم وتنمية اعتقادهم بالعمل والجزاء لكي يتمكنوا في طريق خيرهم وصلاح أنفسهم ومجتمعهم.