الدور الاجتماعي والأخلاقي للأب

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

الحياة الاجتماعية للإنسان

الإنسان كائن اجتماعي, وهذا يعني إنه يعيش بين أوساط المجتمع ويتكامل مع محيطه, ويتبادل معه التأثير الثقافي بحيث يستطيع أن يحدث فيه تغييراً مشهوداً .

فالطفل الذي هو اليوم بين أحضانكم سيصبح عاجلاً أم آجلاً أباً أو أمّا, وعضواً في مجتمعه, فيحتاج إلى الوعي ليتخذ المواقف المختلفة التي تتلاءم مع موقعه, وتساعده في نموّه ونشوئه. إنّه مضطر للاتصاف بأخلاق معينة تمكنه من العيش الهادئ المستقر بين أوساط ذلك المجتمع.

فالحياة الاجتماعية بحاجة إلى قوانين وضوابط عديدة رغم الفوضى والاضطرابات, وإن الناس مضطرون إلى الالتزام بها طبقاً لما هو مسنون وعلى أساس إيمانهم بالتقاليد الدينية.

وتقع على الاباء مسؤولية التربية الاجتماعية للأولاد وتوجيههم نحو حياة سعيدة .

المسائل الاجتماعية:

إنّ أول ما يتبادر إلى الذهن عندما يثار موضوع المسائل الاجتماعية هو العلاقات بكل أشكالها. وبذا يمكن تحديد جانب من مسؤولية الأب في هذا المجال.

تخضع العلاقات إلى ضوابط وقوانين. وقد تكون قوانين . وقد تكون قوانين إلهية أو مدوّنة من البشر أنفسهم أو مأخوذة من أديان وفلسفات غير إلهية . فالمهم هو وجود القانون في المجتمع وعلى أبنائه أن يتكيفوا بشكل معقول مع هذه القوانين . وتقع على الأب مسؤولية تعليم الطفل هذه القوانين وإعداده للالتزام بها .

قد لا يراعي جميع الأشخاص الذين يعيشون في المجتمع تلك القوانين أو أن بعضهم يتجاوز حدوده, ويسمى هذا انحرافا.

فينبغي على الاباء أن يوضحوا لأولادهم الانحرافات ويحفظونهم بعيداً عنها.

ولكي يدرك الإنسان ماذا يعني الانحراف وما هي حدوده ومن هو المنحرف وهل يمكن العفو والتسامح؟ لأن ذلك يحتاج إلى القدرة على التمييز والتشخيص, وتقع على عاتق الأب مسؤولية تنمية هذه القدرة لدى الطفل وتعويده على اتخاذ الرأي المناسب والموقف الصحيح في مختلف القضايا.

إن نتيجة الحكم على شخص معين هو إمّا أن يستحق الثواب أو العقاب. ويمكن عن الطريق هذا تعليم الطفل وتفهيمه معنى السجن والتأديب والحد والتعزيز والقصاص والدية, وحري بالأب أن يلقن طفله هذه المعاني حتى يمتنع عن الانحراف وإلا سينال جزاءه.

 

موضوع الأخلاق:

فالأخلاق من المواضيع المهمة التي تميّز الإنسان عن الحيوان. ونقصد بالأخلاق تلك الضوابط والالتزامات التي ينبغي بالإنسان أن يلتزم بها من أجل حياة اجتماعية كريمة تليق بمنزلته.

أو هي تلك القوانين التي يتمكن الإنسان أن ينشأ ويتكامل في ظلّها. فالإنسان بحاجة إلى نمو اجتماعي يوازي نموّه الجسماني وينسجم مع الحياة الاجتماعية التي يعيشها. وقد أكّد الإسلام كثيراً على هذا الموضوع, واهتمت التربية الإسلامية بالأخلاق إلى درجة جعلتها الهدف من بعثة الرسول الأكرم (ص) : " إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .

فالأخلاق هي أثمن شيء لدى الإنسان إضافة إلى أنها تعد من ضروريات الحياة الفردية والاجتماعية, وتؤدي إلى تكامل الإنسان فردياً وجماعياً (اجتماعياً).

وينظر ديننا الحنيف إلى عديمي الأخلاق فيعتبرهم أمواتاً. فما أكثر الجرائم والجنح والمشاكل والمفاسد التي لا يمكن حلّها إلا في ظل الأخلاق . وإن الجريمة ثمرة الأخلاق السيئة أو أنّها بسبب تربية فاسدة قامت على الأخلاق المنحرفة. وبشكل عام فإنّه لا يمكن الفصل بين التربية والأخلاق أبداً.

 

 

 

 

دور الأخلاق:

إن للأخلاق تأثيراً فطرياً على الإنسان, فالأطفال يولدون بفطرتهم صادقين أمناء طاهرين ثم يقتبسون صفات الخيانة والكذب والظلم من محيطهم التربوي.

وتقع على الاباء مسؤولية بناء فطرة أطفالهم وتنميتها وتوجيهها نحو الخير والفضيلة, ولذا فهم مسئولون عن مراقبة سلوك الأطفال والاهتمام بالجوانب الأخلاقية والعاطفية.

ومن جانب آخر تقتضي وظيفة الأب أن يكون معلماً لولده وقدوة له في الأخلاق ويجب عليه أن يكون نموذجاً (مثالياً) في الخير والإحسان والإيثار والتعاون والتكافل الاجتماعي, فيوجه طفله نحو الفضائل والأخلاق الحسنة مستخدماً في ذلك جميع الأساليب الممكنة.

ومن الضروري أن يراعي في هذا الطريق أمرين:

الأول: أن يلتزم الأب عملياً بذلك السلوك الذي يرغب أن ينشأ عليه ولده.

والثاني: أن يوفر له المناخ الملائم والأجواء المناسبة حتى يستأنس به الطفل فتبرز رغبته التقرب من أبيه وتقليده في أساليبه وخطواته. ومن هنا تبرز أهمية ثقافة الأب ومطالعاته بهذا الخصوص .

 

مجالات المواضيع الأخلاقية:

لا بدّ من الإدراك أن التربية الاجتماعية والأخلاقية لها مجالات واسعة جداً إذ أنّها تشمل كل ما يحتاج إليه الطفل في حياته الاجتماعية الحالية والمستقبلة . ولهذا يجدر بالإباء أن لا ينظروا إلى تربية أولادهم نظرة ضيقة وذات بعد واحد, حيث تقع عليهم مسؤولية كبيرة جداً في جوانب عديدة, منها :

أ‌- الجانب الفردي: على الاباء أن يعلّموا أطفالهم الطرق والأساليب النافعة والمفيدة في الحياة كي يكونوا أناسا قادرين على التمييز بين الحق والباطل ومنتقدين وهداة صابرين مقاومين, وأن يتعرفوا على المشاكل والصعوبات حتى يكونوا وقورين في الفكر ويمتازون بالحلم. وقد جاء عن الإمام الكاظم (ع) قوله: " تستحب عرامة الغلام في صغره ليكون حليماً في كبره" .

فينبغي أن يتحلى الولد بالاباء وعزّة النفس ويهتم بشرفه وعفته حتى يقاوم الانحرافات والمفاسد.

ومن الصفات الفاضلة الأخرى التي يجب أن يتعلمها الطفل ويتربّى عليها هي الشهامة والتضحية والإيثار والاستقامة والفهم والإدراك والاشتياق للصفات الحميدة.

ب‌- الجانب الاجتماعي : علينا أن نربّي أولادنا على حبّ الناس وخدمتهم وتمنى الخير لهم, وعلى الشعور بالمسؤولية وأدائها على أفضل ما يرام, وعلى التعاون في طريق الخير والتكافل الاجتماعي والمساواة والتكامل .

لا بدّ أن نربّي أطفالنا حتى يحبّوا للآخرين ما يحبون لأنفسهم ويكرهون لهم ما يكرهون لها, وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاهتمام بموضوع الرقابة الاجتماعية, وعلى الالتزام بالضوابط والمصالح الاجتماعية واحترام الإنسان من أجل إنسانيته لا للونه أم عنصره, والالتزام بالتقاليد والأعراف الجيدة . وكذلك اتخاذ مواقف مناسبة إزاء المجرمين والظالمين والمنحرفين, والشعور بالمسؤولية من أجل إصلاح المفاسد والتعويض عن النقائص .

 

الأخلاق والقدوة:

يجيد الطفل عملية التقليد, وإنه يرغب تعلّم السلوك الذي يمثّل أنموذجا له فيلتزم به, ويسير خلف أشخاص يمتازون بالصفات التالية :

1-  أن يكونوا أبطالا جهد الامكان حتى ينبهر الطفل تقريباً لتصرفاتهم وأعمالهم.

2-  أن يكونوا ممن يحبّهم الطفل ويألفهم.

3-  أن يقبلوه ويهتموا به ويداروه .

4-  أن تكون تصرفاتهم متجسدة دائماً أمام الطفل فينظر إليها باستمرار.

ومن هنا تبرز أهمية دور الوالدين . وللأب تأثير يفوق الاخرين لأنه المسؤول عن الانضباط وتنفيذ القوانين.

وهكذا نشاهد أن عيوب الاب وسلبياته سوف تسري بلا شك إلى ولده الذي يحاول تقليده في كل شيء .

 

الاب والتعليم الاخلاقي :

للأب تأثير بالغ جداً في تعليم ولده عملياً وذلك في مرحلة الطفولة وحتى النشوء. وتقع عليه مسؤولية تقديم الدروس لولده من خلال عمله وسلوكه حتى يفهم الطفل ماذا عليه أن يعمل وكيف يكون؟ فالزيارات والاحاديث والمواقف في محيط الاسرة والمجتمع تمثل درساً عملياً للطفل, ويتمكن الاب أحياناً أن يستعين بالقصص في عملية التعليم بشكل غير مباشر, فالاطفال يلجئون عادة إلى تقليد أبطال القصص في سلوكهم, وذلك متى ما تأثّروا بتلك القصة .

أمّا ما يرتبط بالتعليم المباشر فينبغي القول بأن الاطفال الصغار لا تؤثّر فيهم سوى الجمل القصيرة, ويمكن دمج ما هو نظري بما هو عملي والتحدث عن فلسفة بعض الامور وذلك منذ نهايات مرحلة الطفولة .

يجب على الاب أن يقدم القول والعمل لولده أولاً ثم يوضّح له السبب فيما بعد.

ويمكن وضع دروس نظرية في الاخلاق ابتداءً من مرحلة البلوغ, لكن الشيء المهم هو أن الطفل والحدث وحتى البالغ أو الشاب لا يمكنه الاستغناء عن سماع القصص أبداً والاستفادة منها أخلاقياً.

 

إيجاد العادات الاخلاقية:

يمكن إيجاد العادات الاخلاقية- كما هي العادات الاخرى- عن طريق الممارسة والتجربة والتكرار. لكنّ الاصل هو أن يلتذ الطفل بالشيء المطروح أمامه. ومن هنا تبرز ضرورة ذكر بعض اللذات المعنوية للأولاد ابتداءً من أواخر مرحلة الطفولة أو النشوء وخاصة بالنسبة للبالغين والشباب لتأثيرها الكبير عليهم .

ففهم الامور وإدراكها يوفران المناخ الملائم ويشوقان الولد للالتزام بسلوك خاص, وان التمييز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي يساعد كثيراً في هذا الطريق, وينبغي على الاسرة أن توفر هذا التصور عند أطفالها لأنها النواة الاجتماعية الاولى.

ويمكن أحياناً إيجاد عادات معينة عند الطفل من خلال التحذير العملي المتكرر. فمثلاً لا تسمحوا أبداً أن يقاطع كلام الاخرين أو يهينهم أو يجرح أحد بلسانه.

وثمة طريق آخر لإيجاد هذه العادات يرتبط بتصرف الكبار كاحترامهم للطفل واستقباله بوجه بشوش. وقد جاء عن رسول الله (ص) قوله:" إذا سميتم الولد فأكرموا له وأوسعوا له في المجالس ولا تقبحوا له وجهاً".