الدور الاقتصادي للأب
الكاتب:الدكتور علي القائمي
مقدمة :
يمثل الاقتصاد جانباً ضرورياً في الحياة. ويعرف بأنّه المحرّك للإنسان نحو العمل والسعي الدؤوب, حتى وصفه بعض الفلاسفة بأنه الاساس, وإن كلاً من الفكر والادب وحتى الدين! تنبثق عنه. وتنتهي أغلب المساعي الاقتصادية إلى البطن والزينة والقوة حيث تبذل الجهود للحصول على طعام أكثر أو زينة أفضل. وقد يلجأ الاشخاص أحياناً إلى الخيانة والجريمة وإراقة الدماء. ويرى الاسلام أن الاقتصاد ليس أساساً لكل شيء لكنه مهم في نفس الوقت.
وقد جاء في السنة الشريف: " من لا معاش له لا معاد له ", ولذا أكّد الاسلام على العمل واعتبره من الامور الاساسية المهمة للغاية وأمر الناس به ليحصلوا على لقمة العيش ويتمكنوا من بناء أنفسهم وتطويرها.
ضرورة التربية الاقتصادية:
ينبغي الاهتمام بالتربية الاقتصادية لدورها المهم في حياة الانسان وبناء مستقبله. ويا حبذا لو يقوم الاب بوضع الحجر الاساس وإيجاد الرغبة والاندفاع عند أطفاله وهم صغار حتى لا يتهربوا في مرحلة الشباب من حمل هذه المسؤولية.
يقوم الاب عملياً بتوفير المأكل والملبس ووسائل الراحة والترفيه لأسرته, ويتعرّف الطفل ذاتياً على هذا الموضوع في سنوات الطفولة الاولى وينظر إلى والده بأنّه أساس القوة والاقتدار, فيطلب منه أن يؤمّن له حاجاته, ويدرك إنّه النواة إذا تعود جميع الامور إليه. ثمّ يشعر تدريجياً أن عليه أن يكون كأبيه وأمّه في القيام بالوظائف وضرورة تعلم مهنة معينة. وتعتبر هذه الارضية لاقتباس العديد من الاعمال وتعلّمها. ومن الضروري أن يرافق ذلك دافع خارجي وهو حديث الاب وتشجيعه لولده وتشويقه للمضي في هذا الطريق.
التمرّن على العمل والانتاج:
عليكم أن تحثّوا أولادكم منذ مرحلة الطفولة على ممارسة العمل والانتاج, ولا بدّ أن يتناسب ذلك مع سن الطفل وإدراكه وفهمه. وليبدأ من سقي الورود مثلاً وتنظيف الرفوف والاعتناء بالمكتبة وترتيب المقاعد والمناضد أحياناً.
إننا نعتقد بأن الطفل سيكون قاصراً عن أداء عمل مفيد خارج البيت أو لم يتمكّن من أداء عمل مفيد ونافع داخله, وسوف يفقد الثقة بنفسه.
اسمحوا له بأن يؤدي بعض أعمال البيت وشؤونه الخاصة كغسله لجواربه ومندليه والاعتناء بالحديقة وغير ذلك لكي يستطيع التطور والتقدم في المستقبل. اطلبوا منه أحياناً أن ينجز بعض أعمالكم الخاصة أو يساعدكم فيها لكي تزداد خبرته بفنون العمل وأساليب الحياة ومشاكلها.
ثمة مساحات واسعة للعمل أمام الاطفال. حيث توجد اليوم طرق عديدة يمكن بواسطتها تكليف الاطفال للقيام ببعض الاعمال الانتاجية, حتى أولئك الذين يبلغون من العمر أربع سنوات, وعلى سبيل المثال يمكن الاشارة إلى الطباعة بواسطة الالة الطابعة ولكن بشرط أن تبذل الجهود كي لا يشعر الطفل بتعب أو ملل جرّاء ذلك العمل فيحرم منه.
إدراك قيمة العمل:
من الامور المهمة جداً هو أن يدرك الطفل قيمة العمل, وإنّه أساس تداوم الحياة وبقاء هذا الوجود واستمرار الحضارات والحصول على الثروة وإشباع البطن . ولا يمكن الا من خلال العمل تيسير اقتصاد العائلة وتوفير حياة طبيعية ومنتظمة.
كما وعليه أن يدرك من خلال الممارسة أن العمل لا يستهدف توفير لقمة العيش فحسب بل إنّه وسيلة من أجل تقديم الخدمات الاجتماعية والتطوّر الحضاري. إذ يجب عليه أن يهوى العمل ويحبّه ويكره البطالة ويمقتها ويخطط لحياته طبقاً لهذه المفاهيم.
ومن المفيد أن يلجأ الاب إلى ذكر بعض القصص في هذا الشأن, ومنها ما ورد عن رسول الله (ص) من أنه شاهد رجلاً فأعجبه, ولما سأل عن عمله وعرف أنه عاطل عن العمل قال: سقط من عيني.
إن ذكر مثل هذه القصص تشوّق الاولاد وتدفعهم نحو العمل .
التوجيه في العمل:
ينبغي للأب أن يطلع طفله منذ صغره على أنواع الاعمال وخصوصياتها وإيجابياتها وسلبياتها وصعوباتها وكيفية مواجهتها وسوف تؤدي هذه العملية إلى اندفاع الطفل واهتمامه بأعمال معينة مما يفسح المجال للأب ليصرف هذا الاندفاع ليصب في خانة الاعمال التي لا تضرّه جسدياً ونفسياً بل تساهم في نموّه وتكامله.
وينبغي أن يؤكد الاب على الاعمال الشريفة التي توفّر حياة حرّة ونزيهة ثم تزداد كفاءة الطفل وخبرته تدريجياً بازدياد سنه ونشوئه.
ولا بدّ أن توضح الحدود الفاصلة بما يختص بالذكور والاناث والمسؤوليات التي يمكن أن يتحمّلها كلّ حسب جنسه.
ويجب أن تصب الجهود بشكل عام من أجل خلق تصور جيد عند الاولاد عن العمل والانتاج, والاهتمام بالتقوى والشرف من أجل أن يحمل الطفل انطباعاً إيجابياً عن تلك الامور.
وحري بالاب أن يكون مؤهلاً لهذا الدور فيملك ذلك الاستعداد المطلوب.
التعرّف على عمل الاب :
لا بدّ للطفل أن يتعرف بالتدريج على مهنة أبيه وعمله وموقعه وخدماته ودخله والمشاق التي يواجهها. وهذا يعتبر بالنسبة للطفل عاملاً مهماً في اكتشاف ظرفه ومكانته والحدود المرسومة لطلباته ورغباته, أو إنّه يعرب عن فخره واعتزازه في أحيان أخر.
ويجب أن يقيم عمل الاب على ضوء قيمته وأهميته والتقوى المستخدمة فيه لا على أساس المنصب والدخل, ويمثل هذا درساً للأولاد .
وينبغي للأب أن يكشف لولده عن رغبته بهذا العمل وحبه له حتى يؤكّد له أن العمل عندما يكون شريفاً لا تؤثر فيه النوايا السيئة للآخرين .
الوالدان قدوة:
من العوامل التي تقلق الطفل وتؤثر عليه سلباً في المستقبل هي شكوى الاب من عمله وندب حظه السيئ إلى العمل الذي يؤديه حالياً وينجزه دون أية رغبة.
كما أن الاعلان عن الضجر والتعب من العمل وقذاراته وفقدان الصبر على تحمله, تقدم دروساً سيئة للطفل, إضافة إلى شعوره بالقلق. فالام التي تشتكي من عمل البيت دائماً والاب الذي يندب حظه باستمرار إنما يزرعان مفهوماً خاطئاً في ذهن الطفل. فينبغي عليهما أن يقدما لولدهما دروساً في الثبات والنشاط والتقوى والامانة. لأن الاسلام يرفض السطحية في العمل ويؤكد على الاتقان وقد جاء في الحديث الشريف:" إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
كما يجب على الوالدين أن يهتما بالمهارة والاخلاص في عملهما ولا يفرطان بشرف العمل من أجل أرباح مادية سرعان ما تزول.
قيمة المال والانفاق:
من الامور المهمة في التربية الاقتصادية, الكشف عن قيمة المال والهدف من الحصول عليه. ويجب أن يحدد الهدف من التبادل التجاري والحصول على لقمة العيش حتى يكون هذا دافعاً لاستمرار الحياة والمحافظة على الكرامة . ولن يكون للمال أية قيمة عندما يتعرّض شرف الانسان وكرامته لخطر الضياع.
وينبغي للطفل أن يدرك حجم القوة الشرائية للعملة, والاجر الذي سيكسبه لقاء جهد معين, والحاجات التي يمكن توفيرها بواسطة هذا المبلغ.
إنّ من الخطأ أن يخفي الوالدان- وخاصة الاب- قيمة شراء الاشياء عن الطفل إذا عليهما أن يطلعاه على قيمة الدفتر أو الصابون أو الفرشاة أو المأكولات لكي يكون على بينةٍ من كيفية الانفاق ومعدله.
كما إنه أحد أعضاء الاسرة وشريكها في الاستهلاك وينبغي إشراكه في القناعة بمستوى إدراكه فيما لو دعت الحاجة لذلك.
وعلى الاب أن يعلم ولده منذ الصغر على عدم الاسراف والتبذير ويربيه على حالة الاعتدال في الانفاق.
الفقراء والثراء:
قد تصاب الاسرة بالفقر أحياناً فتكون عاجزة حتى عن توفير حاجاتها الضرورية والاساسية.
وليس صحيحاً في مثل هذه الحالات اللجوء إلى التأوّه وندب الحظ السيئ وبث الشكوى خاصة أمام الطفل لأن ذلك يؤّثر سلباً على معنوياته. ولا بد أن تصبر الاسرة على هذه الحالة وتقدم بذلك درساً للطفل. ويجب أن لا يؤدي الفقر المادي إلى الفقر الاخلاقي وإلى التأثير سلباً على كرامة الانسان وعزته وإبائه . فمن نعم الخالق الكبرى انشراح الصدر والتعامل بوجه ٍ بشوش مع أفراد الاسرة لما له من تأثيرات عديدة على تعادلها.
أمّا تأوّه الاب من الفقر أمام الطفل فإنّه يحطّ من شخصيته ويمهد لانحراف الطفل نفسه.
وفي نفس الوقت ينبغي أن لا تؤدي الحالة الاقتصادية الجيدة للأسرة إلى إيجاد عادات قبيحة لدى الاطفال.
ولا بدّ من مراعاة حدّ الاعتدال دائماً سواء في الفقر أو في الغنى, وأن يمنع الطفل من الاسراف والتبذير, ويطلب منه- على سبيل المثال- أن يحتفظ بنصف التفاحة بعد أن يتناول نصفها الاخر ولا يرميه بعيداً بل يأكله بعد فترة.
الانفاق :
حري بالاب أن يعلم ولده منذ الطفولة على الانفاق. وقد ورد في بعض الاحاديث الشريفة أنه إذا نويت أن تعطي الفقير شيئاً فسلّم ذلك إلى الطفل حتى يقدمه له .
إن تربية الطفل على هذه الخصلة يجب أن تكون صحيحة بحيث لا يصحب الانفاق منّاً . وعليه أن يدرك بأنّه عضو في المجتمع الانساني, وأن شكر الخالق على الثروة إنفاقها على الفقراء ومساعدتهم.
كما يجب على الاسرة أن تراعي في محيطها موضوع مساعدة الفقراء والاحسان إليهم وبذل الجهد من أجل إصلاح أمورهم. ويمكن للجميع أن يتحلّوا بهذه الصفات حسب استطاعتهم ومهما بلغت الحالة الاقتصادية.