الاب والعنف
الكاتب:الدكتور علي القائمي
موضوع العنف:
يتناول علماء التربية والنفس والاخلاق كثيراً, موضوعي اللين والعنف في بحوثهم. وإن ما يمكننا أن نطرحه في موضوع التربية هو قدرة المربين في القضاء على الانحرافات والاضطرابات وبناء الاطفال الفوضويين والسيئين من خلال تعاملهم اللّين وتحليهم بالصفح في نفس الوقت. فالعنف حتى لو كان مؤثرا فإن نتائجه لا تكون جذريه ودائمية أبداً.
وتظهر- مع الاسف- بعض الحالات في موضوع التربية الاولاد التي يلجأ فيها الاباء والامهات إلى استخدام العنف مما يؤدي إلى ظهور نتائج لا تحمد عقباها. فقد يستهدفون من العنف أحياناً- ولو ظاهرياً- أن يقوم بعملية البناء وتربية الولد, لكنهم غافلون عن تأثيراته السيئة التي تهدد أحياناً النتائج الايجابية للتربية السابقة.
فلو كانت القسوة هي الاساس لما كانت هناك أية حاجة لهذه الوصايا العديدة والنصائح التي أطلقها الانبياء الالهيون والمربون وتوبيخهم المستمر لاستخدام العنف.
أسباب العنف وعلله:
لماذا يلجأ بعض الاباء إلى العنف في العملية التربوية؟ ومن الطبيعي إنه توجد أجوبة عديدة, لكننا سنشير فيما يلي إلى بعض منها:
1- الامراض الجسمية والنفسية التي يصاب بها الاباء فتكون سبباً لظهور العديد من الانحرافات والاضطرابات. فنراهم يملكون أعصاباً ضعيفة ونفوساً مريضة تدفعهم لممارسة العنف.
2- الالحاح الشديد على موضوع تربية الطفل لينشأ مؤدباً, فيعتقد الاب بأن العنف هو أفضل طريق لتحقيق هذا الهدف.
3- قد يمثّل العنف انعكاسا لمرحلة الطفولة التي مرّ بها الاب, وخاصة بالنسبة لأولئك الاباء الذين عانوا كثيراً في طفولتهم وعاشوا حياة قاسية ولم يتلقوا ذلك الحب والحنان الكافي من آبائهم.
4- بذل الجهد من أجل القضاء حالا وفوراً على عناد الطفل أو ما تعتريه من مشاكل أخرى, مما يؤدي هذا العمل إلى تجاهل الاساليب الصحيحة في التربية.
5- قيام الاب بنقل المشاكل الخارجية التي تواجهه إلى داخل البيت بسبب عدم امتلاكه القدرة على حلّها, فنراه ينتقم من أولاده ويشفي غليله فيهم.
6- السخط على الحياة الاسرية وعدم الرضا بها, خاصة عند ظهور الاختلافات مع الزوجة, فتؤثر على الاولاد أيضاً.
وثمة أساليب أخرى عديدة, الا أننا نؤكد وبشكل عام على أنّه ليس صحيحاً أن يفرّط الاب بحياته وأولاده ويقف بوجه نموّهم وتكاملهم من أجل أن يمارس سلطته أو بسبب عناده وما عاناه في صغره, بل عليه أن يمتنع عن هذه الاساليب ويفكّر بطرق نافعة ومفيدة.
تأثيرات العنف على الطفل:
يمثّل استخدام الاب للعنف مع ولده خطأً كبيراً بسبب الاعراض السيئة التي يتركها على الطفل, وسوف نشير فيما يلي إلى بعضٍ منها:
1- الفشل والاستسلام: إنكم ومن خلال استخدامكم للعنف تضطرون الطفل إلى الشعور بالفشل والاستسلام . فهو سيفقد شعوره بالفخر وإحساسه بالاقتدار مما يضطره ذلك للاستسلام لكم كالاعمى .
وفي النتيجة إنه سوف لا يكون قادراً على الدفاع عن نفسه أبداً.
فالاثار السيئة للعنف هي أكثر بدرجات من تلك التأثيرات السلبية التي يتركها الاباء الذين لا يشعرون بمسؤولياتهم ولا يلتزمون بوظائفهم. لأن الطفل يلجأ, وبسبب العنف, إلى ممارسة نشاطاته بسريّة ولا يطلب العون من والده أبداً ولا يلجأ إليه لشعوره بأنّ والده قادر على الانتقام منه متى ما يشاء. وتكون النتيجة أن يصبح معقداً في حال ضعفه وعنيفاً ومستبداً فيما لو تمكّن من ممارسة نفوذه.
2- البحث عن الملاذ: يبحث الاطفال الهاربون من عنف الاب عن ملاذ لهم يحميهم ويقيهم من الاخطار. وقد يؤدي بهم الامر أحياناً إلى التشرد ومرافقة الفاسدين والمنحرفين, مما يكون بدوره سبباً لظهور العديد من المفاسد الاخرى.
أما لو لم تظهر هذه الحالة لواجهتهم مشكلة أخرى وهي لجوءهم بشكل لا إرادي إلى الام بسبب عنف الاب وقسوته, إذ أنّ الاب سيخسر أطفاله في هذه الحالة, وستظهر عندهم بعض الاضطرابات السلوكية, فيرتبط الاطفال بامّهم بشدّّّّّّة ويشعرون بحاجة ماسّة إلى حبّها.
وتكون النتيجة أن تظهر عليهم بعض العادات الانثوية فنراهم يحاكون أمّهم ويسيئون الظن بأبيهم ولا يهتمون بسلوكه.
3- الهروب: هل فكرتم لماذا يهرب الطفل من البيت؟
لقد أظهرت البحوث العلمية أن سبب هروب الاحداث والاطفال الصغار أحياناً من البيت, إنما يرتبط بقسوة الاب أو زوج الام أو زوجة الاب, والضغوطات التي يمارسونها والعقاب الشديد الذي يستخدمونه والانتقاد المستمر للطفل والاتهامات المتعددة التي يوجهونها إليه, وعدم الاكتراث به وبأعماله وترك مراقبته وشعوره (أي الطفل) بالاحباط والخوف والحرمان وغير ذلك من الاسباب الاخرى.
لذا فإن الاباء يوفرون الاجواء الملائمة لظهور هذه الحالات عند الطفل من خلال استخدامهم للقسوة والعنف فيتسببون في انحرافه وفساده.
فهل تدرون أيّها الاباء, من هم الذين سيلجأ إليهم الطفل فيما لو هرب منكم وابتعد عنكم؟ وهل تثقون بهم وتعتمدون عليهم ؟
4- تجرؤ الطفل على والده: عندما ينفذ صبر الطفل بسبب عنف أبيه وقسوته فإنّه سيتجرّأ عليه, وقد تبرز هذه الجرأة في مرحلة الطفولة فتقفون بوجهها- أي الجرأة- من خلال عدة صفعات, غير أنّ الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد.
ولو افترضنا إنكم نجحتم في أسلوبكم هذا مع الطفل الصغير, فهل يمكنكم استخدامه مع الحدث والشاب أيضاً؟
لقد أثبتت التجارب أن الغالبية منهم يقفون بوجه آبائهم ويقاومونهم مما سيكون سبباً لأن تفقد قدرة الاب معناها الحقيقي.
ويبرز الخطر عندما يتمكن الولد لمرّة واحدة النيل منكم وتحطيم شخصيتكم إذ سيضعف موقفكم كثيراً.
ولو افترضنا إنكم تمكنتم من الانتصار عليه وتحطيم كبريائه, ولم يقف بوجهكم, أو يقاومكم الا أن العاقبة ستكون امتلاء الولد بالحقد والغضب وسوء الظن بكم, إضافة إلى صفات سلبية أخرى.
5- التوغل في الشرّ: من أعراض استخدام العنف مع الطفل أو الحدث هو أنه سيندفع لممارسة الشر والتوغل فيه والاعتداء على الاخرين, وأن يكون مستبداً وسيئاً في حياته المستقبلية.
إذ لا يمكن أن نعتبر الضرب والالام التي يتعرّض لها الطفل بأنها أمر عادي فلا نعترض عليه, بل سيكون لها تأثيرات عميقة تهدد حياته الفردية والاجتماعية في الحال والمستقبل.
نعم, لقد أثبتت الدراسات إن استخدام القسوة والعنف يؤدي إلى إيجاد ردود فعل اجتماعية حيث تظهر المشاكل والصعوبات لأبناء المجتمع, وإن مثل هؤلاء الاباء إنما يظلمون مجتمعاتهم أيضاً ويعرّضون أمنها للخطر, إضافة إلى ظلمهم وأولادهم.
6- التأثير على السلوك: يؤثر العنف على السلوك أيضاً, ولا يعلم أحدٌ الا الخالق جلّ وعلا بتلك التصورات التي سيحملها الطفل عنكم في ذهنه ونفسه ومخيلته بسبب قسوتكم وعنفكم.
ومن عادة الاولاد إنهم يلجئون إلى القياس كثيراً وإن الاب هو أحد موارده, فنراهم يقيسون بينه وبين الاباء الاخرين, ويحددون مكانته وسلوكه وفق هذا القياس, ويشعرون- لا إرادياً- بالحقد عليه ويلجئون إلى الانتقام منه.
ولأنهم لا يتمكنون من عملية الانتقام فهم يتخذون سلوكاً مختلفاً يمثّل بحد ذاته خطراً كبيراً يهدد حياتهم المستقبلية.
ويطغى السلوك الانفعالي على الحياة العادية لهؤلاء الاشخاص, إذ نراهم يغضبون لأدنى مواجهة ويلجئون إلى أسلوب الاهانة والتحقير والعنف والمواجهة الشديدة في تصرفاتهم.
وقد أظهرت التجارب والدراسات أنهم يصابون بظاهرة الانفصام في الشخصية أو السلوك عادة.
7- حدوث الهوّة: يعتقد الاطفال الذي يشملهم عنف الاب بنتيجة مفادها أنه ينبغي عدم الاقتراب من هذا الاب والابتعاد عنه قدر الامكان لاتقاء شرّه, ولا يشعرون بأية عاطفة نحوه ويتمنون أن لا يعود إلى البيت أو يكونوا نياماً عندما يعود, وإنّه لمخجل جداً أن يحمل الطفل مثل هذه الرغبات والامنيات في ذهنه.
نتيجة عامة: والخلاصة, لا بدّ أن نصل إلى هذه النتيجة, وهي أنّ العنف عمل مرفوض ولا يمكنه أن يحقق شيئاً من الناحية التربوية خاصة على المدى البعيد . وسوف تزداد الهوّة كلما ازداد العنف.
ويؤدي العنف الشديد إلى حدوث انفجار يسعى الطفل للابتعاد عنه لشعوره بأنه يهدد حياته.
ولو كان الاب عنيفاً وذا سلوك اجتماعي منحرف, أو لا يقدر على ضبط نفسه وكبح جماحه فإنه سيلقن أولاده درساً سيئاً حيث يدفعهم ليكونوا منحطين وأشراراً.
وإضافة إلى ما ذكرناه فإن سلوك الاب هذا يؤدي بالولد الى أن يعصيه ويتجرّأ عليه ويمارس أعمالا قبيحة أخرى. ولو كانت الام خبيرة وواعية لدورها ووظيفتها لتمكّنت من الوقوف إلى حدّ كبير أمام انحراف الطفل والا لكان الدمار والخراب هو المستقبل الذي ينتظر هذا الطفل.