توفير الحاجات

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

الإنسان والحاجة :

يحتاج الإنسان إلى أمور عديدة وكثيرة ويرتبط كدحه وتحركه وحياته ومماته بهذه الحاجات . فهو محتاج في كل لحظة من لحظات حياته, وإنّه سيموت حتماً فيما لو توقفت دقات قلبه للحظات قليلة أو بقي الزفير في رئتيه ثوان ولم يفرغها عنه .

والإنسان كائن فقير أيضاً, فمن يستطيع أن يقول أنه لا يحتاج إلى المأكل والملبس والمسكن أو أنه قادر على العيش بدون هذه الأمور أو إنّه قادر على توفيرها بمفرده؟ فالإنسان مرتبط بحاجاته ولا يمكن الفصل بينه وبينها أبداً.

وتتفاوت الحاجات بموجب الإعمال المختلفة وينبغي على المربي أن يتعرف عليها وعلى حدودها وكيفيتهما وأن يوفرها للأطفال حسب أعمالهم ومستوياتهم . وهذا موضوع مهم للغاية لارتباطه بشخصية الطفل وسلامته جسمياً ونفسياً.

 

أنواع الحاجات:

تتنوع الحاجات وتتعدد ولا يمكننا عدّها وإحصاءها في هذه السطور القليلة وبحث كل واحدة منها بشكل منفصل. وسوف نشير فيما يلي إلى تقسيم عام لهذه الحاجات وفق التسلسل التالي:

1-  الحاجات الحياتية- الجسمية: وتشمل الحاجة إلى الطعام والنوم والاستراحة والملبس واللعب والحركة والنظافة والسكن والعمل واكتساب والتجارب والخبرات وغير ذلك.

2-  الحاجات العاطفية: وتشمل الحاجة إلى الحب والاحترام والتكريم والإشادة والمواساة والتودد والاهتمام والبكاء والحزن والسرور والنشاط.

3-  الحاجات النفسية: وتشمل الحاجة إلى الدعم والأمان والنجاح وإبراز الذات وعزة النفس والثقة بالنفس وحب التطلع والحاجة إلى الصحة النفسية .

4-  الحاجات الاجتماعية : وتشمل الحاجة إلى الارتباط والمعاشرة والصداقة والمشاركة في الحياة الاجتماعية والتقليد. وكذلك الحاجة إلى القانون والنظم والأدب والأخلاق.

5-  الحاجة إلى البناء الرشد: وتشمل الحاجة إلى الذات والوعي والهدفية والدعاء والتضرّع والعدل والاستقلال والحرية والبناء والتكامل والدفاع .

وثمة حاجات أخرى تخص الأطفال المصابين بالعاهات والمتخلفين عقلياً كحاجة اليتيم والمعلول والمتخلّف عقلياً والأطفال ذوي الذكاء الخارق وغيرهم .

 

دور الأب في توفير الحاجات :

تقع على عاتق الأب مسؤولية توفير معاش الأسرة وهو المتكفّل برزقها . وفي مجال توفير الحاجات الأخرى فإمّا أن يكون الأب هو السبب المباشر في توفيرها أو أنّ يوفر الأجواء الملائمة حتى يقوم الأطفال وبقية أفراد الأسرة بتوفير حاجاتهم .

وتقع المسؤولية في جميع هذه الأحوال على الأب . ويحتاج أفراد الأسرة إلى مساعدته ودعمه, ويجب أن يكون ملاذهم ومرشدهم نحو حياة آمنة وسعيدة .

فالأب سيد الأسرة ومديرها, والمدبّر في نفس الوقت, ويمكنه أن يوفر سعادة الجميع وراحتهم من خلال استخدام عقله وثقافته وتسخير كافة الإمكانات المطلوبة لتحقيق هذا الغرض, وسوف يشعر الطفل باليأس فيما لو تقرر مقارنة والده مع بقية الإباء فوجده متقاعساً ولا مبالياً. إذ سيسيطر عليه الغم والحزن.

ولا يفوتنا أن نشير إلى إلام أيضاً ودورها في توفير حاجات الطفل خاصة في المجال العاطفي لاعتماده الكبير عليها, لكن الدور الكبير والنهائي هو للأب, وإن الأطفال ينظرون إليه نظرات يعتبرونه فيها السبب دائماً في حدوث أية مشكلة أو ظهور أي نقص.

 

جهود الأب في توفير الحاجات:

وهكذا نرى أن الأطفال ينتظرون من الأب توفير حاجاتهم وتأمينها على أحسن وجه. ويعتمد تقييم الطفل لأبيه على قدرته في توفير تلك الحاجات . ويعتمد تقييم الطفل لأبيه على قدرته في توفير تلك الحاجات . وغالباً ما يلجأ إلى المقارنة بينه وبين الآخرين طبقاً للجهود التي يبذلها, ويحاول الاستفسار من هذا وذاك كي تكتمل عملية المقارنة .

يجب على الأب أن يوفّر الحياة المعاشية لأسرته وأن لا يتوانى في هذا الطريق (لا تكسلوا في طلب معايشكم فإن آباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها) . إنه مسؤول عن شراء الفاكهة لعائلة (ولا تكون فاكهة إلا أطعم عياله منها).  ولا بدّ أن يوسع على عياله حتى ينال رضا الله ( أرضاكم عند الله أوسعكم على عياله) . ولهذه التوسعة فائدة نفسية وهي أن يدعى له بطول العمر ولا يتمنون موته ( ينبغي للرجل أن يوسع على عياله حتى لا يتمنوا موته) .

وبشكل عام, يجب على الأب أن يوفّر حاجات ولده خطوة فخطوة, يرافقه ويعينه حتى يتمكن من الوقوف على قدميه وتوفير حاجاته بنفسه, وسوف يشعر الطفل باليأس الذي سيدفعه إلى ملاذ آخر بمجرد أن يشاهد تكاسل الأب وعدم اهتمامه بتوفير حاجاته . وفي هذه الحالة سيكون الأب سيكون الأب هو المسؤول عن العواقب الخطيرة لهذا التصرّف .

 

قيمة سعي الأب وجهاده :

تمثل جهود الأب التي يبذلها من أجل توفير حاجات عياله واجباً دينياً وأخلاقياً أيضاً. فالأب- إسلامياً- مدين لأطفاله وأهل بيته, ولهم حقوق عليه من خلال موافقته وإذعانه لعملية الزواج وفق العقد الإسلامي والرضا بالإنجاب وما سيترتب عليه من الضوابط .

أمّا من الناحية الأخلاقية, فالأطفال كالضيوف الذين دعوا إلى مأدبتكم في البيت . وكان يمكنكم عدم إنجابهم أو بالأحرى عدم دعوتهم لهذه المائدة . وألان يجب عليكم أن تهتموا بهم وتؤدوا وظيفتكم على أحسن ما يرام .

ولم يترك الإسلام هذه الجهود دون أجر وثواب رغم إنّها واجبة دينياً وأخلاقياً. فقد جاء عن رسول الله (ص) قوله: " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله, وهذه سعادة ما فوقها سعادة, أن يقوم ذلك الإنسان والأب الذي يقف إلى جوار ولده بتوفير حاجاته حتى يتمكن هذا الولد من رفع رأسه والعيش بعزّة وكرامة .

 

مخاطر عدم الإشباع أو النقص فيه :

لا بدّ من إشباع الحاجات بشكل متعادل وعقلاني, وإلا فإن المخاطر ستهدد العلاقة القائمة بين الأب وولده, فقد يصاب الطفل بصدمة تؤثر على سلامته ونموّه الجسدي والعاطفي والأخلاقي والاجتماعي بل وحتى العقائدي, وستضعف تلك العلاقة القائمة بين الأب والولد وذلك متى ما شعر الأخير باليأس من والده, وسوف يسيطر الحزن والغم على هذا الطفل عندما تتزلزل مكانة الأب ويضعف موقعه ودوره, ويؤدي به ذلك أحياناً إلى الانفصال عنه والارتباط بالآخرين.

إن الافتقار إلى المأكل والملبس المناسب- يؤدي إلى الشعور بعقدة الحقارة لدى الطفل وظهور اضطرابات نفسية عديدة لا تزول بسهولة. وإن شعور الطفل بالعداء للآخرين- وحتى إنّه يعادي حياته الخاصة ويكرهها- يرتبط بتأثره وتألمه بسبب شعوره بالحرمان من بعض الحاجات أو إنها قليلة. والسبب ذلك هو تصوّر الطفل بأن الخطر يهدد حياته وأمنه.

على الأب أن يستخدم مع ولده سياسة معينة تمنع ذلك الإحساس

عنده, وذلك عندما لم يتمكن من توفير حاجاته . ويمكن إقناع الأطفال بطرق مختلفة كتغيير بعض الحاجات وتبديل مواقعها, فمثلاً يستطيع الأب أن يقبّل ولده فيما لو لم يكن قادراً على شراء حذاء له .

فليجهد الإباء في توفير الحب والعطف للأطفال على الأقل أو زراعة الأمل في قلوبهم من خلال تقديم الوعود .

 

عالم ما بعد الموت :

تؤكد الوصايا الإسلامية أن على الإنسان أن لا يحرص على جمع المال والثروة وعليه أن يفكّر بالحساب الذي ينتظره في العالم الأخر.

ومطلوب منا أن ننفق الفائض من أموالنا لإسعاد الآخرين وحلّ مشاكلهم . لكن الروايات والأحاديث تؤكّد في نفس الوقت على التفكير والاهتمام ضمن الحد المتعارف عليه بمستقبل أولادنا, والأخذ بعين الاعتبار حياة الفقر ومشاكلها التي قد تواجه هؤلاء الأولاد في المستقبل . فليس صحيحاً أن يكون الإنسان بخيلاً فيقبض يديه حتى في أشدّ الظروف صعوبة, أو يبقى أولاده منذ اللحظة التي يموت فيها بلا مأوى ومعيل فيضطرون لمدّ يد الحاجة والعوز إلى الآخرين .

لقد توفّي في عهد رسول الله (ص) رجل من الأنصار وكان غنياً وثرياً جدا, وقد أوقف في حياته كلّ ما يملكه من المال والثروة لتنفق في سبيل الله, فاضطر أولاده لمدّ يد العوز إلى الآخرين لتمشية أمورهم . ولما سأل رسول الله (ص) عن سبب مدّ الأولاد يد العوز وعرف السبب قال (ص) : " لو كنت أعلم بهذا لما سمحت بدفنه في مقبرة المسلمين, فلماذا لم يفكّر بأولاده؟

 

ثقل المسؤولية :

إن مسؤولية الأب ثقيلة جداً, وهو المسؤول عن ما تحتاج إليه الأسرة, ويجب عليه اتخاذ التدابير اللازمة لكيلا يضطر أولاده إلى اللجوء إلى الآخرين والانفصال عن أسرتهم .

كما أن الاهتمام بالأولاد وتوفير حاجاتهم هي مسؤولية الأب وواجب ملقى على عاتقه وليس ترحّماً أو تفضّلاً منه . إنه مسؤول أمام خالقه وسيحاسبه حساباً عسيراً على تفريطه وتقصيره .

فالأب الذي يمتلك قابلية التوسيع على عياله ويمكنه أن يرفع خطوة على هذا الطريق لكنه لا يفعل ذلك يعتبر خائناً في ميزان الخالق جل وعلا ولا يمكن أن يعفو عنه أبداً.