الاب والغفلة

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

ضرورة الحذر:

يمكن أن نصف التربية عملية إرادة ولا تتم الا من خلال حذر المربي ووعيه.

فما أكثر العوائل التي تؤثر على العملية التربوية فتفسدها, وتكمن في طريقها مخاطر عديدة تهددنا وتنفذ إلى نفوسنا وتستقر فيها فيما لو لم نهتمّ بهذا الموضوع.

ويمكن لهذه الاعراض والمخاطر أن تهدد أطفالنا أيضاً, مما ينبغي أن يحذرها الاباء والاولاد دائماً, ولا يقتصر هذا الحذر على مرحلة الطفولة فحسب بل إنه يهدد الاحداث والبالغين والشباب أيضاً مع اختلاف واحد وهو أن لكل مرحلة خصوصيات معينة واهتمامات خاصة بها.

ولو كان الاساس متيناً في مرحلة الطفولة لكانت مشاكلنا قليلة جداً مع الاحداث والبالغين. وقد وصف علماء النفس التربويون السنوات الاولى من حياة الطفل بأنّها مهمة ومصيرية ويعتقدون بأن ما يقدّم للطفل في سنوات طفولته المبكرة سينعكس على طول حياته تقريباً.

 

القصور والتقصير:

تكمن صعوبة التربية في القصور والتقصير الذي يواجهنا مما يضطرنا لتحمل أعباءه, دون أن نتوقّع ذلك. ويمكننا أن نشير في هذا المجال إلى عدم وعي الاب بفنون التربية وجهله وضيق افقه أو إفراط في التفاؤل.

فهو لا يريد الاضرار بولده لكن مشكلته تكمن في جهله وكسله واهتمامه بالمظاهر من الامور فقط. إنه لا يدرك الزمن الذي يعيشه والمشاكل التي تواجهه, والوظائف التربوية التي تقع على عاتقه والمحاذير التي ينبغي الالتفات إليها.

وفي مجال التقصير فإن بعض الاباء يلجئون أحياناً إلى التشاغل ليمارسوا حريتهم المطلقة فلا يراقبونهم أبداً. أو أنّهم يضيّقون عليهم بشدة. مما يكون سبباً لفسادهم وانحرافهم.

 

حدود الغفلة:

لا بدّ أن ندرك ما هي حدود الغفلة وجوانبها المختلفة الا أننا سنشير فيما يلي إلى بعض النماذج بهذا الخصوص.

1-  في التربية: يمكن أن نشاهد في وجوه بعض الاطفال آثاراً لعدم كفاءة الاب في التربية أو الافراط في التسامح. وثمة آثار عديدة وأعراض مؤلمة تبدو على الطفل وتصيب أسرته أيضاً بسبب الغفلة في التربية, فتؤدي إلى شعور الوالدين- وخاصة الاباء- بالندم والخجل في آن واحد.

ويمكننا أن نصف الذين يغفلون عن تربية أولادهم بأنّهم اناس مذنبون. وسوف تنعكس نتائج تصرفهم هذا, ويشاهدون آثاره في كبرهم وشيخوختهم فيندبون حظهم لما ألّم بهم وبأولادهم.

كما يجب الاشارة إلى ذلك الاب الذي يتماهل في تربية أولاده, فنراه مثلاً يهتم بملبسهم ومأكلهم لكنه لا يكترث بمعنوياتهم وأخلاقهم مما يؤدي إلى ظهور العديد من الانحرافات.

2-  في التعليم: إذ تؤدي الغفلة في التعليم إلى ظهور عدة مشاكل وسوف يواجه الاب مشاكل جمة خاصة لو غفل عن تعليم ولده الدين والاخلاق.

ولا بدّ أن يتعرّف الطفل من صغره على مواضيع الدين والاخلاق لكي لا يلجأ إلى الانحراف الفكري أو العلمي. فكلنا يعرف أشخاصاً ابتلوا بالغفلة في صغرهم ولم يحصلوا على الوعي المطلوب فظلّوا مصابين بأعراض تلك الغفلة في كبرهم.

إن هؤلاء لم يحصلوا على المعرفة الضرورية من الاسرة فانحرفوا فكرياً أوانهم سقطوا في وادي الانحراف والضلال. ثم حملوا أفكاراً لا يتوقعها الوالدان أبداً, ومارسوا ميولاً لم يرغب به الوالدان مطلقاً.

3-  في القبول والحب: إنّ من الخطأ أن لا يقبل بعض الاباء بأولادهم ولا يهتمّوا بهم كما يليق بشأنهم فيقصرون في حبّهم وإبداء عطفهم.

وقد يرتبط سبب عدم القبول بجنس المولود أو جماله وقبحه أو بعاهة في جسمه أحياناً أو أخلاقه وأدبه.

إذ أنّ عدم قبول الطفل يمهّد الاجواء لظهور العديد من الاضطرابات والشعور بفقدان الملاذ والملجأ. وسوف يندفع ذاتياً فيما بعد لممارسة مختلف أنواع المفاسد, والبحث عن ملاذ آخر ورفيق وأنيس جديد.

وثمة مشاكل في الحب أيضاً, إذ أن الطفل الذي لا ينال حبّاً كافياً سيبحث عن المحبة ويكون مؤهلاً للانحراف, وقد أظهرت التجارب أن الحرمان من الحب يؤثر على النمو الاخلاقي والاجتماعي والنفسي للطفل بل وحتى على نموّه الجسمي ونطقه ودراسته.

4-  في التعامل ووضع الفروق: قلنا إن الاب يعتبر مثالا للعدل والقانون والانضباط, ويتوقع الطفل منه العطف والمداراة والانصاف.

وإنّه لمن غير الصحيح أن لا يهتمّ الاب بالعدالة في تصرفاته, فيضع فروقاً بين أولاده.

إنّ الولد سواء كان ذكراً أو أنثى لا يمكنه أن يرضى بعدم اهتمامكم به ورفضكم له وإهانته وتحقيره بسبب جنسه. وثمة عواقب وخيمة ونتائج خطيرة لهذا الاجراء تنعكس على الطفل الذي سيتعلم منكم دروساً سيئة قد يشعر الطفل الذي يتعرّض إلى التمييز بالخوف من الحياة, ويتعرّض إلى مشاكل عديدة من أجل أن ينال احترامه ويشعر بالامن. أو أنّ تواجهه صعوبات جمة في المستقبل عندما يقوم بدوره كأبٍ أو أم.

5-  في ممارسة الانضباط: يتساهل بعض الاباء جداً بموضوع الانضباط ويتشدد البعض الاخر بنفس الموضوع. لكنّ هاتين الحالتين تؤديان إلى ظهور العديد من الاضطرابات السلوكية والخلقية عند الاولاد.

فالنمط الاول من الاولاد نراهم متحللين من كل شيء فهم يمارسون الانحراف ويفضحون أسرهم. أما النمط الثاني والذي يعيش تحت رحمة استبداد الاب وسطوته فنراه يهرب من والده ويسعى للاختفاء مما يكون بحدّ ذاته سبباً للابتعاد عنه.

لا بدّ للبيت أن يكون مركزاً للأمن ومركزاً للانضباط أيضاً. وسوف يلجأ الاطفال إلى ممارسة أعمالهم بسريّة إذا ازدادت الضغوط عليهم مما يجعل عاقبة هذا الامر هو المزيد من الانحرافات والمفاسد التي تكون خافية عنكم وأنتم في غفلة عنها.

أما لو لم يمارس الانضباط بالمقدار الكافي لأدّى ذلك إلى ظهور العديد من الاضطرابات الاخرى.

6-  في الاهتمامات: لا بدّ من مراقبة الطفل والاهتمام به لكي لا يمارس سلوكاً سيئاً يؤثر عليه أولاً وعلى الاخرين ثانياً. وهذا الاهتمام هو من حق الطفل ومسؤولية الوالدين أيضاً وخاصة الطفل.

وثمة اهتمامات عديدة يمكن أن نشير إلى بعض منها كالاهتمام بذهاب الطفل وإيابه ومأكله وكلامه وآرائه ونومه واستراحته ومعاشرته وعلاقاته وغير ذلك. وإنّه لتصوّر خاطئ أن يترك الطفل وشأنه في جميع هذه الامور.

فالطفل كالنبتة الصغيرة التي يجب الاعتناء بها وإزالة الاعشاب الضارة من حولها وقطع الاغصان الزائدة منها لكي تنمو بسهولة, والا لتضرر الطفل ووصلت أضراره إلى الاخرين أيضاً لأنّه لا يعي مصلحته ولا يمكنه أن يفرق بين ما ينفعه وما يضرّه.

 

أسباب الغفلة:

لماذا لا يهتم بعض الاباء بتربية أولادهم؟ ولماذا لا يستيقظون من نوم الغفلة إزاء هذا الامر المهم والخطير؟

لقد ذكروا أسباباً عديدة لذلك لكننا سنشير فيما يلي إلى بعضٍ منها:

      قد يكون الاب ضعيف الارادة أو مصاباً بمرضٍ أخلاقي أو جسدي.

      لا يعتبر الاب موضوع التربية مهماً, بل يفكّر بأنّه سيقدم على هذا العمل في المستقبل.

      قد يحمل الاب- بنفسه- أخلاقاً فاسدة, ويتصف بالتحلل مما لا يؤثر على كلامه في طفله.

      أن تكون له مشاغل كثيرة فلا يتمكن من تربية أولاده.

      يغيب كثيراً عن البيت فلا يستطيع الاهتمام بهذا الموضوع.

      قد يكون كسولاً فيفتقر إلى الهمّة في هذا المجال.

 

تأثيرات الغفلة:

مهما كانت أسباب غفلة الاب عن تربية أولاده, الا أنّها تؤدي على ظهور العديد من المفاسد والانحرافات فتتعقد العملية التربوية.

وقد تكون لهذه الغفلة أحياناً من الاضرار ما ينعكس على الولد والعباد والبلاد فلا يمكن إزالتها.

ومن آثارها أيضاً التيه والتشرد والانحراف حيث يسقط الاولاد في مستنقع الاجرام والرذيلة.

ماذا تنتظرون من ذلك الطفل الذي لا يضع حدوداً لذهابه وإيابه؟ وكيف ستكون عاقبة الحدث الذي يعاشر من يشاء؟

لو قرر الاب أن لا يمارس أبوّته بشأن ولده لبقي الولد طفلاً دون أن يكبر.إذ سيهدد ذلك بناءه العقلي والفكري وشرفه الخلقي.

وثمة تحذير أخير إلى الاباء الملتزمين وهو أنّ هذا الاجراء قد يجرّ أولادكم أحياناً إلى دور التأديب.