إدارة الحياة الأسرية
الكاتب:الدكتور علي القائمي
الحاجة إلى النظام :
تحتاج المؤسسات المختلفة إلى نظام وقانون خاص تدبر بواسطته نفسها من خلال التزام جميع الإفراد بهذا القانون بشكل أو بآخر . ويعي جميع الإفراد مسؤولياتهم طبقاً لهذا القانون أيضاً ويقدمون على أحسن وجه .
ويتفاوت هذا النظام طبقاً للمجتمعات المختلفة . ونحن- كمسلمين- نعلم جيداً ما هي الحدود والأدوار التي رسمها القرآن الكريم وحددتها السنة النبوية الشريفة للوالدين والأولاد.
وحدد الإسلام القاعدة التي يجب أن يقوم عليها بناء العائلة وأشار بوضوح إلى دور الرجل والمرأة والمسؤوليات الملقاة على عاتقهما في الأسرة الواحدة . كما حدد أيضاً حقوق جميع أفراد الأسرة الواحدة . وسوف نشير إلى بعض منها في السطور القادمة إن شاء الله . والشيء المهم هو ضرورة قيام الأب بإطلاع أفراد أسرته على الوصايا والتعاليم وحثّهم على رعايتها.
قيادة الأب:
تحتاج الأسرة- عقلياً- إلى قائد وحاكم ينفّذ القوانين ويحمي مصالحها ويفرض سيطرته عليها . ولا يصلح لهذه المهمة سوى الأب, (فالرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها) رسول الله (ص) .
فالأب هو أفضل ملاذ للطفل وهو الذي يتخذ القرارات ويقوم بالتوحيد والبناء والتنفيذ, إنه ملجأ لأفراد أسرته و المسؤول عن الإنفاق والمشرف على التزامها, والعقل المفكر للأسرة وقوتها واقتدارها, وهو الذي يوفر لها الأمن .
ينظر الأطفال إلى الأب نظرة لاشعورية أنه يمثل القانون وأنه سبب اقتدارهم, وذلك دون أن يتدخل الآخرون في تحقيق هذه النظرة. كما وينظرون إليه أيضاً على أنه المرشد والحامي والمراقب, وأنّه مصدر الخوف والغضب, و الأمن والحب في نفس الوقت .
الخطوط العامة لقيادته :
ثمة وظائف أساسية ينبغي على القائد الأب الاهتمام بها وأداؤها علماً أن هذه الوظائف تختلف باختلاف طبقات المجتمع الواحد والمجتمعات الأخرى :
1- البناء الفكري: فالأب هو العنصر الذي يضع أسس البناء الفكري للأسرة ويحدد نظام القيم الذي يتحكم بالإفراد . وقد يكون للأم رأي في هذا المجال أيضاً, وعندها لا بدّ من الدمج بين الرأيين .
ويمثل الأب في الحقيقة القائد الديني للأسرة, وقد أكّد الإسلام كثيراً على هذا الأمر, فهو الذي يبني القاعدة المعنوية و الأخلاقية للأسرة ويشرف على المسائل الدينية و الاعتقادية . وهو الذي يأمر أبناءه بالصلاة "وأمر أهل بالصلاة ..." والصدق والتضحية والفداء, ويشرف كذلك على زوجته وأولاده ويوجههم نحو الطريق القويم. وما المواقف التي يتخذها الأولاد إزاء الحوادث والوقائع المختلفة إلا انعكاس لهداية الأب وتوجيهاته.
2- تنظيم الوظائف وتقسيمها: يتبنى الأب في محيط أسرته عملية تنظيم مختلف الأمور . فهو يحدد برنامج النوم واليقظة, وتناول الطعام واللعب, والسفر والاستجمام, وهو الذي يرسم- مسؤوليات أفراد الأسرة في البيت, و المسؤول عن المشتريات, والذي يجلب الطعام, ويعتني بأساس المنزل وزهور الحديقة وغير ذلك .
ويتحدد اعتبار الأب في جانب منه على ضوء هذا التنظيم وتقسيم الوظائف بحيث لا يسمح لأي فرد أن يتعدى الحدود المرسومة له .
3- تنظيم العلاقات : يقوم الأب بعملية تنظيم للعلاقات وتحديدها. فهو ينظم علاقة الأخ بأخته والكبير بالصغير وعلاقات الأسرة بالأصدقاء و الأقرباء . فهل يحق للأخ أو الأخت الكبيرة الأمر والنهي ؟ وهل تجب لهما الطاعة ؟
كما ويشرف الأب أيضاً على الممارسة الجيدة لهذه العلاقة, ويمنع الأخطاء والتجاوزات سيما قيام أي فرد من أفراد الأسرة بفرض رأيه على الآخرين, أو أن يستغل قوته فيكون عنيفاً مع الضعفاء. عندها سينال جزاءه من الأب الذي يقف بالمرصاد لكل متجاوز .
4- رسم برنامج الحياة : تحتاج كل أسرة إلى برنامج خاص من أجل ثباتها واستقرارها بشرط أن يلتزم جميع أعضاء به. ولا بدّ أن يكون هذا البرنامج بنّاء وهادف لتحقيق مصالح الأسرة الحالية والمستقبلية .
ويجب أن يستخدم الأب تجاربه وعقله ويستعين بخبرات الآخرين في سبيل نجاح هذا البرنامج وتحقيق نتائجه . ولا بدّ أن يشتمل هذا المخطط على كلما تحتاج إليه الأسرة من قضايا التسلية و الأمور الأخرى التي تؤدي إلى بنائها ورشدها وتزرع الألفة والتفاهم بين أفرادها . وينبغي أن يراعي هذا البرنامج السن و الإدراك والفهم والطاقات البدنية .
5- تنظيم الوقت : قلنا سابقاً أنه تقع على الأب مسؤولية كبيرة في تنظيم برنامج أفراد الأسرة . ويحدد الأطفال- خاصة الذين يدرسون في المدارس- أوقات الدراسة واللعب ومصاحبة الأصدقاء .
فالهدف من تنظيم الوقت هو لترتيب الحياة المعيشية للأسرة وبنائها, مما يحتاج إلى سياسة خاصة لكي لا يستثمر الطفل مثلاً جلّ وقته في اللعب واللهو ويترك دراسته, أو أن يتفرّغ بشكل كامل لعملية الدراسة والمطالعة ويترك بناءه الجسمي والنفسي والعاطفي .
6- المراقبة والاهتمام : يعتبر الأب ملاذ الطفل وملجأه . صحيح أن إلام ترغب بإسعاد ولدها ويحق لها ذلك, لكن مسؤولية الهداية والتوجيه فيما لو حدث أي انحراف أو خطأ تقع على الأب .
وسبب هذا الدور هو لمسؤولية الأب في مراقبة الأسرة والاهتمام بها . ويجب عليه أن يدفع عنها الإخطار الجسمية و الأخلاقية والمعنوية . وهذه مسؤولية كبيرة ومهمة في نفس الوقت وتحتاج إلى جهود عظيمة, لا يستطيع تحقيقها إلا الأب رغم صعوبتها .
جاء عن الإمام الصادق (ع) قوله :
لما نزلت هذه الآية:" يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً..."[1].
جلس رجلٌ من المسلمين يبكي وقال : أنا قد عجزت عن نفسي وكلّفت أهلي, فقال رسول الله (ص): حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك .
7- المحافظة على الانضباط : إن الأب هو المسؤول عن التزام الأسرة وانضباطها, ويجب عليه أن يعلّم ولده إطاعة القوانين والالتزام بها . ولا بدّ له أن يتعاون مع زوجته وأن يدعمها من أجل تحقيق الانضباط المطلوب .
وللأم دور مهم في هذا المجال وذلك لتأثير شخصيتها وسجاياها على الأولاد . لكن دور الأب يفوق عدة مرات دور إلام لأنه رب الأسرة وسيدها. ويفهم الإفراد في ظله معنى القانون.
فالطفل ينتظر من أمه الحب والعطف والحنان وينتظر من أبيه تحقيق على العدالة والالتزام بالقانون, وهذا هو السبب في بروز دوره المهم, إذ انه الوحيد القادر على إصلاح طفله ومراقبة تصرفاته.
الهدف من إدارة الأسرة :
فالأب هو سيد الأسرة ولكن لا يعني ذلك أن يمارس رئاسة فقط, أو أن يستغل ذلك لتفريغ عقده, إنه رب الأسرة وسيدها بشرط أن يوجّه الأطفال نحو الرشد والبناء الخلقي والعاطفي والإنساني.
ويجب على الأب أن يوفر الظروف المناسبة التي يحتاجها الطفل لتكامله, وأن يدعم ثقة الطفل بنفسه ويفسح المجال أمام حريته المشروطة ويكشف عن طاقاته الكامنة حتى يتمكن من بناء مستقبله بشكل جيد في ذلك المجتمع .
فعندما يقال إن الولد سر أبيه, فذلك يعني أن يقوم الأب بواجبه في مجال الاهتمام بهذا الطفل وبنائه . وإنها لخيانة أوان يترك الأب ولده أو أن يفرّط ويتسامح في بنائه ورشده في مختلف المجالات .
حتى يحقق الأب وظيفته :
إنّ ممارسة وظيفة الأبوة لهي مسؤولية خطيرة للغاية لحاجتها إلى الوعي والصبر والتضحية . فقد جاء عن الرسول الأكرم (ص) قوله: " الرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم" .
فهو مسؤول عن تحقيق الثقة بين أفراد أسرته ووقايتهم والاهتمام بهم حتى لا ينحرفوا, وتوفير المناخ الملائم للشعور بالاستقلال والحرية ودرء الإخطار عنهم .
وينبغي على الأب أن يفكر بتربية أولاده وهم لا يزالون في رحم إلام حتى لا يشعر هذا المولود الجديد بالتيه بمجرد ولادته فتواجهه المشاكل.
ويجب عليه أن يشعر برغبة وميل شديدين بهذا الشأن ويهيئ نفسه للمرحلة الجديدة التي ستبدأ بعد ولادة الطفل.