الاب وعدم الشعور بالمسؤولية

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

إدارة الاب:

قلنا في مواضيع سابقة أن الاب هو المسؤول عن تحقيق النظم في الاسرة, وإنّ هذه المسؤولية هي من واجبه ومن حق الطفل أيضاً.

وتقع عليه وظيفة هداية الاولاد وإرشادهم وتأمين موجبات نموّهم في جميع الجوانب مما يحتاج إلى اهتمامٍ واسع وحذرٍ كبير.

إن نجابة الاب مهمة وضرورية في نفس الوقت ولكن بشرط أن يكون ليناً ومتسامحاً لا إلى الدرجة التي يستغلها الطفل, أي إنّه ينبغي أن يكون الاب جاداً مع ولده, إضافة إلى علاقته الوثيقة والحميمة معه. لكنّ هذا الكلام لا يعني أن يكون عبوساً دائماً فيمارس سطوته وعنجهيته في البيت.

فالتربية تكون مؤثرة ونافذة متى ما استخدمت القوة إلى جانب اللين في المواقع المناسبة. وان مثل الاب كالطبيب الجراح الذي يستخدم مبضعه ولكنه يداوي الجرح أيضاً ويضع عليه الدواء ليشفى. فنرى الاب يعاقب طفله لكنه يعطف عليه ويحبه في الوقت نفسه, وهذا من الضروريات التربية في الاسرة.

إننا لا نشاهد مثل هذا التعامل في المجتمع أو قلما نشاهده في المدرسة, لأن أساس تعامل الناس معنا يقوم على قاعدة الاخذ والعطاء, فلا يوجد مجال للعاطفة والمداراة لذا سيبقى الناس ناساً والاب أباً.

 

ترك الاب لمسؤوليته :

يحصل أحياناً أن بعض الاباء يفرطون في وظيفتهم الاصلية والاساسية الا وهي تربية الاولاد وتوجيههم فيتركون عملية الاشراف على الطفل. ويبدو للمراقب أنهم لا يمارسون أي دور يذكر مع أولادهم, فلا يأمرونهم مثلاً ولا ينهونهم ولا يهتمون بهم, ويمكننا أن نصفهم بأنّهم لا يشعرون بمسؤوليتهم.

إنهم في وضع فقدوا فيه سلطتهم فأصبح الطفل طليقاً لا توجد أي قوة تقف في وجهه, وطبيعي أن يعمل ما يشاء.

أو قد يصدر الاباء تعليماتهم وأوامرهم غير أنهم لا يطالبون الاولاد بتنفيذها والالتزام بها فيرى الطفل نفسه في حلّ منها. أو نراهم يصدرون القرارات لكنهم يعتبرون أنفسهم غير مسئولين عن متابعته تطبيقها.

ويلجأ هؤلاء الاباء إلى قضاء معظم أوقاتهم خارج البيت أو إنّهم لا يكترثون بأي شيء ولا يبالون بما يحدث فيما لو تواجدوا في البيت. فمثلاً لا يهمهم سواء كان الطفل متطاولاً أو ملتزماً, محسناً أم مسيئاً.

 

مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية:

ثمة مظاهر عديدة لعدم شعور الاباء بمسؤولياتهم التربوية, منها انعدام أي دور لهم في الاسرة حيث إنّهم يأكلون وينامون ولا يهمهم أي شيء, ولا يفكرون الا بأنفسهم, فهم قدوة في الخمول والكسل, وإنهم كالنساء في إظهار حبّهم وعطفهم لأولادهم, وإن أوامرهم ونواهيهم غير نافعة.

ويمتاز هؤلاء الاباء بالتلوّن في أخلاقهم, إذ لهم في كل ساعة قرار وعمل معين, فنراهم يصفعون الطفل أحياناً لارتكابه خطأً معيناً ولا يبالون في أحيان أخرى لارتكابه نفس الخطأ بل يتعاملون معه برفق وحنان فينسى الطفل نفسه والوظائف الملقاة على عاتقه.

ويمتاز هؤلاء أيضاً بضعف المزاج ورقة الحال. فنراهم يخسرون أنفسهم في أوّل فشل يواجهونه, ويلجئون أحياناً إلى البكاء وندب الحظ. حيث لا يهمهم أن تظهر نقاط ضعفهم أمام أولادهم, ويتوسلون بالكذب والحيلة لإنقاذ أنفسهم فيما لو تعرّضوا لأدنى مشكلة.

وعندما يعودوا من العمل, نراهم يجلسون في زاوية من البيت للاستراحة ولا يملكون أية أوامر ونواه أو أنها غير نافذة ولا تؤثر في الاولاد فهم حاضرون في البيت ظاهرياً لكنهم غائبون عنه عملياً لعدم اهتمامهم بأولادهم كما هو مطلوب.

ويمكننا أن نصف الاب الذي يشاهد ولده الا أنه يشغل نفسه بقراءة الجريدة أو الكتاب بأنّه لا يشعر بمسؤوليته . فالاب الذي لا يهتم الا بطعامه فيما لو حانت ساعة تناول الطعام ولا يكلّم ولده ولا يتحدث معه فإنه تارك لمسؤوليته ووظيفته. وينطبق هذا الكلام أيضاً على ذلك الاب الذي لا ينبس ببنتٍ شفة رغم مشاهدته لولده, وهو يتصرف بسلوك لا يليق أو يتحدث بكلام بعيد عن الادب.

 

أسباب ترك الاب لمسؤوليته:

توجد علل عديدة لعدم شعور بعض الاباء بمسؤولياتهم وتركهم إيّاها الا أننا سنشير فيما يلي إلى بعض منها:

1-  الضعف النفسي الذي لا يسمح باتخاذ القرارات فيكون سبباً في تفكير الاب براحته فقط.

2-  الادمان على المخدرات. حيث يقضي هذا الادمان على الارادة, ويدفع الانسان نحو الموبقات.

3-  الشعور بفقدان الحرية في جانب المسؤولية الذاتية.

4-  الشعور بعقدة الذنب لأنه أصبح أباً, ويرى أن مسؤوليته تافهة ولا داعي لها.

5-  الاصابة بمرض السيكوباتي (اضطراب العقل), أو بحالة من اللاإبالية إزاء شؤون الاسرة, أو بمرض الكآبة.

6-  ممارسة أعمال شاقة ومعقدة والشعور بالتعب الشديد إزاء ذلك فيفقد الاب طاقته وصبره.

7-  الافراط في الترحم على الطفل فيكون سبباً في امتناع الاب عن إصدار أية أوامر أو نواهٍ.

8-  السيطرة الكبيرة للأم فلا يبقى للأب أي دورٍ يذكر.

9-  ثمة عوامل أخرى مثل عدم قبول الطفل ورفضه, والتكبر وسوء الظن, والضعف في الارادة, والقصور, والسذاجة, وتقديم الوعود الكاذبة, والفوضى وغير ذلك.

 

تأثيرات هذه الحالة على الطفل:

يترك الاباء تأثيرات عديدة على أولادهم بسبب عدم شعورهم بالمسؤولية وتركهم لوظيفتهم في الهداية والتربية.

ومن هذه الاعراض أن الاولاد سيصبحون متحللين دون أية قيود, فيعملون ما يشاءون, ولا يخدم ذلك الطفل أبدا . وإنّ مثل هؤلاء الاباء يفرطون بمستقبل أولادهم ويقومون بدور الأم الثانية لهم.

صحيح أن الطفل بحاجة إلى العاطفة لكنه يحتاج إلى الانضباط أيضاً. ولو قصر الوالدان في ذلك لاضطرهم الطفل إلى الاستسلام إليه, فيضيقوا به ذرعاً بسبب عناده وتمرّده.

كما إن فقدان الاب لاقتداره يعتبر من أهم عوامل انحراف الطفل خاصة فيما لو كانت الاوضاع متأزمة داخل الاسرة أو المجتمع لأنها تعتبر من العوامل المساعدة في هذا المجال.

ويرى الطفل بأنه حرّ في تحقيق ميوله ورغباته وأداء ممارسات تؤدي إلى الحرمان والاذلال وإيجاد مشاكل عديدة أخرى.

 

مخاطر الاباء الضعاف:

ينبغي أن لا يترك الاب مسؤوليته أبداً بل ولا يكون ضعيفاً. وأنّ الاثار السلبية للآباء الضعاف هي أكثر بمراتٍ من الاثار السلبية للأمهات الضعيفات لاحتمال أن يصبح الطفل لا إبالياً.

إنّ خطر الام الضعيفة لا يمثّل شيئاً, خاصة وإنّها مسئولة عن تقديم الحب والحنان لطفلها, وإن هذه الصفات قلما تأثر عليه سلباً.

في حين إن ضعف الاب يهدد انضباط الطفل فلا يمكنه مواصلة حياته دون مراقبة واهتمام.

وقد يفاجأ الاب الضعيف ذات يوم عندما يشاهد أنه لا يملك شيئاً من زمام ولده, فيفرض الولد سلطته عليه دون أية معاناة ويمنع والده من طي طريق النمو والكمال. ولا يتمكن الاب- والحال هذه- أن ينفذ إلى ولده.

تظهر عند هؤلاء الاطفال بعض نقاط الضعف في التربية والاخلاق فمثلاً لا يمتازون باتزان في العاطفة بل يصبحوا أشراراً وجناةً وعصاة إضافة إلى تكبّرهم وضعفهم في تحقيق البرامج الانضباطية وخضوعهم لتوجيهات الاخرين ورفضهم للأوامر والنواهي والاستهانة بها.

 

 ضرورة حضور الاب وحسمه:

لذا ينبغي أن يتمرّن الاباء على ممارسة الاقتدار والحسم, وأن يوثقوا علاقة الحب والالفة مع الطفل منذ الاشهر الاولى من ولادته, ويلقنوا أنفسهم ضرورة قبول مسؤولية التربية وأدائها بأفضل وجه.

إننا لا نستهدف أن يقوم الاب بإصدار الاوامر والنواهي لطفله الصغير فيكون قاسياً معه. بل نريد أن نؤكّد على ضرورة قيام الاب باستخدام قاطعيته وحسمه متى ما دعت الحاجة لذلك, وأن يعمل بوظيفته لا أن يتهرب منها. فليس صحيحاً أن يخضع الاب لمشاعره ويتأثّر بعواطفه.

كما أنّ من الخطأ أن يتناول الاب طعامه بمفرده, ويعيش وحده, وينام بعيداً عن الاخرين, ويطالب أولاده بالسكوت, ويتجوّل لوحده, ولا يطالب أولاده بأداء مسؤولياتهم وذلك من أجل راحته. ينبغي عليه أن يعاشر أولاده ويتحدث معهم ويكلّفهم بأداء بعض المهام والمسؤوليات.

 

مسؤولية الام:

تقع في هذه الحالة- أي عندما يترك الاباء وظائفهم- مسؤولية مضاعفة على الامهات. وينبغي بهن الاهتمام بتربية أولادهن, ويجب عليهن في الواقع قيامهن بوظيفة الاب والام معاً.

حري بالام أن تتصرف بطريقة يحسب لها الولد حساباً, وأن يكون الاب عاقلاً فيلجأ إلى دعم الام لتحقيق الانضباط, ويطالب أولاده بإطاعتها والالتزام بأوامرها.

ولو تقرر قيام الام بهذه المسؤولية فما عليها الا الاسراع بها, فكلما زاد سن الطفل زادت مقاومته, ويجب عليها أن تقدم لطفلها حبّها وحنانها إضافة إلى الانضباط. إذ ليس صحيحاً الفصل بينهما مما له تأثيرات سيئة على أخلاق الطفل في المستقبل.