الاب واهتمامه بسلوكه
الكاتب:الدكتور علي القائمي
الانسان والامنيات:
ثمة أمنيات عديدة للإنسان في حياته يرغب بتحقيقها, وإنها من ضروريات الحياة. ولا بدّ أحياناً من توفير تلك الاماني ولكن بشرط عدم الاستسلام لها والقبول بها دون أي سبب لأن ذلك يعتبر نوعاً من أنواع الأسر والاذلال.
ولو كان ذلك مباحاً للطفل الصغير فإنه يليق وشأن الكبار, لأن العقل يفرض أن تفكر بتلك الاماني ويدعونا إلى انتخاب ما هو إنساني وعقلاني.
فالامنيات عديدة والاستسلام لها يعني التورط في متاهات لا نهاية لها مما تؤدي إلى الفشل والسقوط والانحطاط.
وينبغي أن تتركز الجهود في التفكير بما يحتاجه الانسان من أجل بنائه وكماله, وأن تكون تلك الحاجات وسائل لتحقيق هذا الهدف لا أن تكون هي الهدف بذاتها فتلتذ بها.
اهتمامات ضرورية:
توجد بعض القضايا الضرورية التي ينبغي على الانسان أن يهتمّ بها من أجل نفسه وسلوكه, ومنها ما يرتبط بذاته, إذ يجب عليه أن يوفّر موجبات نموّه من خلال تمييزه وتشخيصه لكي يكون قادراً على التقدم في طريق الكمال.
ويعتبر بناء النفس- وخاصة إيجاد صفة المقاومة- ضرورياً جداً لوجود عوامل عديدة تحيط بالانسان تمنع بناءه وتقدمه.
فما أكثر العوامل التي تجرنا إلى الأسر والاذلال نكون بؤساء بسببها. لذا يجب الاهتمام بالسلوك والقضاء على عامل السقوط.
ويتأكّد هذا الاهتمام للآباء لأنهم سيكونون في عملهم وسلوكهم قدوة لأطفالهم وأنموذجاً لهم. وبسبب شدة هذا التأثير قيل أنّ الولد على سرّ أبيه, أو إنّهم قالوا ولد العالم نصف عالم.
اهتمامات كليّة :
لو أردنا التحدث عن السلوك المباح والممنوع لواجهتنا أمور عديدة ينبغي البحث عنها في كتب الاخلاق وفي تلك التي تتناول موضوع بناء النفس .
يجب على الانسان أن يفكّر بنفسه وخلقه وبعثه من أجل تحقيق التكامل والنمو المطلوب, إذ يعتبر ذلك من ضروريات الحياة الانسانية. أمّا أهم الامور التي لا بدّ للأب أن يهتمّ بها لتأثيرها على الطفل فهي:
1- الاهتمام بالسلوك الذاتي:
ينبغي على الاب أن يصدق بأن الاجهزة الحسيّة للطفل هي كالنوافذ المفتوحة على العالم الخارجي, فنراه يلتقط ما يشاهده ويدركه ويعمل بموجبه. لذا يجب عليه أن يهتمّ بسلوكه ويلتزم بضوابط معينة في هذا الطريق.
فالسلوك الانساني وغير الانساني واللين والقسوة والعطف والعنف وغير ذلك يؤثر بأجمعه على الطفل. وكذلك التزامه بالاداب والمبادئ ونوع تعامله مع الامور, والبناء والانحراف وما إلى ذلك من صفات أخرى:
يجب على الاب أن يحذر في سلوكه كثيراً لئلا يحيد عن حدود الاب, أو يستخدم أسلوباً يؤدي إلى انحراف الطفل وضلاله.
فجميع المشاهد والحالات التقصير والاخطاء والانحرافات تؤثّر على الاطفال وسلوكهم.
2- الاهتمام بالكلام والعمل:
إذ يعتبر ذلك مهماً جداً, فما أكثر السيئة التي يتعلمها الطفل من حديثكم وكلامكم. في حين يمكنكم أن تبنوا شخصيته من خلال كلماتكم الجميلة بينما يؤدي الكلام القبيح إلى انحطاط الشخصية وسقوطها.
ومن وظائف الاب التربوية والاخلاقية أن ينادي ولده(ذكراً كان أم أنثى) بعبارات جميلة يسودها الاحترام. وأن يتحدث معه بكلمات تشوّقه لطي طريق الادب والاخلاق والكمال لكي ينشأ إنساناً عاقلاً وجليلاً. وليس صحيحاً أبداً اللجوء إلى الكلمات البذيئة حتى في حالات الغضب لأنه سيتعلمها وينطق بها, بل يجب أن تحذروا أن لا يألف ولدكم أفراداً بذيئي اللسان فيصاحبهم ويتعلم منهم الكلام البذيء.
3- الاهتمام بالتعامل:
يمكن لتعامل الاب مع ولده بل ومع الاخرين أيضاً من الذين يشاهدهم الطفل أن يكون درساً نافعاً له أو ضاراً. إذ يجب على الاب أن يعاشر أولئك الذين لهم منزلة تنسجم ومكانة الاسرة, وأن يتعامل كما يجب أن يكون طفله.
فما أكثر العلاقات الاجتماعية التي تكون سبباً للانحطاط والتخلّف وبالتالي تهدد عملية بناء الطفل وتقدمه.
والخلاصة, فلو أردنا بناء أولادنا لا تكون أية حاجة لتقويم سلوكهم وإصلاح أخلاقهم, لتوجب علينا أن نقوّم أخلاقنا وسلوكنا وتعاملنا, فنمتنع مثلاً عن النفاق والازدواجية في إظهار المشاعر والعواطف إزاء الاخرين.
4- الاهتمام بالعمل والمساعدة:
ينبغي للأب أن يكون قدوة صالحة لولده في العمل وبذل الجهد ومساعدة أفراد الاسرة وإعانتهم على قضاء حوائجهم. ومن الضروري أن يتقدم الاب لقضاء حاجة معينة في محيط أسرته بدلاً من اللجوء إلى إصدار الاوامر والنواهي. فهذا العمل سيؤدي بالاطفال إلى الاعتماد على أنفسهم والشعور بالاستقلال والاندفاع- في الوقت نفسه- إلى مساعدة والدهم.
ويستطيع الاب من خلال توفير حاجات أولاده أن يعلمهم- وخاصة الذكور- كيف يكونوا آباء. فلو تعرّض أحد أفراد الاسرة إلى حادث ما لتوجب على الاب أن يساعده ويعينه ويكشف عن عاطفته ويبدي أحاسيسه لزوجته وأولاده.
5- الاهتمام بالنظم والانضباط:
يشار إلى الاب- في الاسرة عادة- بأنه المسؤول عن تحقيق النظم والانضباط, والمسؤول عن تنفيذ القوانين في ذلك المحيط. فيجب عليه أولاً أن يكون مثالا للنظم والانضباط ومن ثمّ يدفع أولاده إلى تحقيق ذلك.
لا بدّ للنظم والانضباط أن يشملا جميع مرافق الحياة الانسانية والاسرية, ويمثل هذا شرطاً من شروط الحياة. ولولاه لسادت الفوضى وشاع العدوان, وقامت الحياة على هوى النفس.
والمهم في الموضوع أن يكون الانضباط عادلاً وقائماً على تلك المبادئ التي يؤمن بها الاب. إذ يجب عليه أن يهتم بأصول التعامل وطرح العادات الجيدة, وتقديم مفهوم صحيح للطاعة والانقياد, والتأكيد على قيمة الوقت ورعاية النظم في المأكل والملبس والاستراحة واللعب وغير ذلك.
لا يوجد شك في أن للأسرة نظاماً يختلف باختلاف الظروف. ولا بد من الاخذ بنظر الاعتبار القابليات والاعمار والفهم والادراك والمحيط وأموراً أخرى. فالنظم والانضباط اللذان يحتاجهما طفل في السادسة من عمره يختلفان عن ذلك الذي يبلغ العاشرة أو الثانية عشر من عمره.
6- الاهتمام بالعلاقة مع الزوجة:
لا بدّ أن تخضع العلاقة مع الزوجة لاهتمام واسع, ويجب على الزوج أن لا ينسى بأن زوجته هي أم أطفاله, وأنهم ينظرون إليها باهتمام بالغ رغم أنها قد لا تكون كذلك- لا سمح الله- بنظر الاب .
قد يحصل نزاع أو اختلاف في محيط الاسرة, ولكن إيّاكم أن يحدث ذلك أمام أنظار الاطفال.
ينبغي أن لا يشاهدوا نزاع الاب والام, وأن تحقير الاب أو الام وأهانتها يؤدي إلى حدوث مأساة تربوية.
إنّه لمن الخطأ أن يلجأ الرجل إلى ضرب زوجته أمام أطفاله. وإنّه من غير الصحيح أيضاً قيام الام بتحطيم شخصية الاب أمام أطفالهما, فهما سيفقدان دورهما ومكانتهما عند الاطفال.
كما توجد محاذير اخرى ترتبط بالعلاقة الزوجية والجنسية ينبغي للأب ان يهتم بها ،فالاسلام لم يسمح باقامة العلاقة الجنسية بمرأى من الطفل الرضيع فكيف ببقية الاطفال ؟بل جاءت التأكيدات بمنع سماع الاطفال لصوت انفاسهما ايضا.
السلوك المستقر:
من المواضيع المهمة أن يكون سلوك الاب مستقراً وثابتاً فلا يليق بالانسان أن يكون متلوّناً في الفكر والسلوك والعمل وخاصة الاب الذي هو القدوة لأولاده.
يجب على الاب أن يتحلّى بسلوك جلي وواضح له أبعاد وأهداف محددة لكي يتعلّم منه الطفل المحظورات والمباحات.
فالاب الذي يطلب من ولده في كل يوم أن يمارس عملاً معيناً لتحقيق مصلحته لا يمكنه أن يكون أباً مثالياً, لذا تقع عليه مسؤولية التحلّي بأهداف وأفكار واضحة, وأن يتبنّى المواقف التي يمليها عليه دينه ومعتقده.