الانفصال والهجر

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

يعتبر الطلاق نوعاً من التفكيك والتشرذم في الحياة وتخبطاً في جو الأسرة الدافئ. يمكن أن لا يشعر الزوجان للوهلة الأولى بذلك لتصورهما أنه قد ارتاح أحدهما من شر الآخر ولو أن هذا التصور لا ثبات له ولكن الطفل سيتحمل تبعاتها الثقيلة عليه.

لا تفقد الأم التي تغيب عن البيت والمطلقة حياتها ولا تفارق أجواء المحبة والإلفة فحسب بل وتضيع طفلها وفلذة كبدها.

ضرورة التحمّل من أجل الطفل:

يجب أن يفهم الزوجان المطلقان بأن مشاكلهم ليست غير قابلة للحل دائماً بل يمكن حل الكثير منها بقليل من التوضيح والصبر والتنازل من الطرفين. ويمكنها بتوضيح أسباب الأخطاء والاضطراب والتناقض القضاء على الكراهية والحقد المتبادل وإقناع أحدهما الآخر للاستمرار بالحياة المشتركة، على أية حال لا يخرج الطلاق عن حالتين إما أن يقوم الرجل بطلاق زوجته أو تطلب هي الطلاق منه. لا منحى لها في الحالة الأولى من أن تتولى هي شؤون حياتها وطفلها والقيام بمسؤولياتها ونقول في الصورة الثانية بأنها قد ارتكب ذنباً عظيماً، فليست أمّاً تلك التي تنفصل عن زوجها ولا تشعر بمسؤوليتها تجاه طفلها، فعليها أن تسوّي مشاكلها بشكل لا يؤدي إلى الطلاق إن كانت تحبّ ولدها حقاً. ولا تفكر الأم التي تريد سعادة طفلها بالطلاق وإن كان الحق معها وستستنجد بذويها ومن يؤثر عليه من أجل ديمومة حياتها الزوجية للتوسط بينهما. وليس ذلك عاراً عليها تتثاقل منه بل أجدى بها أن تفتخر به لأنها ستضحّي براحتها من أجل طفلها. وإذا قامت بعكس ذلك فمعناه أنها مريضة وغير سويّة وليست أمّاً.

نتائج الطلاق:

يمكن أن ينفصل الزوجان لحب جديد أو عدم الوئام والانسجام وسينالون الراحة ظاهرياً ولكن آثاره السيئة ستلازمهما وتلازم أطفالهما حتى الموت لأن الطلاق يخرب عش سعادتهما ويورث المحنة والعذاب للأطفال، ويجعل مصير الطفل ومستقبله حالكاً يشعر باليتم أكثر من أي يتيم آخر. وهناك احتمال ضعيف أن يحصل الزوجان على الراحة بعد الانفصال ولا يتورطان في مستنقع آخر ولا تأخذهم حوبة الطفل وآهاته وتشرده. والخلاصة يعتبر الطفل هو الضحية الأولى في حادثة الطلاق ويجب الشكل في سلامة عقل مثل هذين الزوجين اللذين لا يفكران إلا بأنفسهما وينسيان طفلهما وما سيصيبه في الحياة.

 

 

طاقة التحمل عند الطفل:

لاحظنا في الفصل السابق أن الطفل الصغير يتحمل الفراق بمشقة، وتظهر عنده حالات من الاضطراب والقلق الشديدين، وكم من هؤلاء تتكون عندهم عقدة الشعور بالذنب لتصورهم بأنهم السبب وراء تبعثر حياة أبويهم أو يظن الطفل أن أمه قامت بمعاقبته على شيطنته فتتشائم نظرته إلى الحياة ويكره نفسه.

الأضرار التربوية:

يواجه الطفل الذي ينفصل أبواه مشاكل تربوية أشد من الطفل الذي يفقد أحد والديه وبعبارة أخرى فإن الأضرار التي تلحق به من وفاة أحد والديه أقل بكثير منها إذا انفصل الأبوان. ويتعرض الطفل إلى اختلالات متعددة في حياته الأخلاقية ويتغير سلوكه إلى درجة جعلت علماء النفس يؤكدون أن 90% من الأمراض النفسية عند الأطفال سببها فقدان الأم، ويسبب أحياناً شجار الوالدين، الهجر، الطلاق وعدم الانسجام إلى ابتلاء الطفل بأمراض من جملتها الأدرار الليلي، الإفاقات المتناوبة ليلاً، الاضطراب والقلق، وفقدان الشهية ... والخ.

تتهيج إحساسات الطفل الذي يفقد أمه لسبب الطلاق أو الموت إلى درجة تؤدي إلى إحساسه بالخوف والحقارة وخاصة في السنين الأولى من حياته والتي يكون فيها من الناحية النفسية معتمداً على الأم. يمكن أن يبدأ الوالدان حياة جديدة بعد الطلاق ويصلان إلى السعادة ولكن الطفل سيبقى محروماً ويذهب ضحية لهما.

قلق الطفل:

عندما يتعرض الطفل إلى هم وعذاب جديدين سوف يتململ منها ويعبر عنها بالصراخ والعويل، ينهض من نومه عند منتصف الليل فزعاً ببكاء وصراخ يصك الآذان ولا يركن إلى سعي الآخرين في تهدئته وتسليته وتضييق عليه دائرة الحياة بما رحبت وتزداد آلامه يوماً بعد آخر، وتبدوا عليه علامات الضعف، الاصفرار، والنحول العام والكآبة.

كيف نخبر الطفل بالفراق:

ليس صحيحاً أن تترك الأم طفلها فجأة عندما تريد الانفصال. فعليها أولاً أن توضح له بلغة يستطيع فهمها ويدرك معانيها الأسباب ولا ترسم صورة الطلاق له بأنه قضية محزنة مأساوية ونهايةً لكل شيء بل يجب أن تجعله أمراً عادياً لا بد منه.

فمثلاً تقول للطفل: (أنا وأبوك نتشاجر كثيراً ومن الأفضل أن لا نعيش معاً في بيت واحد لذلك فسوف أعيش في بيت ويعيش أبوك في بيت آخر ولكنني سأزورك باستمرار).

ويجب أن لا تجعل طفلها يحزن ويتأثر بل تمنحه الهدوء والاطمئنان وتودعه عند الانفصال بدون إطالة لمراسيمه، ومن الطبيعي أن نتوقع بكاء الأم والطفل عند ذلك.

حضانة الطفل:

على الأم أن تسعى إلى حضانة طفلها بعد الانفصال قدر الإمكان، وللإسلام آراء لصالح الطفل في ذلك، وبالأخص إذا كان الطفل صغيراً جداً. ويجب عليها أن تقضي أكثر وقتها معه ولا تتزوج بعد الطلاق فوراً، فإذا لم يمكن ذلك فعلى الأب أن يحتضن الطفل ويقوم برعايته ولا يودعه في دور الحضانة أو تخصص له مربية أو قيّم.

الزيارات بعد الانفصال:

تصبح مسؤولية الأم أكبر عندما لا يكون الطفل معها بعد الطلاق، فعليها أن تزوره بصورة متناوبة وبفواصل زمنية قصيرة لتضفي عليه المحبة والحنان وتقوم بواجباتها تجاهه. يفتقر الأطفال البعيدون عن أمهاتهم إلى المحبة والحنان ويشعرون بالحاجة الماسة إلى الدلال، فمن الضروري أن تغسل الطفل وتستحمم معه، وتطعمه وتنام إلى جانبه وتهدي إليه الهدايا وتمسح بيدها على رأسه، تقبله، تعانقه، وتضمه إليها و...الخ.

الحياة المصطنعة:

كم هو مسكينٌ الطفل الذي افترق أبواه وأصبح تحت رحمة المربية والخادمة، حياته كلها مصطنعة فلا يحس بعواطف حقيقية ولا يشعر بالحب والحنان الواقعي لا تحنو عليه المربية إلا كما تحنو على سائر الأطفال ولهذا فهو يشعر بالنقص فيها لأنه بطبيعته أناني يريد الحب والحنان إليه فقط أما الآن فليس له محل من الإعراب.

فيجب أن لا يوضع في دور الحضانة الطفل الذي افترق عن أبويه، ويجب السعي ليقوم بشؤونه شخص يأنس به مثل العمة، الخالة، الجدّة ومن الضروري أن يكون ضمن أسرة لا في رياض الأطفال، وعلينا أن نعلم أن أجواء دور الحضانة ورياض الأطفال وإن كانت جذابة للطفل فهي ليست المحيط المناسب لتربيته.

 

ملاحظة تربوية:

تكون نظرة الأم المطلقة إلى زوجها متشائمة عادةً فمن الخطأ أن تقوم بتحطيم شخصيته لدى الطفل فمن الضروري أن يحب الطفل كليهما لأن حب أحدهما وكراهية الآخر له آثاره السيئة في بناء شخصية الطفل.