الأم في مواجهة فقر الأسرة
الكاتب الدكتور علي القائمي
يورّث الفقر مشاكل ومصاعب عديدة للأسرة ويمثل عاملاً هدّاماً للحياة الزوجية وسعادتها.
تأثير الفقر على الطفل:
يتأثر الطفل كثيراً بفقر الأسرة، لأنه يقارن نفسه دائماً بالآخرين من ناحية الملابس، الطعام، والمصروف اليومي، والإمكانات الأخرى. ويشعر بالحقارة ويستصغر نفسه، يخاف، وتضيق أغلب الأحيان نفسه عندما يرى أنه أضعف منهم مادّياً. ويؤثر الفقر سلبياً على شخصية الطفل ويجعله دائماً في حالة من الاضطراب والحزن لعدم تمكنه من تلبية رغباته واحتياجاته الحياتية، وأقل ما يسببه الفقر هو العقد المركبة عند الطفل حيث يفقد الطراوة والبشاشة لافتقاده أبسط رغباته الخاصة. فعلى الأم- على أية حال- أن تطمئن الطفل وتشاركه في حزنه وفرحه وتصوّر الدنيا له جميلة.
ينبع معنى الحرمان من داخل الإنسان وسوف لا يشعر الطفل بالحقارة والهزيمة وسيعيش بمنظار آخر إذا لم تفسر الأم له الفقر بأنه الحرمان والحاجة.
كتمان الفقر:
تأخذ الأسر بنظر الاعتبار عمر الطفل ومدى إدراكه لمسائل الحياة- والذي يواجهه فيها- لكشف الحقائق له. فيجب أن يطرح موضوع فقر الأسرة على الأطفال قبل دخولهم المدرسة وعلى الوالدين أن يخفيا على الأطفال مشاكلهم المادية ولا يسمحا له بأن يفهم معنى الفقر والغنى، ولكن لا يطلب منه الإيثار والتضحية من أجل أسرة أو الاشتراك في تأمين إيرادها. يطلب ذلك من الطفل في السنين ما بعد الثانية عشرة أو حتى الرابعة عشرة.
عواطف الأم ثراء الطفل:
يمكن أن تشعر الطفل بالفقر والحاجة ولكن عاطفة الأم ومحبتها تكتنفه وتملأ عليه حياته بشكل تجعله يغفل عنه. ولقد أثبتت الدراسات العلمية أنّ كثيراً من الأطفال الفقراء الذين كانت لهم أمهات واعيات ومثقفات يتمتعون بعصامية ومعنويات عالية تبعث على التقدير.
الأم ورغبات الطفل المادية:
يجب الاستجابة لرغبات الطفل بشرط أن تهذب وتحدد. فليس صحيحاً تلبية كافة رغبات الطفل في حال الفقر لأنه يؤدي إلى فساد الطفل من جانب ومن جانب آخر فإن توقعاته ورغباته ليست محدودة بل ينوء بها حتى ذوي السعة والثراء، ولذا فلا خوف من خلق العقد عند الطفل لعدم تلبية احتياجاته في هذه الحالة ويجب أن يفهم بأن تلبية جميع رغباته ليس من مصلحته حتى ولو كنا أثرياء ونقنعه بالاستغناء بمقدار ما نعطيه ويرضى به.
ليس ما تفعله بعض الأسر الثرية في تهيئة الملابس الثمينة وتزيين أطفالهم وجعلهم كالدمى مهمّاً، بل ما يهم الطفل هو تناسق الملابس ونظافتها. تهتم الأم المثالية بفكر الطفل وهدوئه النفسي وتسعى إلى نشر السعادة في روحه أكثر من ظاهره وملابسه.
كيف تتعامل الأم مع الفقر:
قيل :"تعرف الأمور بأضدادها" فلا معنى للسعادة بدون أن يكون هناك بؤس وشقاء، فيتطلب الحصول على السعادة، الهمم العالية والصبر ويحتاج إلى التضحية والإيثار. نريد القول بأن موفقية الطفل في تحمّل فقر الأسرة منوط بانتصار الأم على أحاسيسها وتحملها للمشاكل بوعي وسعة صدر.
لا شك في أنّ أفراد المجتمع يتفاوتون في طاقاتهم على تحمل الفقر والحرمان. إنّ البعض يستصعب ويستسهل الآخر حيث يكره التأفف والضجر وإظهار العجز على أية حال بالأخص على مرأى ومسمع الطفل.
ولا يبعث على الخجل إذا أخبر الطفل بأننا نسعى ونكد ولكن دخلنا لا يسد حاجتنا. ويجب أن تسعى الأم إلى عدم حرمان الطفل من قضاياه الأساسية والجذرية لأن له عواقب ونتائج خطيرة عليه. وبعبارة أخرى ليس من الضروري أن تكون ملابس الطفل ثمينة ولكن الفاجعة عندما يقل غذاء الطفل اليومي.
واجبات الأم الذاتية:
على الأم التي تريد حفظ كرامتها وشرفها في حال فقر الأسرة أن ترتب ظواهر أمورها فقط. فارتداء الملابس العادية والزهيدة بعيداً عن الزينة أفضل بكثير من ارتداء الفساتين الغالية الثمن على حساب فقر الطفل وحرمانه. فمن الأنانية أن تلبس الأم فاخر الثياب للمباهاة والغرور وترفل بالعطور والكماليات التجميلية في حين يعاني طفلها من البؤس والشقاء، أو يتأوه حسرةً للحصول على دراجة في حين يغفو على صدرها ما غلى من القلادات الذهبية.
الأم والمصروف البيتي:
تتبع الأم، بالقناعة والتقشّف عند الضيق والعسرة، إدارة البيت بشكل لا تفوح منه رائحة الفقر والحاجة وبذلك تحفظ ماء وجه الأسرة عند الطفل.
يمكن للأم أن توفر مقداراً من دخل الأسرة حتى لو كان يسيراً لسد بعض احتياجات الأسرة الأساسية والغير منظورة. على الأسرة التي تعاني من الفقر الامتناع عن الإسراف والكماليات والاعتدال في المخارج والمصاريف والاهتمام بما يحتاجه الطفل أكثر، وتخطئ بعض الأمهات في ملء البيت بالوسائل والأثاث الغالية الثمن وفي عين الوقت كمالية لا حاجة لهم بها. فعليها أن تدرك أن مهمة الأم هي رعاية المنزل والأمومة وليس جعل البيت مخزناً للكماليات التجميلية.
عمل الأم:
نقول إن على الأم رفض الأعمال خارج المنزل من أجل سعادة الطفل, ولكن لا بأس بالقيام ببعض الأعمال المفيدة داخل المنزل، تدرّ دخلاً لتلبية قسم من رغبات الطفل واحتياجاته، كخياطة الملابس، والحياكة، والأعمال الفنية، مما يشكل رافداً مالياً يحسن وضع الأسرة والطفل مادّياً ويخفف العبء المالي لها.
المصروف الجيبي للطفل:
يجب على الأسرة ومهما كانت درجة فقرها أن تعطي الطفل ولو نزراً يسيراً من النقود أسبوعياً أو يومياً لمصروفه الجيبي كي لا يتصرف بها بحرية وفي حدود إرشادات الأم ويقتنع بها. لا شك أننا نستطيع أن نقول للطفل بأنه كان بودّنا أن نعطيك أكثر من ذلك ولكن ميزانية الأسرة لا تسمح بأكثر مما أخذت. ولا بأس بتوضيح ذلك له.
التوفير للطفل:
نعلم أن لدى الطفل رغبات كثيرة مثل دراجة، لعب أطفال و... الخ فالأفضل للأسرة التي لا يمكن لها شراؤها أن تقول للطفل بأن عليه توفير قسم من مصروفه الجيبي وسنضيف عليه كمية من عندنا وعندما يبلغ حدّه فسنشتري لك ما تريد. إن تأميل الطفل بشراء حاجة ما يعد أن يوفر من مصروفه الجيبي وهو مطمئن وإنجاز الوعد على المدى البعيد أفضل بكثير من مواجهته بفقر الأسرة وحاجتها.
ملاحظة مهمة:
يعتبر الأب ومهما كان مسنداً للأسرة والطفل فليس للأم أن تعتبره بالفقر والفاقة أمام الطفل ولا تستهزئ بشغله, ولا تتطرق إلى كلالته ولا تبحث معه القضايا المالية ولا ترجّح زملاءه عليه بالأخص عند حضور الأطفال لأنه يعتبر صنماً بالنسبة للطفل يؤدي تحطيمه إلى عواقب وخيمة.