الأم من وجهة نظر العلم..
الكاتب الدكتور علي القائمي
الأم والصفات الوراثية:
نتيجة تزاوج خليتي الأب والأم يتكون الجنين من صفات مشتركة من الأبوين بالتساوي من الناحية العلمية, إلا أن الصفات الوراثية المنتقلة من الأم والتي تؤثر على شخصية الطفل وتساعد في تكوين شخصيته أشد من الصفات المنتقلة من الأب وذلك للأسباب التالية..
1- دور الأب الوراثي ينتهي بعد انتقال النطفة, إلا أن دور الأم يستمر تسعة أشهر ألا وهي فترة تكوين الجنين والولادة ومن ثم تستمر عامين حتى فطامه من ثدي أمه, ويرتبط بأمه ارتباطاً وثيقاً عن طريق الدم والحليب.
2- دور الأب دور فيزياوي قابل للانتقال، إلا أن دور الأم غير قابل للانتقال، بمعنى آخر كل جنين كي يتكامل وينمو يحتاج إلى رحم الأم وبحجم معين وحرارة معينة حتى يأخذ شكله النهائي .
3- تتزاوج خلية نطفة الرجل مع بيضة الأم لينتج منها الجنين, إلا أن جميع (البروتوبلازم) هو من الأم.
4- تشعرالمرأة من الناحية النفسية والجسمية وبدون طفل بالصغر والنقص وهذا الإحساس يكبر وينمو عند الطفل فهو الآخر يشعر بأنه بحاجة غلى الأم هذا من جانب ومن جانب آخر يجعل المرأة أن تتقبل الموضوع الموجود وتتحمل مسؤولية تربية الطفل لبقاء النسل البشري.
أهمية دور الأم:
يقع الإنسان في حياته تحت تأثير ثلاثة عوامل تربوية تؤثر على تكوينه النهائي..
1- العامل الطبيعي:
يشمل هذا العامل, العامل الوراثي, محيط الرحم, ترشحات غدد الأم, أمراض وسلامة الأم في فترة الحمل والرضاعة, الخصائص والصفات الوراثية, الطبيعة الجغرافية, ولا شك أن دور الأم في فترة الحمل والرضاعة تؤثر تأثيراً كلياً على تكوين الطفل, وأن الأمراض التي تنتقل للطفل في هذه الفترة دليل قاطع على تأثير الأم في تكوين الطفل كمرض السفليس ( الذي ينتقل للطفل في فترة الولادة), مرض السكر أو قلة المواد المعدنية والكيمياوية, ترشح الغدد, وحتى الأمراض العصبية, وإذا ما أردنا الإشارة إلى مادة ما تأثيرها الواضح, يجب الإشارة إلى حليب الأم, الذي ينقل للطفل نفسية الأم وطريقة تفكيرها وأخلاقها.
2- العامل الاجتماعي :
يبدأ العامل الاجتماعي بعد انتهاء فترة الحمل, أي من فترة احتضان الأم لطفلها والاتصال بأعضاء العائلة, الأقرباء والمعارف, التعرف على الناس في الأزقة والأسواق,المراقبة المادية والمعنوية, التعرف على الشرطة ورجال الدين, وبالتالي جميع الناس الذين نتصل بهم. في هذه الفترة من الطفولة يكون دور الأم قوياً ومؤثراً, لأن القسم الأكبر من طبائع وأخلاق الطفل تأخذ شكلها الأول ولونها من أحضان الأم والأشياء التي تكون قريبة منها.
3- عامل المحيط:
اللعب والأشياء التي تحيط بالطفل تؤثر في تكوينه, وبما أن الأم هي التي تقوم بشراء وتحضير هذه اللعب والأشياء, فهي تستطيع التأثير على طفلها بواسطة انتخابها للعب.
خلاصة البحث أن دور الأم في جميع الأحوال مهم ومؤثر وإذا ما حدثت غفلة في أداء هذه الواجبات فهي من الذنوب التي لا تغتفر.
دور الأم في نقل التراث الاجتماعي:
يضع الطفل قدميه على مسرح الحياة بذهن خال من كل شيء, فهو لا يعرف شيئاً عن الحالة الاجتماعية التي يجب أن يعيش فيها, فهو لا يعرف شيئاً عن تراثه الفطري, وإن فكره كالورقة البيضاء, فلم يدون شيئاً عليها بعد, وإن أول الحروف والكلمات التي تمليها الأم على ولدها فتدون على تلك الورقة البيضاء, إنها هي التي تدون الجميل والقبيح, إنها أول من تجعل طفلها ينطق فتضع الكلمات على لسانه ويكررها كالببغاء, وتقوم الأم لترفع الستار عن محيط الطفل والعائلة فتكشف له عن أصول وقواعد الحياة اليومية, طريقة التعامل, الآداب والرسوم, تعلمه كي يقضي ويحكم, وبالتالي، إنها هي التي تضع تحت اختياره كتب الفلسفة والنظر للحياة والعالم, والنظريات المادية والمعنوية, فالأم هي أساس انتقال الثقافة, ومن الناحية العلمية هي قائد فكر وعقل الطفل, فتدون الأشياء والقواعد الأصلية على صفحات فكره, أو تعلمه المفاسد, وبالتالي هي السبب في أن يكون ابنها باراً, مفيداً أو فاسداً, وعلى هذا الأساس إن دور الأم في نقل التراث الاجتماعي أشد من دور الأب أو دور سائر أفراد العائلة والمجتمع.
الأم والتأثير الأخلاقي:
تنتقل بواسطة الدم وحليب الأم أخلاق الأم وطريقة تعاملها في الحياة اليومية للطفل, وإذا ما أردنا أن نشكك في هذه المقولة, فإننا لا نستطيع أن لا نأخذ بعين الاعتبار التأثير العظيم الذي تحدثه الأم في طفلها.
تتم التربية الأخلاقية عن طريقين, الأولى: التعليم, أي أن الطفل يعلم دروس الأخلاق, والثانية: الوقوف على النموذج عن قرب ومن خلال العمل. وبما أن اتصال الطفل في سنواته الأولى مع أمه أكثر من غيرها. وأنه يشاهدها عن قرب ويقف على تصرفاتها وطريقة تعاملها,ولأنه على اتصال مباشر معها, فيتعلم منها, لذا فإنها تستطيع أن تؤثر عليه تأثيراً كبيراً وكلياً..
أثبتت العلوم البشرية أن الأم تستطيع أن تؤثر أخلاقياً على طفلها, فيأخذ منها الثقافة اليومية، وخصائص أخلاقه, ويعتقد أن تعاليمها ونفوذها يظل ملتصقاً بالطفل إلى نهاية حياته، فهو يأخذ منها الدروس وإن التأثير الروحي والعاطفي أشد من غيره على الطفل، وإنّ أحاسيس الطفل ومشاعره تأخذ إشعاعاتها من الأم. لذا وضعت الجنة تحت أقدامها، وأسس سعادة وشقاء الطفل يرتبط كلياً بعالم رحم الأم.
نستنتج من ذلك، أن الأمهات، إذا كنّ صاحبات أخلاق حميدة يأمل أن يكون الرجال كذلك, وإذا كن فاقدات الأخلاق الفاضلة، لا شك أن الرجال سيكونون عديمي الأخلاق. نستنتج أيضاً أن ارتقاء وتكامل أخلاق المجتمع مرتبط بالتربية الصحيحة للأم لأبنائها. وأثبتت التجارب العلمية, إذا ما كان الأب فاسداً والأم طاهرة وعفيفة لا شك أن الطفل الناتج منهما سيكون طيباً ومفيداً. وإذا ما كانت الحالة عكسية من النادر أن يكون الطفل سالماً.
الأم والتأثير النفسي:
علاقة الأم بالطفل كعلاقة القائد بالرعية، يؤكد قانون الوراثة أن الكثير من تصرفات الطفل نابعة لا إرادياً من تصرفات الأم، ومن الناحية الاجتماعية تعتبر تصرفات الأم في مواجهتها للأمور أصلاً وقاعدة للطفل، خوفها، حبها، حياتها ، تصعبها، عنادها، حبها للآخرين، بغضها، حسدها، يأخذ منها كل ذلك ومن ثم يتصرف، من الخطأ أن نقول أن الذي ينتقل من الأم وصفات الأم النفسية الجميلة والقبيحة تنقل للطفل كذلك. وعلى هذا الأساس إن الأم (القائد) يجب أن تتصرف بحذر أمام طفلها، فهو يلتقط كل شيء بسرعة.
وإن تأثيرات الحب والحقد في تكوين شخصية الطفل مؤثرة جداً ولقد أثبتت تجارب العلماء النفسانيين الانجليز, إن نقص أو سلامة شخصية الطفل النفسية وخاصة في السنوات الست الأولى من عمره، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحب الأم لطفلها أو حرمانه من الحب، ومن الممكن جداً أن تبقى آثار هذه العقدة النفسية إلى مدى عمر الطفل.
نتيجة البحث:
إن أساس سعادة وتعاسة المجتمع البشري هي الأم، إذا تمرضت الأم وأصابها مكروه، سيصيب المجتمع والعائلة شتى أنواع الأمراض والفساد الأخلاقي والاجتماعي، وإن سلامتها دليل على رفاه المجتمع وتقدمه. وإن نتاج الحضارة والتقدم بيد الأمهات الطيبات.