التقوى والهدف

الكاتب الدكتور علي القائمي

عندما يكتشف الإنسان نفسه ويعرف ذاته وقدراته، فيقوم على أساسها بعملية البناء، ويحدث عن ذلك تحولاً فكرياً وحركة باتجاه الأهداف الإنسانية العالية. البحث عن طريق الكمال والقدرة هو بالحقيقة الوصول إلى هدف الكمال.

يشعر الإنسان الذي بنى نفسه موظفاً ومسؤولاً أن يسلك طريق الإيمان والتقوى ويرفع أقدامه باتجاه ذلك الطريق ويعتقد بأنه مسؤول عن الآخرين، يريد لهم الخير ويحسن لهم.

التقوى، تعني الصبر أمام الأمور التي تهدف إلى مرضاة الله عز وجل. والهدف، يعني خطو خطوات ثابتة في طريق القيام بالواجبات والطاعة من الأوامر في كل الحالات والابتعاد عن الاستقلال الشخصي، بمعنى آخر، الهدف يعني التسليم لله عز وجل.

نقاط مهمة في التقوى:

هناك أمران يجب مراعاتهما في التقوى، وتعني هنا القيام بالواجبات لتكون صفحتنا بيضاء يوم الجزاء.

1-   يجب أن نضع الله جلّ شأنه نصب أعيننا، فهو مالك الملك، والحاكم العادل، حامي الفقراء والمساكين، رؤوف، محاسب، قاضي، وهو الواقف على أحوال وتصرفات البشر.

2-   الابتعاد عما يكون فيه معصية الله: فالخطوة الأولى في التقوى الابتعاد عن المفاسد، وعما يريده القلب والأهواء الشخصية، نزرع في قلوبنا وعقولنا الآمال الطيبة والأماني الإنسانية ونضع مصطلح الوقاية في رأس قائمة أعمالنا، فالوقاية خير من العلاج، لا ندخل المجالس التي توجد فيها آثار أقدام الشيطان، ولا نأكل أي طعام يقدم لنا قبل أن نفكر بحلاله وحرامه، ولا نصادق من كان، ولا نستمع إلى أي حديث. ولا ننطق بكل شي، نفر من الظلم ونحاربه، ولا نحسد الآخرين على ما عندهم فالحسود لا يسود.

 

نقاط مهمة في الهدف:

يجب معرفة تكاليفنا وواجباتنا قبل كل شيء، وندرك بوضوح أهمية هذا الأمر ونحن نعيش عالماً صغيراً، ومن ثم نقوم بالتكاليف والواجبات التي لا يجدها حاجز ولا زمان ولا مكان، ولا نسمح للنزوات والرغبات التدخل في أهدافنا وحياتنا، فصاحب الهدف لا يخطو خطواته من أجل تحقيق منافعه، بل من أجل الهدف الذي أنذر نفسه له، علماً أنه لو سلك طريق الهدف ستصيبه منافع وفوائد، إلا أنه لا يضع الربح والخسارة نصب عينيه، بل إنه يسير ليحقق أهدافاً إنسانية سامية تليق بمنزلة الإنسان لتحقيق أهدافه، يضع نصب عينيه مفاهيم العقيدة الأصيلة، وفي سبيل الوصول إلى هدفه لا شك أنه سيلاقي صعاباً ومشاكل يقف أمامها بقوة، ويتحمل الشدائد ويصير فقد يفدي حياته في سبيل الوصول إلى أهدافه, ذلك لأنه يعلم أنه سيحصل على الجنة لقاء جسده الفاني.

تحت ظلال التقوى والهدف:

يصل الإنسان المتقي وصاحب الهدف إلى مرحلة لا يبحث فيها سوى عن مرضاة الله، ولا يريد أي شيء آخر سوى ذلك، يعتبر قلبه ميتاً من دون حب الله. هدفه الأول والأخير رضى الباري عز وجل والوصول إلى مرضاته بمعنى آخر وعام وشامل أنه لا يعبد غيره، ويؤدي واجباته دون خوف ووحشة، ولا يصيبه كسل ولا تعب، فإن الله جل شأنه لا يرمي الرماد على آماله، ولا يهدم سعادته . تحت ظلال هذه الحالة التي ظهرت، بالابتعاد عن الرذائل، والاستفادة من القدرة التي منحها لنا الخالق, تمنح فينا القدرة على طي مدرجات الحياة الإنسانية والأخلاقية الواحدة بعد الأخرى.

الوصول إلى مثل هذه الحالة:

ليس من السهل الوصل إلى مثل هذه الحالة، فإنّه يتطلب منا الجهاد مقابل لذّات الحياة وما يعشقه القلب، بمعنى آخر الجهاد مقابل الذنوب، وهذا الجهاد عظيم، فعلى الإنسان في هذه المرحلة أن يعرف نفسه، ويقيمها وبعد أن نعرف أنفسنا وللوصول إلى درجة الكمال ولإبطال مفعول النقص الموجود فينا، نحن بحاجة ماسة لتقوية المعنويات وبنائها بناءً سالماً، وان ذلك لا يتم إلا عن طريق العبادات، وبالمعنى العام والشامل، أنه أمر غير ممكن دون العبادات، فالعبادة تعني هنا أن الإنسان يرتبط أو يقترب من الله ويشعر بوجوده في كل لحظة.

ينتج عن العبادة البناء وذلك شريطة أن تشمل جميع جوانب الحياة وعادات وتقاليد الإنسان وطريقة تعامله وتصرفاته وتفكيره وإدراكه جميع العوامل المادية والمعنوية، وأن تكون مبنية على أساس رباني، عندها يرى الإنسان نفسه وقد التصق كلياً بالقدرة الربانية الكبرى، ويجد في نفسه القدرة على الإبداع.

 

أهمية التقوى والهدف للأم:

إننا عرفنا، إنّ أحضان الأمهات، هي من أول مدارس الأطفال، ويمكن أن تكون من أحسن المدارس ومن أردئها.. فإن لتقوى الأم وحبها للآخرين وصفاء قلبها وشجاعتها وشهامتها والسجايا الأخلاقية الحسنة لها، تأثيرها الفعال على الطفل، فتكون عندها أحضان الأم من أحسن المدارس، والعكس صحيح تماماً، فيما إذا سلكت الأم درباً يقودها إلى الوهم والفساد، وكان رئيس العائلة، الأب- طيباً، فإن احتمال كون الطفل يكون طيباً ونجيباً قليل جداً الأم هي معلمة الطفل الأولى، فيحاكيها، ويعتبرها النموذج في حياته، فإن مشاعر الأم مهما كانت تؤثر في الطفل تاثيراً فعالاً، حتى انك لا يمكنك أن تجد أحداً يستطيع التأثير البناء الروحي للطفل أكثر من الأم. وعلى هذا الأساس، إنّ أهمية بناء الأم الروحي أعظم من بناء الأب، فالأم بحاجة أن تضع الله أمام عينيها، كي تقلل من مشاكل ومآسي المجتمع، إنها بحاجة ماسة ليكون هدفها في الحياة واضحاً وجلياً كي تتخلص من المشاكل الناجمة عن عدم وضوح ووجود الهدف ولتعالج بالسرعة القصوى الأمراض النفسية. نستنتج مما جاء أن تأثير الهدف والتقوى أكبر من أي تأثير كان.

 

خلاصة البحث:

الأم هي أعظم وأكبر منبع للتربية في العائلة، وعلى هذا الأساس نستطيع القول أن كل أم تقوم بالإنجاب لا يمكن أن نطلق عليها تسمية الأم، فالأم بحاجة ماسة لمعرفة نفسها وبناء شخصيتها على أسس التقوى والهدف, وإذا ما تجمعت كل هذه المواصفات في الأم، فهي من عظمة الخالق.