تربية الأمهات
الكاتب : الدكتور علي القائمي
إن رعاية الإنسان في أي مجتمع تتوقف على إحكام البناء الأسري وتربية البنات في ذلك المجتمع.
العائلة تمثل الخلية واللبنة الأولى للحياة الاجتماعية, أعضاؤها هم: الأمهات, والأزواج, والأولاد, والمحور الأساسي في الأسرة هي المرأة, فهي تستطيع وقاية العائلة من مصائب الحياة وتهيئ للأسرة أجواء من الطمأنينة والهدوء.
إن منشأ الحرب والسلام, والعفو والانتقام, والصلاح والمشاحنات’ كلها لها ارتباط بكيفية التربية التي ينشأ عليها الأولاد, فإذا كانت الأمهات ممن تربّين تربية صالحة ونلن قسطاً من التعقل والحكمة. فإن الأولاد سيصبحون ذوي فكر صالح وعقل سليم والعكس بالعكس.
إن ما جرى اليوم في الدول الصناعية التي تدّعي التحضر, من محاولات للسيطرة على الجريمة والمجرمين بالقوة وعن طريق القوانين دون أن تجدي نفعاً, كل ذلك مرده إلى انهيار الكيان الأسري أخلاقياً, حيث تمثل الأسرة عماد المجتمع, فينصرف الأولاد تحت رحمة دور الحضانة ورياض الأطفال بأيدي المربيات اللاتي يمارسن هذه المهمة من أجل الارتزاق وكسب لقمة العيش فلا تستطيع المربية أن تفي بدور الأم, ولا تحاول معرفة نقاط الضعف والقوة في شخصيّة الطفل الذي تحت إشرافها وذلك لأنّها غير معنيّة بالأمر, ولا تؤمّن له حاجته العاطفية كما تؤمّنها له الأم. أما الراديو والتلفزيون فإنّه يقوم مقام الأب والأم والمعلّم في تربية الطفل, فلا يؤمّن حاجته الروحية والعاطفية.
حاجة الطفل إلى الحضانة
إن إحدى نتائج الزواج هي إنجاب الأطفال, حيث يأتي الطفل إلى هذه الدنيا مصحوباً بالاستعدادات والقابليّات الكثيرة, والأم تحمل ثروة عظيمة حباها الله إيّاها بصورة فطرية وغريزية تحت اسم الاستعدادات والإمكانات, وهي بحاجة إلى وليّ ومسئول يستطيع تقديم العون لها وتوجيهها نحو الأهداف المرسومة لها في الحياة, والطفل يأتي تصور عما يجري في هذه الدنيا, لا يعرف الخطر والضرر ولا يعلم بما يحيط به من متناقضات, ونحن نرغب بأن ينمو هذا الطفل بسرعة ويحصل على متطلبات النمو والسلامة والكمال المستمد من تعاليم هداة الدين وقادة البشر الصالحين ليكون مظهراً من مظاهر الصلاح في المجتمع, فيسخّر البحار والجبال والوديان والسماء بواسطة اختراعاته لكي يصل إلى أهدافه, وهذا لا يكون إلا بإيجاد مناخ مناسب له من التربية والرعاية والإرشاد.
ضرورة رعاية الطفل
خلافاً للتصورات السائدة بأن الطفل يأتي إلى هذه الدنيا كصفحة بيضاء, فإننا نقول إن الطفل يحمل فطرة سليمة مقرونة بالميل إلى الوعي والرشد والكمال, وترك الطفل وشأنه بدون تربية ليس له الأثر الكبير على توقف تطوره ووعيه فحسب بل يسقط من حدود الإنسانية إلى حدود الحيوانية. فإذا لم يتمتع الطفل برعاية الوالدين ومحبتهما وعنايتهما فإنه يبقى بعيداً عن التقدم والتكامل, فلا يستطيع مقاومة الشدائد والطوارئ ولا تنمو قابلياته واستعداداته, فلا يستطيع مواصلة حياته بالشكل المطلوب, فهو يأتي إلى هذه الدنيا حاملاً على عاتقه أمانة إلهية, والآباء والمجتمع يتحملون مسؤولية جسيمة تجاهه ليوفّروا له الرعاية والحماية التي تضمن له التطور والاستعداد لمواصلة مسيرة حياته.
إن إدارة أمور الطفل تحتاج إلى فرد واع ومطّلع, وفي نفس الوقت يملك الرغبة والعلاقة الفطرية أو الاكتسابية في هذا الأمر, ولأنّ الطفل يأتي إلى هذه الدنيا وأول منزل له هو البيت وفي أحضان الأسرة, فهنا يجب أن يكون البيت مدرسة لبناء شخصيته ليوفر له المحبة والعطف ويهيئ له ما يحتاجه ويطلبه.
تقسيم المسؤولية
على أساس ما تقدم, فإن الطفل يحتاج إلى مراقبة وعناية في البيت, وهنا يبرز سؤال وهو : من يقوم بهذا العمل: الأم أم الأب ؟
والجواب: انه لا يوجد أدنى شك بأننا نحتاج إلى من يكفل الطفل الرضيع, يفهم ما يريد هذا الطفل, يربّي وينمّي استعداداته وقابلياته, يقوّي بنيته الجسمية ويبعد عنه الأذى, وفي رأينا انه من الضروري أن نربّي البنت وأن تنمى قابلياتها واستعداداتها في هذا المجال.
إن الله سبحانه وتعالى جعل من المرأة الدواء الناجح المفيد لآلام الحياة الأسرية, فأراد للمرأة أن تقوم بهذه المهمة الخطيرة في تربية الطفل ولتضفي طابعاً من السكون والطمأنينة على البيت.
أن أمهات اليوم فتيات الأمس يستطعن- وبمساعدة العون والمدد الإلهي- تربية رجال المستقبل وتوجيههم وهدايتهم إلى طريق الحق والصلاح. وعلى هذا الأساس فإن العمل الأصلي لنا هو أن نهتمّ بإعداد الفتيات إعداداً كاملاً لغرض ضمان سعادة الأسرة والمجتمع, والإسلام يوصي بتربيتهن وتوفير العوامل المساعدة لصلاحهن, ومسؤولية المربّي تجاه الفتيات هي أن يقوم بتوفير الأجواء المناسبة المملوءة بالمحبة والصفاء.
الفتاة والأمومة
إن الله سبحانه وتعالى أودع في البنت غريزة الشوق والاستعداد الكامل لكي تكون أمّاً فتقوم بتربية الأولاد, وقذف في قلبها الحب والحنان, وهذه الشعلة تبقى متوهّجة في قلب الأم لا تنطفئ مدى الحياة بالرغم من كل المعاناة التي تتحملها في تربية الأطفال وحضانتهم.
وعلى خلاف التصورات التي ترى بأن المرأة يجب أن تقوم بممارسة الأعمال الشاقّة والمرهقة في المصانع والمعامل, فإننا نقوم أن المرأة يجب أن تمارس الأعمال السهلة والظريفة إذا كانت بحاجة إلى ممارسة العمل. عليها أن تمارس الأعمال التي من شأنها أن توفّر لها الهدوء والسكينة. وعلى الرغم من كونها في حالات الاضطرار تستطيع القيام بالأعمال الشاقّة ولكنها لم تخلق لمثل هذا .
إنّ أفضل وظيفة تستطيع أن تقوم بها المرأة هي مسؤولية الأمومة حيث أن البنية الوجودية لها ترتكز على المحبّة والحنان, وفي أعماقها يمكن الشوق إلى أن تكون أماً. وفي قلبها ينبض الحب والشوق لتربية الأطفال وتوفير السعادة والطمأنينة للأسرة.
غريزة الأمومة
يرى علماء النفس أن لغريزة الأمومة عند الأمهات جذوراً وركائز فيسولوجيّة. وحسب الدراسات والبحوث المتعلقة بهذا الأمر تثبت أن هذه الغريزة من أقوى الغرائز لدى الأم, حتى أنّها أقوى من الرغبة في الأكل والشرب والرغبة الجنسيّة, وبشكل عملي نرى الأمهات يشتقن إلى العناية بأولادهن أكثر من الشوق إلى الأكل والشرب, وحتى إن الأولوية في المسؤوليات تنصرف إلى الأمومة أكثر مما تنصرف إلى رعاية المسؤوليات المتعلقة بالزوجية وشؤونها, وهذه الغريزة موجودة لدى الحيوانات أيضاً, فبعضها يحاول رعاية ومساعدة الحيوانات الصغيرة من صنفها والأنس بها.
أجل , نحن نرى أن المرأة تحب أن تكون أمّاً, وإذا ما رأينا في بعض البحوث أن عدداً من النساء لا يرغبن أن يكون لهن أولاد, فالعلّة ليست في كونهنّ لا يرغبن بأصل القضيّة, بل أن التحقيقات ذهبت إلى أن العلة هي طلب الرفاهية وقضاء الوقت بالسهرات الليلية واللهو, ولعدم القدرة على تحمل هذه المسؤولية, أو لتزاحم الأعمال الشاقّة أو بسبب التقاليد الاجتماعية السائدة التي ترى أن الطفل يسبب لها الإزعاج وسلب الحرية, فيحاولن الهروب من هذا الواقع.
أهميّة الأم
تكمّن أهمية الأم في دورها البنّاء في إصلاح وبناء المجتمع, فهي التي تقوم بتربية البراعم الصغيرة وتحفظها من الاعوجاج, حيث أن الأطفال سيتأثرون بسلوك الأم وأخلاقها. وإذا كانت الأم ليست على ما يرام من الناحية الأخلاقية فإن الولد لا يحصل على التربية المناسبة .
إن سلامة الفكر والجسم لدى الطفل ونمو قواه العقلية والجنسية له ارتباط وثيق بتربية الأم وعلى هذا الأساس فإن الإسلام أعطى أهمّية استثنائية للأمّهات, فقد أكّد على ضرورة تربيتهن والاهتمام بهن اهتماما خاصاً, لأن الأمهات يأخذن على عاتقهن مسألة تربية الأولاد.
والإسلام يعتبر الأم المعلّم الأول والمربي للطفل, وكيفما كانت فإن طفلها سيكون مثلها. والثابت لدينا أن أي مجتمع سواء كان صالحاً أم طالحاً, فإن صلاحه وعدمه مرتبط إلى حد ما بالأمهات, فإذا كان في المجتمع عيب أو نقص فإن للأمهات سهماً في إيجاد ذلك العيب, لأن الأطفال في أي مجتمع يمثلون انعكاساً لأخلاق الأمهات في ذلك المجتمع.
أهمية تربية الأمهات
نحن نعتقد أن مسؤولية الأم ومنزلتها لا تقلّ عن مسؤولية الوزير والمدير العام, وإن إدارة الأولاد ومسؤوليتهم لا تقل عن المسؤولية الإدارية. وعلى هذا الأساس, فإننا يجب أن نقوم بإعداد الفتيات إعداداً يستطعن من خلاله تحمل مسؤولية الأولاد وتربيتهم ومن الضروري تربية البنات بحيث يشعرن أن مسؤولية تربية الأولاد تعتبر هدفاً أساسياً في حياتهن, وليشعرن بدورهن في بناء الإنسان وهدايته فينظرن إلى أولادهن نظرة عطف ومحبّة, وفي حالة صدور زلّة أو خطأ صغير من طفلها فإنها يجب أن تعرف كيف تعالج هذا الخطأ.
إننا نعتقد بأنّه لا يمكن تحقيق أي إصلاح في أيّ بلد قبل أن نبدأ بإصلاح الأمهات وإعدادهن لكي يدركن كيفيّة تربية الطفل, وما هو الهدف من ذلك, ويجب أن نعتقد بأنه لو صلحت الأمهات- فإن الآباء حتى ولو كانوا سييء الأخلاق- فإن الأمهات بإمكانهنً ممارسة دورهن في تربية الطفل بعيداً عن تأثير الآباء, فيجعلن الطفل مطبوعاً بأخلاقهن لا بأخلاق الأب. وعندها يكون الابن انعكاساً لأخلاق الأم.
تثقيف الأم وأهميته
إن تربية البنت يجب أن تكون بشكل يؤهّلها لتربية أولادها وإعدادهم للقيام بمهام الحياة بحيث تضمن لهم السعادة والاستقرار, وهنا يجب أن لا تقتصر التربية على أن يتحلّى الأفراد بالسمعة الحسنة فقط بل يجب أن تكون لهم معلومات وإحاطة بما يجري في هذه الحياة بأن يكونوا حسني السمعة وذوي اطلاع وإحاطة بما يجري, يجب أن تتعلم الأم أسس التربية وفنونها, وأن تتحلى بصفات وإحاطة المحبة وتعلم كيف تستفيد من هذه الصفات, ويجب أن تعلم كيف تواجه المصاعب والمصائب في هذه الحياة.
إن الطفل يشمّ أول نسيم للمحبّة في أسرته, وهذا يأتي عن طريق الأم, حيث تهبّ ريح المحبّة والحنان من قلب الأم لتغمر وجود الطفل الصغير, والأم يجب أن تعلم كيف تشبع طفلها بالمحبّة والعطف وتعلم ماذا يجب أن تعلم طفلها وأيّ موقف تتخذه تجاهه, وكيف ترعاه إذا مرض وكيف ترشده إذا أراد القيام بأعماله.
يجب أن تكون عند الأم ملكة ذاتية تؤهّلها لتربية الطفل بحيث لا تحتاج إلى السؤال عمّا تعمل تجاه طفلها عندما تصدر منه إساءة أو عمل غير مناسب, يجب أن تربّي طفلها تربية يكون معها عضواً نافعاً في المجتمع, فلا تحتاج المرأة أن تبحث عن وظيفة أو شغل إداري لأنّ لديها مسؤولية أهم من ذلك, وإلا فإنّها ستفقد طفلها وهو أهمّ شيء في حياتها.
الأم والأعمال الإضافية
إن الأم بالإضافة إلى كونها أماً لأولادها, فهي يجب أن تقوم بدور الزوجة وتعطي الحياة الزوجية حقّها, فالزوج يلجأ ويحتمي بزوجته عندما تتكالب عليه مصاعب الحياة ومصائبها فتصبح الزوجة مأمناً وسكناً يجب عنده الطمأنينة وراحة البال, من جهة أخرى : فإن الإسلام أوكل مهمّة إدارة البيت ومسؤولية الأعمال البيتية للأمهات وعلى هذا الأساس, فإن الأم يجب أن تتعلم فنون إدارة البيت ويجب أن تتولّى هدايته, وتشجيعه, ومعاقبته إذا ما أصرّ على القيام بأعمال غير مناسبة. وإن توفّر له الحريّة مع معرفة حدود الحريّة .
أما في الأزمات التي تواجهها المرأة في حياتها, مثلا: عندما يموت زوجها أو تنفصل عنه, فيجب على الأم الاستمرار في تربية طفلها وتحمل هذه المسؤولية, وذلك بتأمين ما يلزم له من خلال ممارسة بعض الأعمال التي باستطاعة المرأة القيام بها كالخياطة والتطريز والحياكة حيث يقتضي الأمر أن يكون للأم إحاطة بهذه الأعمال.
الأم وصعوبات تربية الأولاد
ممّا لا شك في أن الأم تصرف أكثر وقتها في رعاية طفلها, فيأخذ منها هذا الأمر مأخذاً بما يتعلّق بشبابها ووقتها و...فإن وجود المرأة يصبح وقفاً لخدمة الطفل والعناية به, فالأم تضحّي بشبابها وحياتها ونومها وكل شيء من أجل طفلها, طبعاً في نفس الوقت فإن الطفل سيوفّر لأمّه البهجة والسرور فتذهب متاعبها وتتبدل إلى نشاط عندما ترى طفلها يلعب, فهو يمثل البلسم للجرح, وفي حالات الشدّة نرى الأم تحتضن طفلها ليكون لها سلوة يخفّف عنها آلامها ومعاناتها, حيث تتدخل هنا الفطرة لدى الجانبين فيتأثر البعض الآخر, ولا نغفل أمراً وهو أن الأم تتحمّل صعوبات وزحمات لا يمكن جبرها وتقديم ما يقابلها لها . لذا نرى الامام الحسن عليه السلام أثناء وفاة فاطمة الزهراء(سلام الله عليها), يمرغ وجهه على باطن قدميها وفاءً لها.