التضحية بالكماليات والترفيهات

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

إذا كان الزواج من أجل الراحة والمتعة جائزاً فيصبح حراماً بعد أن تصير المرأة أمّاً. يريد البعض من الزواج الوصول إلى غاية اللذّة والمتعة ولا عيب أو بأس في ذلك ولكن بشرط أن لا تكون هذه اللذة والمتعة على حساب الطفل وحياته ولا يؤدي إلى إهماله وهو ثمرة الزواج. وتعني الأمومة أساساً تقبّل القيود والمحدوديات. ليست القيود التي لا تطاق بل القيود الممزوجة بلذّة الحياة، إلا اللهم الأمهات اللاتي لا يشعرن بلذّة الأمومة.

يتغير مسار حياة الأم بعد ولادة الطفل ويأخذ شكلاً آخراً، فعليها أن تهمل كثيراً من راحتها ولذائذها من أجل حفظ النوع وستكون مضطرة إلى تقديم تضحيات كبيرة وتحتاج إلى طاقة تحمّل أكبر. فسيلحق أضراراً روحية ونفسية بالإضافة إلى أضرار المادية. إنّ جعل الوصول إلى اللذة والمتعة هدفاً للحياة لا يمكن تدارك أضراره التربوية وتلافيها.

واجبات الأم:

ذكرنا سابقاً أن ولاية أمر الطفل والقيام بشؤونه ليست خدمية ولا مجلبة للتعاسة وليست الأم التي تهتم بأمور ولدها متخلفة أو تعيش في القرون الوسطى، فلسن أمهات أولئك اللواتي يعتبرن الاهتمام بشؤون الطفل نوعاً من الخدمية يقيناً حتى إذا أنجبن أكثر من طفل فلن تنضج الأمومة عندهن ولو تحمّلن آلام الحمل والرضاع كراراً.

فالأمومة تعتبر واجباً مادياً ومعنوياً ومهمّة صعبةً. ويجب أن تنشغل الأم دائماً بالتفكير والتخطيط والبرمجة لتربية الطفل بشكل أفضل وكيفية السبل الكفيلة بذلك وما هي الأمور التي يجب تعليمها أولاً وما الذي عليها الامتناع عنه لمصلحة الطفل وتربيته.

تعلم الأم الواعية والمسؤولة أنه ليس في دنيا التربية أمرٌ لا أهمية له ولذلك لا تنظر إلى واجبات الأمومة بعين غير مكترثة ولكن تأخذ كل المسائل التربوية بجدّية.

ضرورة الكماليات والترفيه للأم:

يخطئ من يتصور بأن على الأم أن تهمل حياتها وتزهد في دنياها من أجل الطفل وتصبح كم نذر نفسه ووجوده من أجل الآخرين، بل لها الحق في أن تعيش ساعات من النهار أو الليل لنفسها، تفكر بحالها، وتهتم بشؤونها. تحتاج مثل الآخرين إلى الإستراحة والحياة الاجتماعية وهذا من الضروريات في حياتها. فإهمال هذا الجانب له عواقبه الوخيمة عليها. فيعتبر الشخص المنعزل ومن ليست له علاقات اجتماعية مريضاً وعلى أحسن الاحتمالات شخصاً ليس ذا هدف في الحياة وبالتالي يعتبر من الناحية العلمية انعزالياً شاذاً. فيجب أن نعيش مع المجتمع ولا نتلوّن بألوانه والمهم هو عدم إغفال الطفل وعدم نسيان مسائله التربوية.

ضرورة تحديد كماليات الأم:

يشكل تحديد كماليات الأم وملاهيها ضرورة من وجهات متعددة، فمن الوجهة الدينية لا يسمح الشرع المقدس بكثير من أنواع الكماليات والملاهي، ومن الوجهة الاقتصادية لا يتحمل اقتصاد الأسرة أي نوع منها. والناحية الثالثة يقتدي الطفل بالأم لكونها قدوة وأسوة و... الخ.

يكون الترفيه والكماليات مقبولاً بشرك أن يسمح به الشرع ولا يؤدي إلى ضياع العمر في التفاهمات. يلعب العقل والهوى معاً دوراً في الحياة ولكن يجب أن يتغلب دور العقل على الهوى.

بالنظر إلى الإنسان المسلم يجب أن يعيش من الناحية الاقتصادية حتى وإن كانت أسرته متمكنة ومرفهة اقتصادياً في مستوى متوسط في المجتمع لذا فليس له الحق أن يحلّق عالياً. وتعتبر مصاريفه إذا تجاوزت الحد المتوسط نوعاً من الإسراف والتبذير.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار جانب القدوة والأسوة فيجب أن نقول إن في الطفل حالةً من التقليد الأعمى فهو يقلّد كل حركة وسكنة يشاهد الأم تقوم بها فإذا كان فعلاً غير محسوب سيكون من الطبيعي تأثيره السلبي فيه وهذا ما يخالف الأهداف التربوية التي تتوخاها الأم.

والخلاصة، لا بأس بالسفر والترفيه، والنزهات مع مراعاة الحدود الشرعية، وبدونها ستكون الحياة حزينة ومملّة ولا ننسى في هذا الوسط ثمرة الحياة وتنحرف الأم عن واجباتها الأصلية وسيرها الطبيعي، فإذا أرادت أولاداً فضلاء يجب عليها أن لا تكترث ولا تعير أهمية لكثير من الكماليات والترفيهات وتمنع حتى طفلها عن بعض الملاهي والألعاب.

فن التضحية:

ليس من السهل التضحية بالميول والآمال القلبية وبالأخص للذين لا يقدرون على تحقيقها. فتسحق الأم هواها وتتغلب على نفسها في الوقت الذي تستطيع أن تحققها وتسلك سبل العقل والمنطق حيث يعتبر إنجازاً وفنّاً عظيماً. تكبل الإنسان القيود العائلية والاجتماعية وآدابها وتقاليدها فلا بد من إرادة قوية للتحرر منها. لا ينقاد الإنسان العاقل الواعي إلى الهوى والهوس النفسي مع ما فيها من اللذة الآنية والتي تعقبها الندامة الطويلة. فلا يشري الإنسان العاقل الندامة والحسرات الأبدية بلذّة سويعات قليلة.

يمكن الأم أن تمارس الفنون المفيدة والملذّة وفي نفس الوقت تتكسب بها مثل فن الخياطة، الحياكة، وغيرها من الأعمال التي يمكن القيام بها وهي إلى جانب الطفل مع راحة البال.

أضرار اللهو العشوائي:

تنير الأم وتهدي حياة أعضاء الأسرة وبالأخص الأطفال منهم فلا بد أن تألم لآلامه وتلازمه كروحه التي بين جنبيه. ولكي تنجح في تحقيق آماله وأمنياته الكبيرة عليها أن تتغاضى عن كثير من أمنياتها. فإصرار الأم على الوصول إلى كافة أمانيها وتحقيق جميع رغباتها يبعث على تثبيط الطفل وحرمانه وتعذيب روحه اللطيفة. فلا يؤدي الانطلاق بلا قيود إلى وخامة العواقب للأسرة فحسب بل إلى ضياع وتيه الشخص نفسه. يرتبط كثير من التحلل الاجتماعي والقسوة وعدم الاكتراث في أفراد المجتمع باللهو الشخصي والعشوائي للأمهات وإغفالهنّ لأطفالهنّ، لتفتح عينيها يوماً على واقع مر لا يمكن إصلاحه وإن أمكن فبمصاعب ومشاكل جمّة.

تحتاج الأم أكثر من غيرها إلى ترك عاداتها السيئة والانتباه إلى سلوكها وتهذيبه. وبدورها كمربية للطفل ستجعل الأخلاق السيئة والتعاسة والحيرة تلزمه طيلة حياته.

أخطاء الأمهات:

يحتاج الطفل بالفطرة إلى الحماية والمساعدة، ويفتقر إلى من يعينه ويشد عضديه. فسيتيه إذا فقد الحامي والمساعد. فإن أهملت الأم طفلها من أجل تفاهاتها ولهوها فما معنى الأمومة وما هي التربية؟!

يدفع كثيرٌ من أفراد المجتمع ضريبة تجاهل الأمهات وأخطائهن وبتأثير عدم اهتمامهن بأطفالهن ينشأ هؤلاء كالطحالب والأعشاب الضارة مملوئين بالعقد واللاهدفية في الحياة.

إن محاكاة كثير من الأمهات عادات الأخريات ويقضين أوقاتهن بالتفاهات والسهرات ومجالس اللهو بحجة قضاء يومهن في المعامل أو الدوائر الرسمية ولهن الحق في الترفيه عن أنفسهن، يسئن مثل هذه الأمهات إلى أطفالهن أبلغ الإساءة من حيث يشعرن أو لا يشعرن.

ليس من شأن الأمهات محاكاة الآخرين بإفراط، وقضاء الأوقات بالسهر والتفاهات، بل هي من خصائص المتحللين والمائعين فلا يليق بمقام الأمومة الشامخ أن تتهافت الأم على آخر الموضات والتفاهات المنحطة والسهرات الماجنة وأن تتظاهر بالملابس والحلي وتترك طفلها وتهمله، وأن تدع طفلها عند الآخرين لتقضي ليلها بالسهر في السينمات. فإن مسؤولية الأم أسمى من ذلك، فالأمومة تضحية وإيثار ونبذ اللذائذ والرغبات من أجل سعادة الطفل. وبالنهاية فالأمومة حب مطلق وعاشق ذائب في معشوقه وهو الطفل

خيانة الأم:

ليست أمّاً تلك التي تهمل طفلها ولا تهتم بشؤونه أو تدعه عند المربيات لتقضي وقتها بالسهرات ومجالس اللهو والمباراة بالملابس والحلي بل هي خائنة تتلبس بالأمومة.

ليست هناك خيانة أكبر من أن تحتضن طفلاً ضيفاً لها ولا تشعر اتجاهه بأية مسؤولية ولا تقيم له وزناً ولا تقوم بواجباتها نحوه. فالمربية والخادمة تعمل من أجل الحصول على المال والتي تكون كذلك لا تستطيع أن تمنح الطفل حنان الأم ولا أن تحلّ محلها. حقاً ماذا سيحتاج هؤلاء الأطفال وهم يستسلمون للنوم في أحضان الخادمة؟! وما هي همومهم؟ وما الذي يتمنونه ولا يستطيعون إبداءه ولا يتحقق لهم؟

يعتبر هؤلاء الأطفال أثناء النوم، الإفاقات المتكررة ليلاً، وسلس البول الليلي في الحقيقة نوعاً من الاعتراض والاحتجاج على مثل تلك الأمهات.