ضرورة استعداد الأب

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

المقدمة :

للأب دور محدود في العامل الوراثي وعلاقة الدم مع والده, وينتهي عادة بعد انتقال النطفة إلى رحم إلام, لكن دوره الرئيسي الذي يساوي دور إلام أو يفوقه يبدأ بعد ولادة الطفل بسبب بناء الطفل فكرياً وأخلاقياً, وسيكون مسئولا أمام خالقه عن تربية وليده وعن صلاحه وفساده.

لذا ينبغي على الأب أن يكون واعياً لمسؤوليته الشرعية, وأن يتعهد ببناء طفل على أفضل وجه. وقد تحدثنا في الفصل التاسع من هذا الكتاب عن مسؤولية التربية وحقوق الأطفال الأخرى التي تقع على عاتق الإباء.

وان سبب تناولنا لموضوع استعداد الأب هو لكي يبذل جهده وسعيه من أجل إرشاد ولده وهدايته.

 

العمل ومسؤولية الأبوة:

يعتقد الناس أن ممارسة الأبوة لا تحتاج إلى المعلومات وتعلم الفنون المختلفة, في حين أننا نعتقد أنها تمثّل فناً وتعتمد على الوعي والمهارة.

يجب أن يعي الشخص بعض الأمور قبل أن يصبح أباً, وسيحصل على المهارة من خلال عمله وممارسته لمسؤولية الأبوة.

فالأبوة فنّ يحتاج إلى العقل والتدبير والتخطيط والمنهج والهدف. وما البيت إلا مصنعاً لصناعة الإنسان . وان النجاح حليف ذلك الشخص الذي استعد لهذا الأمر.

تشمل التربية عدة مواضيع لا يستطيع أي إنسان أن يدّعي بأنّه يلمّ بها جميعاً بل إنه مضطر بتعلم فنونها الخاصة, وهذا يؤكّد بأنّ الأبوة إنما هي مسؤولية عملية تحتاج إلى الوعي والتعلم والمطالعة.

وبنظرة أخرى فإنّ الأبوة تمثل ائتمانا إلهياً. فالأب أمين الله, أمين خالقه ولا يمكنه التفريط بهذه الوديعة, ويجب عليه أن يبدي كفاءة عالية لهذه المسؤولية وإلا لثارت الشكوك حول هذه الأبوة . وقد نحاسب بسبب موافقتنا لتحمل هذه المسؤولية.

ليس صحيحاً أن يخدع الإنسان نفسه فيترك أولاده لشأنهم أو يضطرهم ليلجئوا إلى غيره . إذ لا يمكن إنكار الحقائق أبداً ونسيان المعاد والحساب والكتاب في يوم القيامة .فالخالق جلّ وعلا سيحاسبنا على هذه الوديعة إضافة إلى حساب الولد لوالده.

 

بناء النفس لأداء الوظيفة:

يجب أن نبني أنفسنا لأداء هذه الوظيفة, ويرتبط هذا الجواب بوجود الولد طبعاً. فصلاح الأب وفساده يؤثران على الطفل حتماً, وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله:" إن الله ليفلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده" . ويقول الإمام الباقر (ع) في هذا الشأن أيضاً:" يحفظ الأطفال بصلاح آبائهم".

نعم, على الإباء أن يهيئوا أنفسهم لهذه المرحلة وإنجاز هذه المسؤولية بأفضل وجه ويثبتوا مهارتهم وكفاءتهم .ولا يمكن تربية النشء تربية جيدة لتقرّ بهم العيون إلا من خلال تحمل هذه المسؤولية وعدم التهرب منها .

 

على طريق البناء:

لقد قيل الكثير عن الأمور التي يجب على الإنسان الاهتمام بها وبناء نفسه بموجبها. وسوف نشير فيما يلي إلى بعض منها:

1-  الوعي: ويمثّل الخطوة الأولى في حياة الإنسان الذي سيفتح عينيه ويفكر بحاله والظواهر التي تحيط به وكيف يمكنه أن يعيش حياة مستقرة وسعيدة, ويتخذ المواقف المختلفة.

للوعي ميدان واسع للغاية . إذ انه يشمل معرفة النفس والظواهر المختلفة ومعرفة المنزلة وقيمة ذلك, ومعرفة الدين أيضاً وتعاليمه المختلفة وسيبقى الإنسان قاصراً عن تربية الآخرين ما لم يعرف نفسه ودوره ومنزلته.

إن افتقاد الوعي يعقّد العملية التربوية ويفشلها. ويمكن اكتسابه من خلال اللجوء إلى أصحاب الخبرة والكتب والمؤلفات وإلى الذين اجتازوا هذا الامتحان بنجاح باهر خاصة أولئك الذين تمكنوا من بناء أولاد صالحين ومفيدين لمجتمعه .

2-  توفير اللقمة الحلال: للطعام دور مهم جداً في بناء الإنسان ويجب على من يريد الترقي في سلم البناء والصلاح أن يهتم بما يأكله, واللقمة الحلال توفّر أسباب العديد من النجاحات.

كيف يمكننا أن نطهّر نفوسنا وننزهها ونسير بها في طريق الخير الصلاح ونحن نتناول طعام الشبهة ونلبس الشهرة ونسكن في منازل مغصوبة ونعيش في أجواء فاسدة ومنحرفة.

فالنفس الملوثة لا تدعو أبداً وإذا ما دعت فلا يستجاب لها, ولا يمكن ربط علاقة جيدة بينها وبين خالقها.

كما يؤثر الطعام على النطفة وعلى تأثير الكلام, فكيف سيكون ذلك الإنسان الذي سينشأ من نطفة معقودة من طعام حرام أو شبهة, وما هي خصائصه وسماته؟

ويجب الاهتمام أيضاً بطعام الولد بعد ولادته من نطفة طاهرة لتأثير ذلك على تربيته وخلقه وصفاته . إذ إنّه سيكون مستعداً للانحراف الخلقي والسلوكي فيما لو نشأ على الطعام الحرام.

3-  الإيمان والاعتقاد: ثمة ملاحظة مهمة في هذا الموضوع وهي أن إيمان الأب بالحساب والكتاب والمعاد والجزاء وعواقب الإعمال, وإيمانه بوظيفة الأبوة والائتمان الإلهي, يؤثّر بشدّة على تربية الطفل.

فالأب الذي لا يؤمن في جميع تصرفاته بأن الذي يراقبه خالقه لا يمكنه أن يجدّ ويسعى في تربية أولاده , ولا يشعر أبداً أن هذا المولود هو جزء منه وأنّه مسؤول عن مصيره ومستقبله.

ولا يثق مثل هؤلاء الأولاد بآبائهم لأنهم لا يرتبطون بهم إيمانياً وعقائدياً وسوف لا يمتثلون إلى أوامرهم.

فالإيمان عامل ضروري لتوفير الأمن وثقة الأب بالطريق الذي يسلكه, ويوفر أيضاً تصديق الولد بما يسمعه من والده ويشاهد.

4-  العمل: يعتبر الأب القدوة لولده ومثال عمله, فما يفعله الأب يمثل حجة لطفله الذي سيقلده في ذلك العمل نفسه- سواء أكان حسناً أو سيئا- وما أكثر الإباء الذين يقدمون لأولادهم نماذج فاسدة بعمله وسلوكهم ويؤدي ذلك إلى فساد الطفل طبعاً.

فالإباء مسؤولون عن عمل أولادهم, وان ما يقومون به مثل درساً لهم, لذا يجب أن تكون تصرفات الإباء حكيمة خالصة من جميع الشوائب, وأعمالهم هادفة وتصب في طريق رضا الخالق وتقوم على التعاليم الإلهية حتى يتمكن الطفل من السير في طريق الخير والسعادة .

5-  الاهتمام والحذر: يجب على الأب وهو يمارس مسؤوليته أن يحذر الإصابة بالابتلاءات لأن الأمراض والمفاسد والإدمان على المخدرات تؤثر على الأطفال, ويرتبط العديد من أسباب النقص العضوي والجسدي والتخلف العقلي والإمراض المزمنة بالوالدين وإصابتهما أو أحدهما بالسفلس والإدمان على الكحول والمخدرات قديماً وحديثاً.

حري بالأب أن يكون صادقاً مع نفسه على الأقل لينجح في تربية ولده, وأن يقوم- دون خجل- بإصلاح عيوبه والابتعاد عن الحرام, وأن يعتصم بخالقه من خلال عبادته ويستعين بالقرآن كي يتمكّن من إيجاد ملكة التقوى لدى أولاده.

كما يجب على الأب أيضاً أن يبني ذاته ويحذر سوء الظن وحب الجاه وضعف النفس والتكبّر والغرور ويستعيض عن ذلك بعزة النفس والوقار والهمة العالية والعقل والحلم والعلم والشجاعة, وأن يضع نصب عينيه طلب الخير للآخرين وحسن الظن بهم وذلك لتأثير هذه الصفات على روح الإنسان وبنائها بناءً قوياً وسليماً وانتقال تأثير ذلك إلى أولاده.

 

نتائج الإهمال :

ثمّة نتائج مرّة تنتظر الإباء الذين لا يملكون الاستعداد الكافي لتربية أولادهم فيلجأون إلى تصرفات متناقضة.

والأسوأ من ذلك هي حالة الإباء الذين لا يثقون بأنفسهم فيسيرون بخطوات متزلزلة على صراط التربية بسبب عدم استعدادهم وتهيئة أنفسهم.

فالتربية هي خلق وحياة أخرى, ومن جانب آخر فهي أشبه بالمعجزة التي لا تحدث أبداً إلى أن تخلو تربية الأب من العيوب. وسيجلب الذين لم يتهيأوا لهذا الأمر المصائب والويلات لهم ولأولادهم ولمجتمعهم .

إنّ قبول وظيفة الأبوة قد لا تحتاج إلى تمرّن واسع لكنّها بحاجة إلى عقل سليم وشعور بالمسؤولية نابع من الضمير الحي واليقظ. ولا ينفع التعلم والتبحر في مجال التربية ما دام ذلك الشخص يفتقر إلى ضمير حي.

 

تحذير مهم:

علينا أن نجهد كثيراً ونحن نعيش الحياة مع أطفالنا لمعرفة أنفسنا وصفاتنا الايجابية والسلبية وأفضل أسلوب لنفع الآخرين. فمن حق الولد الذي ننوي تربيته أن نعالج أمراضنا الخلقية واضطراباتنا العاطفية والعصبية. فالغضب وعدم الصبر يؤثران بسرعة على أولادنا في حياتهم الآنية والمستقبلية .

وأخيراً يجب أن لا ننسى بأننا مسؤولون عن أعمارنا وسوف نسأل عنها يوم القيامة . وفي هذا المجال جاء عن رسول الله (ص) قوله:" إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع, عن عمره فيمه أفناه, وعن شبابه فيمه أبلاه".