حدود القوة والحسم
الكاتب:الدكتور علي القائمي
الهدف من الاقتدار:
قلنا في الفصل السابق انه لا بدّ من الاقتدار, وان الهدف منه هو أن يهاب الطفل والده ويلتزم بالامور التي تدخل في مصلحته.
فالغرض هو أن ينشأ الطفل منضبطاً من أجل أن يتمكن هو الوقوف على قدميه في معترك الحياة. لذا فإن القوة لا تعني أن يشفي الانسان غليله أو يطفئ غضبه.
ولا نستهدف من القوة, الطاعة العمياء الا في حالات خاصة عند مداهمة الاخطار والمصائب, وهي رغم ذلك تصب في مصلحة الطفل ولا بدّ من القيام بتلك الخطوة. فالمهم هو الطاعة مع الادراك والتمييز لكي لا يلجأ إلى العناد والعصيان.
أنواع الاقتدار:
يمكن للاقتدار الممارس في الاسرة أن يكون على صورٍ عديدة منها:
1- الاقتدار المصحوب بإشفاء الغليل والعنف والنوايا السيئة.
2- الاقتدار الكاذب الذي يصاحبه فراغ مفتعل.
3- الاقتدار العقلاني الذي يتناسب مع قابلية الطفل واستعداده وإدراكه وصبره.
وفي هذا النوع الثالث من الاقتدار لا يكون الاب قاسياً إلى الدرجة التي يفرّ منه الطفل, ويتمنّى موته, ولا يكون لاأبالياً إلى الحد الذي يترك كل شيء بحيث يرى بأن له مطلق الحرية في القيام بأي عمل يشاءه.
إن الطفل بحاجة إلى ذلك الاقتدار الذي يزرع في قلبه الايمان فيصدق بأن حقّه هو ما يملكه, وما هذه الضغوط الا لصالحه فيجب أن لا يقاومها.
إطاعة القانون لا الفرد:
سوف تبلغ العملية التربوية ذروتها لو تمكنا مع دفع الطفل إلى إطاعة القانون لا الاشخاص, فالسبب في إطاعته لوالده هو أن يمثّل القانون ويحقق العدل والانضباط. وهذا ما يحتاج إلى فتره زمنيه لتحقيقه.
فالاب العاقل والخبير والمتزن لا يمارس الاستبداد مع أولاده ولا يلجأ إلى إظهار قوته والاعتداد بشخصيته أمامهم. فالمهم أن يكون هادياً وموجهاً لطفله, وأن يفهمه بأنّه مضطر لرعاية القانون من أجل تحقيق الاهداف وتوفير الحاجات. ولذا نراه يحمل في ذهنه مشروعاً للانضباط, ويعرف متى تستوجب المؤاخذة ومتى ينبغي ترك الطفل وشأنه.
ليس صحيحاً أن ينظر الاطفال إلى والدهم بأنّه كائن مخيف وخطير أو كما يرد في القصص بأنّه عفريت! . ففي هذه الحالة ستصاب قواهم الكامنة بالجمود فلا تنطلق ولا تنمو استعداداتهم بالشكل المطلوب.
جذور الاستبداد:
ثمة آباء يلجئون الى الاستبداد داخل محيط الاسرة ويسعون لفرض سيطرتهم على أولادهم رغم علمهم بأن هذا الاجراء يضر الاولاد ولا ينفعهم. ويمكن الاشارة إلى جذور الاستبداد بالنقاط التالية:
1- فقدان القدرة على إقامة علاقة صحيحة مع الاولاد وباقي أفراد الاسرة بسبب عدم الكفاءة.
2- رغبة الاب المفرطة بنمو أطفاله ووصولهم إلى مرحلة الكمال بأسرع ما يمكن.
3- حمل الاب لأفكار خلاصتها أنه كان محروماً ولا معيل له ويجب أن لا يكون أطفاله كذلك.
4- حمل الاب لعقد عديدة بسبب مشاكله خارج البيت فينقلها إلى داخله.
5- فقدان القابلية على الصبر والتحمّل بسب الضعف العصبي أو لأسباب أخرى.
وبشكل عام, فالذي يتسم بهذه الصفات يكون ذليلاً ومقيداً وعبداً رغم تشبهه بالحر. فقد جاء عن الامام الصادق (ص) قوله:" إن الحرّ حرّ في جميع أحواله, إن نابته نائبة صبر لها, وإن تراكمت عليه المصائب لم تكبره... وكذلك الصبر يعقب خيراً فاصبروا ووطّنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا".
فالاباء الاحرار ينبغي أن يكونوا دواءً لداء أولادهم وأن يواسوهم في شعورهم بالألم ويبعدوا عنهم الصدمات النفسية.
تصور الولد لوالده المستبد:
لا ينظر الطفل إلى والده المستبد نظرة إيجابية, إذ يعتبره كائناً مخيفاً وإنساناً ينبغي الفرار منه. ويلجأ إلى الكتمان والحيلة إزاءه. ويحذر كثيراً منه حتى لا يطّلع على أسراره.
ويصف هؤلاء الاولاد أباهم للآخرين بأنّه ظالم وعصبي المزاج ويستخدم الضرب دائماً. ويصورون الحياة التي يعيشونها بأنها عذاب وشقاء.
ويرغبون بالتخلص من شرّه, بل ويتمنون أحياناً موته. أمّا الانضباط الذي يمارسه هؤلاء الاباء فلا فائدة فيه لأن الطفل سوف لا يستخدم عقله أبداً.
وبعبارة أخرى فإنّه يعتبر عقله وإرادته تابعين لعقل والده وإرادته, ويهمل كل ما يرتبط بإدراكه شخصياً.
إنّه ينظر إلى والده بأنّه ظالم ومستبد ويلتذ بممارسة الظلم ولا يهتم به أبداً.
تدخلات الاب:
ينبغي أن يتدخل الاب في شؤون أولاده من أجل أن يمارس وظيفته في الاشراف والمراقبة, وبغير ذلك ستتعثر العملية التربوية ولا يمكن تحقيق الهدف المطلوب بشكل كامل. لكن الشيء المهم في الموضوع هو حدود هذا التدخل وكيفيته.
بشكل عام, يجب الاشارة إلى هذه الملاحظة, وهي أن التدخل الدائم للأب يكشف عن ضعفه لا قوته واقتداره لوجود احتمال لجوء الاطفال إلى العصيان والانحراف, فلا يتم البناء والتكامل بالشكل المطلوب. فهو سيقضي على طفله من خلال الافراط في التدخل ويحطم شخصيته.
ينظر الطفل لوالده الذي يتدخل في كلّ شيء بأنّه يزاحمه ويمنعه من القيام بفعالياته كما يجب, وإنّه كالاسير الذي يكون مقيداً في حركته. وسوف يصاب مثل هؤلاء الاولاد بمختلف أنواع العقد, فيلجئون إلى العنف والانحراف.
لذا يجب الاهتمام بالنقاط التالية:
1- حاولوا التقليل من التدخل.
2- ليكن تدخلكم غير مباشر.
3- مارسوا التدخل عند الضرورة, ومتى ما انعدمت السبل الاخرى.
4- لا يكن تدخلكم دائماً ومستمراً, فمثلاً لا تسمحوا للطفل بأن يشعر بوجود من يراقبه في لعبه.
5- ليكن الهدف من التدخل هو هداية الطفل وإرشاده.
فرض وجهات النظر:
يجب أن يشعر الطفل بالتعب والتثاقل بسبب الاوامر والتعليمات التي يصدرها الاب . وكذلك يجب أن لا يتصور الاب بأن أوامره واجبة التطبيق والتنفيذ.
إنه طفل وعنده رغبات عديدة, ويصاب بالنسيان ويحتاج إلى ميدان ليمارس عمله, وهذه كلّها أمور لا بدّ أن تؤخذ بنظر الاعتبار.
إن بعض الاباء يصرّون على أن يمارسوا نفوذهم, في الاسرة فيخضعونها لأوامرهم ونواهيهم. وهذا مطلب مشروع ولكن بشرط أن يدركوا بأن السيطرة على البيت لا تتحقق من خلال الاوامر والنواهي فقط. فما فائدة أن يفرض الاب وجهة نظره على أولاده من خلال القوة والعنف فتكون النتيجة جيلاً خائراً وضعيفاً.
إن تحميل الطفل فوق طاقته واستخدام الاب لاقتداره يدفع الطفل إلى تمنّي الموت لوالده, أو أن يقف بوجهه عندما يكون قادراً على ذلك. وحتى لو نجح الاب في أمره ونهيه الا أن والده سيكون إنساناً مسلوب الارادة وعديم الدور.
من جانب آخر فإن الاستسلام والطاعة الكاذبة تقضي على إمكانية أي ابتكار أو اجتهاد عند الطفل فيكون جاهزاً للانفجار في أية لحظة بسبب العصيان الكامن فيه. وسوف ينشأ هؤلاء الاولاد نشأة سيئة ويكونون مهيّئين لممارسة مختلف الجنح. وقد أظهرت التجارب أيضاً بأنّهم سيكونون أذلّاء وضعفاء وقساة وتافهين في مستقبلهم.
نوع الاوامر والنواهي:
من الخطأ أن نطالب الولد بالطاعة العمياء أو نجعل طاعته وسيلة لإرضاء إحساسنا وشعورنا بالفخر. إنّه لم يولد ليطيعكم, بل يحتاج إلى توجيهاتكم وإرشاداتكم.
وثمة أصول ينبغي مراعاتها عند إصدار الاوامر والنواهي منها:
1- استخدام المنطق والدليل إذا أمكنكم.
2- إفهام الطفل بأن الهدف هو سعادته فقط ولا يوجد أي غرض آخر.
3- أن تكون الاوامر والنواهي من النوع الذي تؤمنون به وتلتزمون به.
4- أن يدرك الطفل بأنّه سيتضرر فيما لو لم يلتزم بهذه الاوامر والنواهي.
5- لا تجعلوا الطفل يضيق ذرعاً بها فيلجأ إلى العصيان.
6- لا تكرروا الاوامر والنواهي, فالهدف هو أن تستمر الحياة بشكلها العادي ولا إكراه في الامور.
7- احذروا أن تكون الاوامر والنواهي فوق طاقة الطفل حتى وإن لم يلجأ إلى العصيان والتمرّد.
8- أن يتذوّق الطفل عقوبة عدم التزامه بالاوامر والنواهي المهمة ويدرك بأن الهدف من العقاب هو خيره وصلاحه.
وقد ورد عن الامام الصادق (ع) في حديث له بهذا الشأن قوله:" ..يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ولا يخرق به".