مسؤولية التربية

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

حق التربية :

لا يمكن للطفل أن يتجنب محيط الأسرة, فهو مضطر للعيش ضمن هذا الوسط, ويجب عليه أن يلتزم بالقوانين ويصبر عليها.

ويبرز في ظل هذه الظروف حق الطفل, فلا بدّ للوالدين من أدائه ولو ضمن ذلك المحيط على الأقل.

فالتربية هي أهم حق للطفل ضمن الوسط الذي يعيشه . وتقع المسؤولية المباشرة على الأب, ويجب عليه أن يربيه بحيث يكون إنساناً مفيداً ونافعاً في المجتمع . وتختلف استعدادات الأطفال في قبول التربية, ولا بدّ من مساعدتهم لكي يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم وبناء ذواتهم ومجتمعاتهم.

 

مسؤولية الوالدين:

إنّ أعز ما يملك الوالدان هو الولد, ومن الطبيعي أن يميلا إلى الاهتمام به على طول سني حياته, ويفرض العقل والأخلاق أيضاً أن يقوم الوالدان بتربية ولدهما.

فلا يجوز أن يكتفي الوالدان بالتفضّل على طفلهما في مجال المال والطعام فقط, ولا في قيامهما بتمليكه أرضاً أو بيتاً منذ اللحظة الأولى لولادته للتعبير عن اعتزازهما به والتفكير بمستقبله مادياً فقط. فهذه الأمور ليست مهمة إزاء موضوع التربية, فقد جاء عن أمير المؤمنين الإمام علي (ع) قوله:" ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن".

نعم, فالأدب الحسن هو أفضل ميراث, وهو خير ما يورثه الإباء لأبنائهم . لذا يجب عدم ترك الأطفال وشأنهم, وان العملية التربوية مهمة للغاية, وتقع على عاتق الوالدين المسؤولية الكاملة في ذلك.

ينبغي على الأب وإلام أن يوفروا كل ما يحتاج إليه الطفل لنموّه وأن يهتمّا بهذا البرعم الجديد منذ اليوم الأول لولادته.

 

مسؤولية الأب في هذا الطريق :

إنّ الأب وإلام مسئولان معاً عن تربية طفلهما وأداء حقوقه, لكن المسؤولية الأكبر والمباشرة تقع على الأب في هذا المجال, فهو المسؤول الأول عن تربية أولاده إسلامياً, ومسئول في نفس الوقت عن عواقب هذه التربية سواء كانت إيجابية أو سلبية.

حري بالأب أن يهتمّ بأطفاله حتى يكونوا مؤمنين ملتزمين نافعين في ذلك المجتمع, ولا يجوز له التهرب أبداً من تلك المسؤولية حتى في المرحلة الجنينية للطفل وعليه أن يهيئ الأجواء المناسبة منذ تلك المرحلة.

فالأب رب أسرته وهو الأمرس والناهي فيها والمراقب لأخلاق أفراد الأسرة والمرشد والموجّه. وهو المسؤول طبقاً لهذه القاعدة عن نمو الأولاد وبنائهم وسعادتهم وصلاحهم وإرشادهم نحو طريق الخير.

ولا تختص مسؤولية الأب في البيت بالجانب الاقتصادي وتوفير الحاجات الحياتية فحسب, بل إنّه مسئول عن تهذيب أخلاق أفراد أسرته وتوجيههم وبنائهم ذلك البناء المعنوي الصلب الذي يمكّنهم من مقاومة الصعوبات والشدائد, وأن يعبّد لهم الطريق ويقدّم لهم ما ورثه من الثقافة, ويوجد عندهم العادات والصفات الحسنة ويهتم ببنائهم الجسدي والنفسي, ويجتهد في تأديبهم, ويمنع انحرافهم. كما ينبغي عليه أن يوفر لأولاده مقدمات عفّتهم وطهرهم وأن يكون قدوة لهم في القول والعمل.

وللأمّ دورٌ مهمّ في هذا المجال أيضاً, لكن مسؤولية الأب أوسع بكثير من مسؤوليتها. ولكي تتكلّل الجهود بالنجاح لا بدّ من تعاون الأب وإلام والتفكير معاً وبذل جهدهما لإنجاح العملية التربوية .

 

الأهداف والمقاصد:

إن التربية مطلوبة بنفسها, وذات هدف في نفس الوقت. وينبغي على الأب أن يجعل الهدف نصب عينيه دائماً, ويدخل في هذا الهدف موضوع نشوء الأطفال وتكشف الإبعاد الإنسانية في الشخصية وتوفير الحريات الأساسية وإيجاد المناخ الملائم لاحترام حقوق الإنسان.

على الأب أن يسأل نفسه عندما يهتم بتربية أولاده وبنائهم, ما هي أفكاره في هذا الشأن والخطوات التي لا بد أن يسلكها؟ وبخلاف ذلك ستكون التربية غير هادفة ما لم تتخذ الخطوط الفكرية الرئيسة للأب وتتضح عنده الحقائق.

ولا توجد أية حاجة لتحديد أهداف عديدة ومعقدة كتلك التي تطرحها الأنظمة والمناهج التربوية, لكن عليه أن يفهم بعض المواضيع المهمة التي تمكنه من اتخاذ المواقف المناسبة عندما تواجهه الحوادث المختلفة.

 

البرنامج التربوي:

لا بدّ أن تقوم التربية في محيط الأسرة أو المدرسة أو المجتمع على برنامج واضح يشمل جميع الإبعاد الحياتية والجوانب الفردية والجماعية المختلفة, وأن يراعي هذا البرنامج القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ينبغي أن نعلّم الطفل أموراً يستفيد منها مستقبلاً في حياته الفردية والاجتماعية. وأن تشمل هذه الأمور الجوانب الدينية والأخلاقية والآداب والتقاليد الجيدة والفن والأدب وقيمة المال والطرق الصحيحة للحصول عليه والمهن الشريفة ولقمة العيش والقوانين والأحزاب ومفهوم الحرية وغير ذلك.

ولا بدّ لهذه التربية أن تهتمّ بتنمية طاقات الطفل واستعداداته حتى يتمكن من السير في طريق تكامله. وتقع على الأب أيضاً مسؤولية تنمية الفطرة والأخلاق والسلوك الوجداني النزيه. فالطفل لا يولد كاذباً أو منافقاً أبداً فيجب على الأب أن ينمّي أخلاقه الحسنة ولا يسمح بتلوث قلبه وروحه فيزول صفاؤه ونقاؤه .

وهذا هو عمل الأنبياء, فينبغي على الإباء أن يواصلوا هذا العمل "فبعث فيهم رسله, وواتر إليهم أنبياءه ليستأ دوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته..." نهج البلاغة [1].

 

أساليب وفنون التربية :

جدير بالأب أن يكون على علم بالأساليب التربوية فهو المسؤول عن تربية طفله وتعليمه. وبتعدد الأساليب والفنون التربوية, يجب أن تنصبّ الجهود في مجال التعليم على أفضل وجه وأكبر كمية ممكنة وبفترة زمنية قياسية.

أمّا في المجال التربوي فلا بدّ أن تبذل الجهود في سبيل إيجاد تغييرات جذرية عند الأشخاص حتى يقتنعوا بما هو مطروح ويلتزموا به ويبتعدوا عن الأساليب المنحرفة ويشعروا بالندم عند القيام بها .

وينبغي على الأب أن يعلم كيف يتعامل مع طفله وما هي القصة التي يسردها له وأفضل أسلوب للتأثر بها .

فالطفل لا يعلم ابتدءا أي شيء عن الحقائق الأخلاقية والسلوكية ولا بد أن يقوم الأب بتوضيح هذه الحقائق من خلال سلوكه وعمله وينقل إليه التعاليم الأخلاقية . وتقع على الأب أيضاً وظيفة إيجاد حالة التفكر لدى الطفل حتى يستخدم عقله واستدلاله المنطقي وليكون مهتماً بمستقبله.

والنتيجة فإن الأب هو الأكثر نجاحاً في مجال تربية ولده فيما لو عرف مسؤولية وأتقن ممارستها.

 

ضرورة الاهتمام:

تحتاج التربية إلى اهتمام بالغ وحرص شديد ولا يكفي الزمن وحده في هذا المجال, بل لا بدّ من اليقظة والحذر. فالأب الواعي والمؤمن يضحي حتماً من أجل تربية ولده ويا حبذا لو زاد على ذلك بتقييم نتائج مجهوداته.

ويدرك الإباء يتصرفون بحكمة- حتى ولو كانوا أميين- أنه لا يمكن ترك الطفل وشأنه لحاجة التربية إلى اهتمام كبير, وعليه أن يرضى بدخلٍ منخفض في سبيل أن يوفّر وقتاً أكبر لتربية أطفاله وليكون كالظل الذي يرافق الإنسان أينما يذهب.

 

صعوبة المسؤولية:

فالتربية ستكون يسيرة فيما لو تعامل الأب مع أولاده تعاملاً منطقياً في تحقيق وظائفه, وإلا لواجهته الصعوبات والمشاكل.

وفي عصرنا الحاضر رغم سهولة هذه المسؤولية إلا إنّها ستبقى صعبة أيضاً. فليس يسيراً أن نتمكن في عصرنا الحاضر والمرحلة التي نعيشها من تربية أولاد صالحين وزاهدين ومؤمنين يمكنهم أن يضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل أهدافهم الإلهية المقدسة وذلك بسبب مشاكل الحياة والمفاسد التي تهدد المجتمعات والعوامل العديدة التي تؤثر على الأطفال وتغريهم.

ويضع الأب الخطوة الأولى في مجال التربية منذ أن يختار زوجته, ويواصل عمله هذا حتى 21عاماً بعد ولادة الطفل, ويجب عليه أن يرافق طفله طيلة هذه المرحلة خطوة خطوة ويستخدم خبراته ووعيه وما أوتي من فن في هذا الطريق. مع اعتباره عملاً شاقاً ويحتاج إلى الصبر.

 

مخاطر القصور والتقصير:

إن التسامح والتقصير في التربية يؤدي بلا شك إلى إيجاد صعوبات عديدة في مجال البناء. إذ سيراوح الطفل في مكانه ولا يمكنه التقدم وفق ما هو مطلوب. فاليتيم ليس من فقد أمّه وأباه وإنّما الذي يفقد مرشده في العلم والأدب.

فلو قصّر الإباء في تربية أولادهم لأوجدوا المناخ الملائم للعديد من الانحرافات . وما المنحرفون في المجتمع إلا هم – في الحقيقة- أولئك الذين لم يتربّوا جيداً خلال سني طفولتهم وسيلعن المجتمع مثل هؤلاء الإباء إضافة إلى لعنة الباري جلّ وعلا.

والخلاصة فإن الأب مسؤول أمام خالقه فيما لو قصّر في تربية أولاده الذين سيشكونه عند الله جل جلاله فينال جزاءه العادل.

 


 

[1] - نهج البلاغة .