منزلة الأب
الكاتب:الدكتور علي القائمي
مقدمة :
لا يوجد شك أن طلب الولد واستمرار النسل هو من أهل أهداف الزواج وبناء الأسرة . وعندما نتمعّن في الروايات الإسلامية نراها تذكر شروطاً معينة , على الزوج والزوجة بأن يطلبا الولد لدى إقامة العلاقة الزوجية بل ذكرت أدعية خاصة لدى ممارسة العلاقة الجنسية .
ويذكر الإسلام في مجال اختيار الزوجة شروطاً منها التزوج من الولود والابتعاد عن العقيمة , فالأصل هو طلب الولد, ويجوز الطلاق- رغم كراهته- فيما لو كان أحد الزوجين عقيماً.
وتؤكد الأحاديث التي تقرأ عادة في مراسم الخطبة والزواج على تكثير النسل:" تناكحوا, وتناسلوا, وتكاثروا.... " وجاء في القرآن الكريم على لسان زكريا دعاؤه :" وأني خفت 00000فهب لي من لّدنك وليّا " [1].
وأخيراً فثمة أحاديث كثيرة توصي الرجال الصالحين والنساء الصالحات بتوفير المقدمات للحصول على الولد, حتى أنّ القرآن الكريم عبّر عن موت الرجل الذي لا يملك ذرية بالهلاك .
أشارت دراسات علماء النفس أنه لا توجد غريزة تسمّى بالأبوة, فعلاقة الأب مع ولده والدفاع عنه لها بعداً ثقافياً ودينياً وأخلاقياً لكنه يبقى هناك شعور لدى الرجل بأنه أصبح أباً.
فالأبوة هي شعور لدى الفرد, والطفل هو كالغذاء الروحي لوالده .
حيث يدرك الشخص الذي أصبح لتوّه أباً بأنه أصبح ألان ذي مكانة خاصة لم يكن يملكها من قبل ولا يملكها العزّاب أيضاً.
ويتجلّى له هذا الشعور أنه أصبح إنساناً كاملاً وقادراً على العيش مرفوع الرأس .
فالأبوة تهب الإنسان شعوراً بالقوة بحيث يرى في نفسه الكفاءة الكاملة لنيل احترام الآخرين . ولا يصبح الرجل رب أسرته إلا في ظل الأبوة, ويرى في نفسه القابلية واللياقة والجرأة والشجاعة للتخطيط للحياة من أجل سعادته شخصياً وأفراد أسرته .
أهمية الولد للأسرة :
من جانب آخر, فالولد يمثل نعمة للأسرة لقيامه بالتقريب بين الأب وإلام وزيادة الألفة بينهما ورفع منزلة كل طرف لدى الأخر . كما أنه يهب الدفء والنشاط إلى الأسرة ويبعد عنها المشاكل والاختلافات ويقصر الأيام الطويلة بسبب تسلّي الوالدين بطفلهما .
ويعزز الولد مكانة الأسرة ويكون سبباً في استمرار الحياة, وبواسطته تتقوّم الأسرة, ويبرز هذا بوضوح عندما يتجاوز عدد الأولاد الواحد والاثنين لاستئناس الوالدين بهم .
وتطرأ تغييرات معينة في شكل الحياة ومحتواها بسبب ولادة الطفل الذي سيلفت الأنظار إليه . فما أكثر الصعوبات الحياتية التي ستختفي بسبب حضور الأطفال, وما أكثر المشاكل التي ستحل بسببهم أيضاً, والتجارب والخبرات التي ستكتسب .
جاء عن أحد العظماء قوله : (( لقد عرفت الخالق جيداً عندما أصبحت أباً )).
يفرض وجود الطفل على الوالدين بذل الجهد ويهبهما الأمل والدفء والنشاط . فما فائدة سعي الوالدين لو لم يملكا ولداً؟ لاقتصر جهدهما ونشاطهما على أنفسهما فقط مع شعورهما باليأس الدائم . فالطفل الذي هو بمثابة نتاج جهد الأبوين يعدّ نوعاً من الأجر والمكافأة لهما .
شروط الأبوة :
يؤدي الزواج إلى تسكين الغرائز وتنظيم الحياة وتحقيق المودة والرحمة والمحافظة على النسل . وقلنا إنه وردت تأكيدات عديدة على التكاثر وامتلاك الأولاد . لكن الموضوع ليس بهذه السهولة والبساطة, إذ لا بدّ من الحذر والالتفات إلى ثقل المسؤولية في المرحلة القادمة .
إن ممارسة الأبوة والقيام بالوظائف الإسلامية في هذا المجال تعتبر عملية معقدة جداً . ومن دواعي الفخر أن يكون الإنسان واعياً لمسؤوليته بهذا الخصوص . فالأبوة تعني أن يكون الإنسان أميناً لخالقه, وعليه أن يكشف عن مهارته وكفاءته في أداء هذه الوظيفة طبقاً لأوامره وتعاليمه جل وعلا.
إن امتلاك الولد وتربيته لهي مسؤولية ووظيفة مقدسة, ولها التزامات شرعية وثواب وعقاب وتحتاج إلى الجرأة والاستعداد أيضاً فما فائدة أن يكون أحدنا أباً لأولاد ينشئون بعيداً عن المبادئ التربوية والأصول الأخلاقية ولا يلتزمون بشيء منها .
لا بد من الاهتمام بالظروف التي توفر سلامة النشء وتؤثر في بنائه أيضاً, فقد سأل بعض الأصحاب الإمام الباقر (ع) عن " الرجل المسلم تعجبه المرأة الحسناء أيصلح له أن يتزوجها وهي مجنونة؟ ... قال : لا, ولكن إذا كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولا يطلب ولدها" .
مكانة الأب :
للأب مكانة مهمة في الإسلام, وله مقام شامخ ومنزلة كبيرة . والأب كلمة عامة ويمكن أن نفهم منها إنّها تعني الإشراف والاحترام والهيبة والوقار والمرتبة الرفيعة, وتعني أن له كلمة الفصل وبيده فقط القرار النهائي, وتنطبق هذه المفاهيم والصفات على قائد الأمة والشعب أيضاً ويمكن تسميته بالأب.
إنّها لمنزلة عظيمة أن يكون الإنسان أميناً لخالقه, وينبغي عليه أن يربي ولده ويوجهه لأنه هبة الخالق ووديعته, ويا له من مقام عظيم أن يكون الأب , رب أسرته فيخضع له أفراد الأسرة في الرأي ويهيئ لهم رزقهم.
كما وله دور مهم أيضا في تحديد مصير المجتمع من خلال تربيته لولده الذي سيكون إما قائداً أو مقوداً صالحاً.
فالخير والصلاح الذي يصيب المجتمع إنما يكشف عن الجهود الخيّرة التي يبذلها الإباء لتربية أولادهم فتنشأ الأجيال الصالحة.
الإسلام واحترام الأب :
ذكر الإسلام منزلة عظيمة واحتراماً خاصاً لأولئك الإباء الذين يؤدون مسؤولياتهم الإسلامية في مجال بتربية أبناء صالحين.
ونظراً لأهمية هذا الأمر فقد ذكرت الآيات القرآنية طاعة الوالدين بعد طاعة الخالق. والملاحظات التالية, إنما هي مستوحاة من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.
- لا بد من طاعة الأب في قراراته ولا يمكن معارضته والعمل بدون موافقته إلا في الموجبات الدينية .
- لا يحق للولد أهانة والده أبداً ولا أن يقول له حتى كلمة "أف".
- على الولد أن يخفض لوالديه جناح الرحمة .
- على الولد أن يدعو بالخير لوالديه, ويطلب لهما الرحمة.
- لا يحق للولد أن يقوم بالمستحبات كالزيارات والنوافل من الصلوات فيما لو منعه والده المؤمن من ذلك.
- للأب حق الأولوية في تعيين مصير ولده.
- لا يشم العاق لوالديه رائحة الجنة.
- حرمة الأب كحرمة الخالق جل وعلا فلا يجوز الاستهانة بكرامته أبداً.
ضرورة الاستعداد والكفاءة:
لقد وردت هذا المكانة للآباء الذين يبذلون جهوداً كبيرة من أجل الوصول إلى هذه الدرجة ويوفرون كل ما يحتاجونه في هذا الطريق. فالهدفية في الحياة الشعور بالمسؤولية يوفران للإنسان عادة الكفاءة المطلوبة ويفرضان عليه تهيئة كل ما يحتاجه مسبقاً من أجل نجاحه و موفقيته.
فالرسول (ص) عبد الله أربعين يوماً استعدادا للأبوة واحتضان أبنته فاطمة الزهراء عليها السلام وصام أربعين يوماً من أجل هذا الهدف وابتعد خلال هذه المدة عن جميع الأشياء التي يمكن أن تكون فيها شبهة حتى أنه أفطر في الليلة الأربعين على فاكهة من الجنة ثم قارب أهله.
ينبغي على الإنسان أن يمرن نفسه ويعدّها لهذه المسؤولية, ويعزز معنوياته ويبتعد عن كلّ ما من شأنه أن يوجد البغض والكراهية وعدم التكامل في حياته وحياة أولاده. أن يفكر بصلاح أطفاله ومجتمعه الذي يعيش بين أرجائه.
إن من لا يتواجد عنده ذلك الاستعداد فليعصم نفسه عن الانحرافات حتى يعيش بسلام بين أفراد مجتمعه, ولا يحق له أن يكون أباً أبداً, صحيح إنه قادر على الزواج ولكن ليس ذلك من مصلحته, أو مصلحة الأمة أن ينجب ولداً, وتشير الأحاديث التي تثني على عزوبة أشخاص آخر الزمان إلى هذا المعنى أيضاً.
الأب في أسرته:
لا تعني الأبوة الكشف عن القوة وإظهار النفوذ والمكانة فحسب, بل لا بد من الاهتمام بالأسرة والأولاد وتدبير مختلف أمورهم. وتتضح مكانة الأب وشأنه من خلال إشرافه على عائلته وتوفير معاشها وحمايتها من الإخطار وإلا فلا قيمة لذلك الأب الذي لا يبالي بهذه الأمور أبداً ولا يؤدي وظيفته.
فالأب هو سيد الأسرة ومصدر افتخارها وسرورها والمشفق عليها وهو كملائكة الرحمة التي تنزل على البيت إذ نراه يبذل جهده وسعيه من أجل بناء ورشد أفراد أسرته وتوجيههم نحو طريق الخير والفضيلة.
يوفر الأب ما تحتاج إليه الأسرة ويعطف على أطفاله ويحترمهم ويستفسر عن أحوالهم فرداً, ويحلّ مشاكلهم ويبذل جهده من أجل خدمتهم, ولا ينبغي التأثير عليهم سلباً أو الإضرار بهم .
إنه مصدر للبهجة والرحمة قبل أن يكون مصدراً للخوف والنقمة, فلا يظلم أهل بيته أبداً, حيث يقول الرسول الأكرم (ص) بهذا الشأن:" خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنون عليهم ولا يظلمونهم" .
مخاطر الممارسة السيئة :
إن الأب هو المسؤول عن بناء شخصية أولاده, فيكون القدوة لهم في العمل . إنّه أول وجه سيتعرف عليه الطفل في مهده بعد أمّه . ومن ثم سينظر إليه فيما بعد أنه المسؤول عن الأمن والنظام داخل الأسرة, وأنه الرازق والقوي والملاذ .
لا يقلّ دور الأب عن دور إلام بل قد يفوقه أحياناًَ. ولوقار الأب وهيبته وأمره ونهيه دور بنّاء في الحياة . ويحسب له الطفل ألف حساب ولا بد أن يكون الأمر كذلك . فهو الذي يوجّه أطفاله وينظّم حياتهم . وسيتمكن الأولاد من الاعتماد على أنفسهم واتخاذ المواقف المناسبة حيال الحوادث المختلفة فيما لو عمل الأب بمسؤوليته ونجح فيها. أمّا لو قصّر في ذلك فإن الانحراف سيكون مصير هؤلاء الأولاد .
فما أكثر الذين لجئوا إلى الانحراف والإجرام بسبب عدم امتلاكهم لآباء صالحين أو أولياء قادرين على بنائهم وتوجيههم, وما أكثر المجرمين والمنحرفين الذين ملكوا آباء لكنّهم لم يمارسوا دورهم ولم يعملوا بمسؤوليتهم وفرّطوا بتربية أولادهم .
فما أكثر الذين لجئوا إلى الانحراف والإجرام بسبب عدم امتلاكهم لآباء صالحين أو أولياء قادرين على بنائهم وتوجيههم, وما أكثر المجرمين والمنحرفين الذين ملكوا آباء لكنّهم لم يمارسوا دورهم ولم يعملوا بمسؤوليتهم وفرّطوا بتربية أولادهم .
وتعود الآثار السيئة لمثل هذه التربية على الأب أيضاً بعد موته. فالولد الصالح كالصدقة الجارية إذا يحافظ على ذكر والده حياً. أما الولد الطالح فيكيل لوالده لعنات أبناء المجتمع . وهذا درس لنا اليوم وتحذير في نفس الوقت لكي ننتخب طريقنا في الحياة .