الاب والزواج الجديد

 

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

 

 

الطفل وموت الام :

إن من أصعب الحالات التي يمرّ بها الطفل وأشدّها هي عندما تموت أمه, إذ أن هذا الغم كبير على الطفل الذي ستتأثر روحه بشدة لهذا المصاب. وقد يؤدي هذا الفقدان إلى ظهور اضطرابات عديدة بل وحتى عقلية تختلف باختلاف الاطفال.

فالطفل يصير بصعوبة بالغة على هذا الفرق, ولو حدث موت الام في سن دون السادسة فإنّه يؤدي إلى ظهور أعراض معينة كالكآبة والانزواء وظهور صفات مضادة للمجتمع في بعض الاحيان مما يهدد علاقاته الاجتماعية.

ومن الطبيعي أن يتأثر الاطفال الصغار بسرعة لهذا الحدث كما أنّهم ينسجمون بسرعة- تقريباً- مع الظروف الجديدة, في حين أن الاطفال الكبار ليسوا كهذا, لأنّهم يتحملون بصعوبة الاثار والنتائج المترتبة على موت الام ولا يمكنهم أن ينسوا ذلك بسهولة.

 

دور الاب:

قلنا أن من الصعب جداً على الطفل أن يتحمّل الوحدة بسبب وفاة أمّه مما يضاعف ذلك عن مسؤولية الاب. إذ يجب عليه أن يتعلم من الام كيف يداري ولده حتى يتمكن من تربيته بعد فقدانها, وأن يزرع الامل عنده في الحياة.

وفي الحقيقة إنه ينبغي أن يمارس الاب في الايام الاولى دور الابوّة والامومة معاً, وهذا عمل معقد تقريباً, وقلما نرى آباء قادرين على القيام بهذين الدورين لأن الرجال لا يملكون نفسية الام وأنهم يغضبون لأدنى ضوضاء فيقفوا بوجه الولد.

إنّ السلوك المعقد والرجولي للأب وحتى نوع العزاء الذي يقدمه بعد وفاة زوجته يمكن أن يؤثر سلباً في الطفل فيشعر بالقلق والاضطراب. وينبغي على الاب- خاصة بعد موت الام- أن يدخل إلى قلب ولده عبر بوابة الحب والحنان والعاطفة, وأن يستعين بالصبر أمامه ويستسلم له.

 

ضرورة الزواج الجديد:

من الضروري لؤلئك الرجال الذين توفيت زوجاتهم, ولديهم أطفال صغار, توفير مقدمات الزواج الجديد وارتباطهم بواحدة من القريبات والمعارف خاصة من اللواتي يستأنس بهن الطفل ويودهن, لكي تعود المياه إلى مجاريها الطبيعية.

ويمكن لهذا الامر أن يعدّ نعمة للأطفال الصغار في حين انه قد يكون اهانة لغيرهم خاصة الاحداث والكبار. إذ أنهم سيبدون حساسية وتعصّباً إزاء هذا الموضوع ولا يمكنهم تحمّل من تحتل مكان أمهم.

ويمكن تقريباً التعويض عن حرمان الولد من عاطفة الام في العام الاول بعد موتها من خلال اختيار خلف لها, ولكن يجب القول أن موت الام يؤثر على الطفل حتى في الاشهر الثلاثة من عمره. لذا فلا يمكن لكل الجهود المبذولة والاساليب المستخدمة الا أن تسدّ جانباً من هذا الفراغ.

والخلاصة فإن فقدان الام والحرمان من حبّها وعطفها في السنوات الاولى من عمر الطفل يؤثر على شخصيته ويغيرها رغم وجود زوجة جديدة للأب تمارس حبّها وعطفها. وقد تشتد هذه التأثيرات في السنوات القادمة حتى إنّه يصعب القضاء عليها أو التعويض عنها.

 

الحاجة إلى الالفة مع زوجة الاب:

لا بدّ من توفير الارضية ليتعرّف الاولاد على زوجة الاب الجديدة والاستئناس بها خاصة أن تدخل البيت بعد موت الزوجة الاولى. فالطفل لا يقبل بسهولة أن تحتل امرأة أخرى مكان أمّه خاصة في السنة الثالثة.

وكلما كان الطفل صغيراً كلما تسارعت عملية الانسجام مع الحالة الجديدة وزوجة الاب. وتكمن الصعوبة البالغة عندما يكون الطفل في مرحلة النشئ أو البلوغ.

وينبغي الاشارة إلى هذه الملاحظة وهي انه لا يمكن لأية امرأة أن تحتل موقع الام بالنسبة للطفل فتجذبه نحوها. ولكنه يمكن أن تكسب قلبه وتنجح في ذلك إلى درجة كبيرة فيما لو كانت امرأة صالحة وكفوءة.

 

العلاقة مع زوجة الاب:

قلنا أن الطفل الصغير يقبل بسهولة بأمه الجديدة, وتسهل هذه العملية كلما اقترب عمر زوجة الاب من عمر الام.

وينبغي أن يقبل الطفل بهذه الام الجديدة بعد العام الاول من عمره وهذا ما لا يمكن أن يحدث مع أية امرأة. ومن الطبيعي أنه لا توجد أية مشكلة في أن يألف الطفل امرأة أخرى ويجلس في أحضانها بحضور أمّه . الا أن الصعوبة تكمن بعد موت الام.

إن سلوك زوجة الاب يدفع الطفل إلى أن يرفضها ويبتعد عنها ولا ينسجم معها مما يكون سبباً لأن يعاديها. ومع الاسف إننا نشاهد كيف أن بعض التصرفات يؤدي إلى احتقار الاطفال الابرياء وتعذيبهم وتوفير مقدمات عصيانهم وشعورهم بالاضطراب.

فيجب على اللواتي يحتلن موقع الام أن يفهمن بأنّ إجبار الطفل على البكاء لا يخدمهن وليس في صالحهن أبداً. فقد جاء عن الرسول الاكرم (ص) قوله :" إذا بكى اليتيم اهتزّ لبكائه عرش الرحمن" فينبغي عليهن أن يدركن بأن الاشراف على الطفل وتربيته يمثل وظيفة إنسانية وأخلاقية, وأن يفهمن بأن المواقف القبيحة تؤدي إلى التفريط بحياة الطفل حالياً ومستقبلاً.

 

العلاقة مع الاولاد الجدد:

قد تلد هذه الزوجة الجديدة أطفالا, وهذا أمر طبيعي غير أنّ الشيء المهم هو المساواة في العناية والعاطفة بل ثمة حاجة ماسة لأن تميل كفة الميزان لصالح الطفل اليتيم.

إنّه لخطأ كبير أن يسمح الاب لزوجته الثانية بمداراة أولادها بينما تتجاهل الطفل اليتيم ابن الزوجة السابقة. ولو أدرك الطفل هذا المعنى ولمس تمييزاً في التعامل لنظر إلى زوجة أبيه كالاخطبوط الذي يقف بوجهه مما سيتأثر كثيراً لموت أمّه, ويشعر بفقدانها أكثر من السابق. كما أن السلوك الظالم لزوجة الاب حيال الطفل أو تعامل الاب معه سيدفعه إلى الشقاء وممارسة الجريمة.

وقد دلت الابحاث التي أجريت على المجرمين أن العديد منهم حرم في صغره من العاطفة ولم يشبع منها, وإنهم- أي المجرمين- لجئوا في حياتهم الحالية إلى الاجرام للتعويض عن ذلك النقص.

في حال تعدد الزوجات:

لا بد من القول أولاً انه ليس من الشهامة قيام الرجال الشهوانيين- رغم اكتفائهم بزوجاتهم- بالبحث عن متع جديدة وزوجات أخريات فيفرّطوا بحياتهم ويبتعدوا عن أسرهم.

فهؤلاء قد نسوا بأن تعدد الزوجات في الاسلام إنما أريد منه خدمة المرأة وليس التمادي بالشهوات.

وبشكل عام فلا يمكن للأطفال الصبر على هذه الحالة بوجود أمهم الا أن يكونوا صغاراًَ جداً. وقد لا يكترث من هم في سن 6-8 سنوات بهذا الموضوع, ولكن الكبار وخاصة الاحداث يتخذون موقعاً معيناً إزاء هذا الامر . فلو تم الزواج الجديد في حياة الام فإنه يضرّها وولدها الا أن تكون الزوجة الثانية في بيت آخر. ولا بدّ من الحذر- والحال هذه- لكي لا يشاهد الطفل المشاكل الحاصلة والاختلافات والصراخ والعويل.

ويؤكد القرآن الكريم والدين الاسلامي الحنيف أن على الرجل أن يهتم بتحقيق العدالة بين زوجاته والاطفال لكي لا يؤثر ذلك سلباً على معنوياته- أي الاطفال- فيلجئوا إلى العناد والحقد. وان الطفل سيكون بمنأى عن ذلك كلّه فيما لو كان الاب عادلاً.

 

تعدد الزوجات والصراعات:

تؤدي الصراعات والنزاعات بين الزيجات إلى الاضرار بحياة الاطفال وجميع أفراد الاسرة, خاصة عندما يتدخل الزوج ويقف إلى جانب إحداهن دون الاخريات.

فالطفل بحاجة إلى جو هادئٍ وآمن بعيد عن المشاكل حتى لا يتعرض أمنه إلى الخطر ولا يتلقى تلك الدروس السيئة التي تؤثر على حياته الحالية والمستقبلية.

إن العديد من مشاكل الاطفال وحتى الكبار في المجتمعات ترتبط بالمشاكل الموجودة في الاسرة والصراعات المتفشية فيها.

ولا سبيل أمام الطفل الا الوقوف إلى جانب أمه متى ما شاهدها في صراع مع زوجة الاب. وسوف يسيء الظن بوالده ويحمل عنه تصوراً قبيحاً فيما لو شاهده يقف معارضاً لأمه. وتخلق هذه الحالة عقداً عند الطفل وتؤثر على مستقبله.

لذا ينبغي للأب الذي يريد التزويج من زوجة جديدة أن يراعي العدل والانصاف فلا يؤدي عمله, الذي نوى به الخير والاصلاح, بالطفل وبقية أفراد أسرته إلى ممارسة الشر والفساد.