أهم العناوين

الكاتب الدكتور علي القائمي

تتغير الحياة الهادئة للطفل والخالية من الهواجس  دفعة واحدة عندما تحين مرحلة البلوغ ويدخل الناشىء عالماً جديداً عليه من كل النواحي؛ عالماً يحمل الفرد تصور ورأي جديد بشأنه وينظر إلى كل شيء بنظارة خاصة.

وتحصل لدى الناشىء صحوات متنوعة وتجعله يواجه عالماً من الأسئلة والأمور الغامضة. وتقف في طريقه عدة أزمات يمكن الإشارة إلى أزمة الهوية باعتبارها واحدة من أهمها. حيث يفكر في اكتشاف نفسه وعالمه الجديد والعثور على طريقة لاتخاذ موقف جيد.

لقد طرح العلماء آراء فيما يتعلق بهذا السن وخصائصه فقد اعتبر البعض هذه المرحلة مرحلة اليقظات، يقظة الإنسان إزاء نفسه وفطرته وضميره والدين والاستدلال والمنطق ويقظة الغريزة. واعتبر بعض العلماء مثل فرويد هذه المرحلة من العمر مرحلة جنسية واعتبروا جميع شؤون وسلوك وحالات الفرد بصرة مبالغ فيها مرتبطة بالغريزة الجنسية.

 

المرحلة الصعبة للحياة

لو قمنا بمقارنة بين الفتوة مع بقية سنين العمر لأدركنا أن هذه المرحلة هي من أصعب وأعقد مراحل عمر الإنسان وأكثرها غموضاً، إن مرحلة الفتوة هي مرحلة طافحة بالجدل خاصة أنها تقترن بتغييرات وإلزامات اجتماعية ويرى الفتى نفسه فجأة أمام عالم من التطلعات اللازمة لمواجهة كثير من هذه التطلعات وفي نفس الوقت يحول زهوه دون الاعتراف بنقاط ضعفه وعجزه.

إن الفتوة هي مرحلة سوء الظن والشك وكثرة التطلع والانتظار والتسليم والأحلام الشهوانية وبالنظر لعدم تحقق هذه الأمنيات يعيش الفتى دوماً حالة عناء. وقد تهيء هذه المشاعر غير السارة الأرضية أحياناً لانقطاع الفتى عن الآباء والمربين وحتى أنه قد يهرب من البيت والحياة ويتصرف في بعض الموارد بالمشاكسة والعصيان ويثير لدى والديه الملل وحتى اليأس من سلوكه ولعل الحقيقة هي ما ذكره بعض أصحاب الرأي حيث قالوا أن هذه المرحلة هي أكثر المراحل هيجاناً وفي نفس الوقت أصعب مراحل الحياة وأكثرها اضطراباً ترافقها تغييرات سريعة وشديدة في المشاعر ويتطلب تعايش الآباء مع الأفراد في هذا العمر والسعي للوصول إلى حالة التوازن لديهم مجاهدة وعناء كبير.

 

العناوين ذات الصلة

ذكر العلماء وأصحاب الرأي في مجال علم النفس وتربية الناشئين عناوين لهم على ضوء ملاحظة حالاتهم وحركاتهم ومواقفهم نرى أن لكل واحد منها أهمية في مجال من المجالات.

ولا يمكن جمع وتقديم كافة تلك العناوين في هذا الكتاب وقد أشرنا في كتاب (عالم البلوغ) إلى بعضها ونقدمها فيما يلي بصورة أكمل:

-          مرحلة الانتقال: الانتقال من الطفولة إلى الكبر والانتقال من عدم المسؤولية إلى التكليف والمسؤولية.

-         مرحلة العاصفة: تؤدي العاصفة النفسية والعاطفية وحتى عاصفة التخيل والحلم؛ والتصرفات المتعددة في حياة الفتى إلى حصول تغييرات عميقة وتجعله عرضة لعواصف روحية وهبوب رياح مغيرة.

-         مرحلة الضغط: إن الظروف القائمة والمغيرة في الحياة والنابعة من الباطن تضغط عليه مما يؤدي أحياناً إلى عزلته وحتى قد تمهد لكآبته.

-         مرحلة الأضطراب: يتعرض إلى نوع من عدم الاستقرار . وتؤدي الهرمونات المترشحة من الغدد والتي تلقي في الدم إلى حصول حالة اضطراب لديه وتخرجه من الحالة الاعتيادية والتوازن.

-         مرحلة الاستحالة: تكون ظروفه النفسية بشكل بحيث لا يمكن بأي شكل من الأشكال المراهنة فيما يتعلق بعزمه وسلوكه.

فتارة يكون في حالة اعتيادية ومعقولة تثير عجب الإنسان وتارة يصبح كالطفل في وقت لا يكون التشبيه بالأطفال مناسباً له.

-         مرحلة الثورة: يقول موريس دبس (مراحل التربية) أنه يتمرد نتيجة هذه الحالة من ناحية ويقوم بابتكار من ناحية أخرى.

-         المرحلة البرزخية: إن الفتوة هي مرحلة برزخية بين الطفولة والكبر.

ويحمل الناشيء حالة طفولية من جهة ويريد من ناحية أخرى أن يدخل عالم الرجال والنساء والتحرك نحو الكبر.

-         الحيرة والتعارض: يكون الفتى متحيراً في مجال العزائم والتصرفات ويواجه حالة التعارض في تفكيره وسلوكه وكذلك في التعامل مع الآخرين ويفكر في نفس الوقت بالوصول إلى المثاليات.

-         الشغب والتوتر: وهذا عنوان أطلقه ما ندوس على هذا الجيل واعتبر حياة الفتى وحالاته وسلوكه مثيرة للتوتر ونوع تعامله مثيراً للتوتر.

-         عدم الثبات: يلاحظ نوع من عدم الثبات الشعوري والعاطفي لدى الفتى تكون حصيلته ظهور سلوك متغير ويؤكد علماء النفس الأمريكان على هذا الأمر.

-         مرحلة النظرة السلبية: وهذا عنوان أطلقه بولر على هذه الفئة.والفتى يسيء الظن ويعترض على كل شيء وينظر إلى سلوك الكبار بنظارة سوء الظن.

-         عناوين أخرى مناسبة لهذه المرحلة: ومن العناوين الأخرى المناسبة إلتى اطلقت على هذه السنين هي: مرحلة الخلل، مرحلة عدم النظام، مرحلة الأخلاق المتغيرة، مرحلة القفز المفاجيء، مرحلة الرغبات المتضادة، مرحلة الأنانية الطفولية، مرحلة الولادة مرة أخرى، مرحلة المرور، مرحلة الفوضى النفسية، مرحلة إعادة النظر في العقائد، مرحلة الهيجان، ومرحلة الرغبات الاحتكارية.

 

مرحلة الأزمة

لعله كان من الأفضل أن نسمي مرحلة الفتوة مرحلة الأزمة، لأن الفتى خلال هذه المرحلة يتعرض إلى أزمة هيجان حتى في وضعه الاعتيادي وفي أغلب الموارد يكون وضعه بشكل بحيث يبدو وكأنه غير بعيد عن الأمراض النفسية.

ويقول كروبسكايا أن سنين الفتة هي أكثر السنين إثارة للشك وأكثرها أزمات وعدم استقرار خاصة وأن الناشئين يخافون من تأثيرات سوء السلوك ولهذا السبب يكونون في حالة انطواء ويفضلون في أغلب الأوقات قراءة الكتاب على صحبة الأشخاص كبار السن بشكل بحيث يهربون حتى من الأقربين.

وتلاحظ في جميع مرحلة الفتوة – مع اختلافات في بدايتها ونهايتها- حالة اضطراب وعصيان وإثارة المشقة والمزاحمة وإخلاص من دون شائبة ومحبة بليونة التسليم وعنفاً بحرارة النار لدى الناشئين، ويشعر الآباء بالحيرة من هذا التضاد في السلوك.

وتوجب هذه الظروف ان نسمي سن الفتى بسن التغيير خاصة وأن التغييرات تحصل لديه بصورة سريعة وتظهر لديه تغييرات نفسية بالتدريج وخلال فترة طويلة. والوجه المميز لمرحلة الفتوة هو عدم النظام والاضطراب وأخيراً القلق.

 

مسألة

رغم وجود جميع هذه الأمور فإن هناك مسائل لدى الناشيء تزرع الأمل يمكن الإشارة من بينها إلى يقظة الفطرة ويقظة الضمير تبعاً لذلك. ومن جهة أخرى فإن يقظة المنطق والاستدلال تدفع الفتى إلى عدم الإصرار على مطالبه ورغباته في بعض الموارد والتحرك في خط التربية العائلية والمدرسية والدينية.

ويستيقظ لديه شعور تحمل المسؤولية بشكل بحيث يسعى إلى المشاركة في الحياة، بصورة مسؤولة بشرط أن يقبل ويعتبر عضواً في جماعته ومجتمعه ولا يتعرض إلى الخجل عند الخطأ ويعطى الجرأة.