الدين والفتى
الكاتب الدكتور علي القائمي
اعتبرت مرحلة الفتوة مرحلة ماوراء الطبيعة وهذا بسبب ان الشعور الديني يستيقظ لدى الفتى وتظهر الحقائق الفطرية لده ونحن نعلم ان اطار ماوراء الطبيعة والدين لاينفصلان .
وتلاحظ الميول الدينية والمظاهر الايمانية لدى الافراد منذ السنين الاولى لمرحلة الفتوة وهذا لايختص بايران واوربا او الدول الاخرى بل هي قضية عامة وتتعلق بالناشئين في كافة مناطق العالم حيث ينشط لديهم الميل الى الطهر وبالنتيجة تصبح لديهم رغبة في ان لا تمس سمعتهم بوصمة عار ولا يظهر على وجوههم غبار فساد.
ويظهر لدى الناشئين حب الله وحب المبدأ اللامتناهي الى درجة بحيث انهم يكونون على استعداد للتضحية بانفسهم من اجل المقدسات وندرك من خلال قراءة تاريخ الثورات الروحانية وحركات الانبياء ان الناشئين كانوا يشكلون اكثر فئة موازية لهم الى درجة بحيث ان الناس العاديين كانوا يشكون ويقولون ان هذا النبي أفسد شبابنا وكانت هذه الدعوى موجودة بشأن نبينا حيث كانوا يقولون أفسد شبابنا .
الشوق العرفاني
ان ما يلاحظ لدى الناشئين هو نوع من العرفان والمعرفة من جهة ويرى الفتى الظواهر بشكل آخر غير ماكان مطروحاً في الماضي ، وكل شيء بنظره له طابع الهي وتؤثر الحساسيات والهيجانات الدينية على حياته تأثيراً شديداً .
ويعتبر محيط حياة الناشيء محيط زهد وتقوى ويسير نحو المقدسات , وتكون رغبته في السير الى الله وطلب رضا الله والابتعاد عن سخط الله وحتى الفناء في الله وحسب مصلح العوام فانه يريد ان يضحي بنفسه في سبيل الله !!
واذا لم يواجه الناشيء منعاً او استهزاء فانه ينشغل بالدعاء والبكاء والتضرع ويحصل لديه شوق خاص ويقبل الفرد في مرحلة كالفتوة على التقوى والطهر ويشك احياناً ببعض العقائد والآراء والتعاليم الدينية ويرفضها . ومن خصائص الناشيء هو الرغبة في الجمال المطلق او الجمال المعنوي والروحاني وعدم الارتواء في النهج المعنوي.
الصحوة الدينية
في سن الصحوة الدينية يطالب الناشيء باعادة النظر في التعاليم والاحكام الدينية ويحب ان يدرك هل ان ما قاله له الوالدان او المعلم والمبلغ في مجال الدين صحيحاً ام لا .
ان الاهتمام بالفنون والصناعات التي تتطلب مهارة وظهور حالة اللطافة في ذات الناشيء وذهنه الصافي والمصقول والنقاوة من كل ريب وغل وغش هي مثال لهذا التجلي وبحثه لاكتشاف الاسرار .
ان المرحلة الفتوة وخاصة السنين السبع الثلاث من العمر هي مرحلة الايمان وهذا الايمان هو أمر شامل الى درجة بحيث ان الناشيء يريد تيقين من جميع ماتعلمه حتى معلوماته الدينية ويحب ان يسأل بشأن اي شيء ويستفهم بشأن جميع الابعاد الفكرية والعقائدية ولكن غروره في بعض الموارد يحول دون هذه الاسئلة.
الاهتمام بما وراء المادة
من مظاهر رشد الناشيء ، اهتمامه بعالم ماوراء الطبيعة . وبعبارة اخرى يكون في وضع من الرشد بحيث يدرك ان عالم الوجود ليس الفيزياء والمادة فحسب ، بل ان وراءه اسرار كامنة . وهو لم يعد طفل يرى فكره منحصراً في نظام الحس واللمس . وفي الحقيقة يدرك احياناً القضايا بشكل وكأنه يرى بوضوح ان هناك قدره وراء الطاقة والامكانية المادية . قدرة لها الغلبة على العالم والكون وهو يريد اكتشاف هذه القدرة ومعرفة كنهها ولهذا السبب يبدي رغبة جديدة بالمسائل الدينية .
ويريد الناشيء معرفة الله . ويستيقظ حس المدح لديه بشكل بحيث يقوم بمدح الناس اضافة له مدح الله وبسبب هذه العمومية يعتبر من خصائص البلوغ.
اهتماماته
المقصود من الاهتمامات ، الاهتمامات الذهنية للناشيء التي تشغل تفكيره مثل مفهوم الموت الذي يشغل ذهنه خاصة الخوف من عاقبة ذلك والذي يلقي بظلاله على جميع افكاره وآرائه . يفكر كي لايموت واذا كان الموت لابد منه فكيف يبرر نفسه في الاحوال التي تليه ، وماهي العوامل التي لها اهمية بالنسبة له في هذا الصدد ، وما هي طرق الراحة في تلك الدار وماهو الأمان من المصاعب وغير ذلك.
وحين يرتكب معصية يشعر بالذنب بسبب النزعة الدينية والاهتمام بالدار الآخرة ويشعر بالالم لعدم مراعاته الضوابط المطلوبة . ومن جهة يريد رضا الله ومن جهة اخرى قد يكون متهاوناً في الامور ذات الصلة بالدين واداء الواجبات وتدفعه جاذبة ما الى ارتكاب معصية وبعد ساعة يندم على فعله ويقبل على التوبة .
مرحلة الشك
قلنا ان مرحلة الفتوة مرحلة الشك ، الشك بكل شيء حتى فيما يتعلق بجنسيته وثباته الجنسي ويكون هذا الشك بدرجة بحيث يبدو وكأنه يريد اعمار ذهنه . ويشكك الفتى بالحقائق ، وينقد المسائل والمواضيع ـ ويود ان يقبل الامور بعد البرهان والحصول على استقلال فكري عن هذا الطريق ولهذا السبب فانه لا معنى بنظر الناشيء للطلب من دون سؤال .
لقد كان في مرحلة الطفولة لخص كافة مثالياته في والديه والآن انصرف عن ذلك واصبح لديه شك في صحة ذلك ، ومن هنا يريد ان يدرس مرة اخرى ذلك في ذهنه ويختار انموذجاً جديداً .
ان الشك بحد ذاته ليس امراً قبيحاً بشرط ان ينجز الى نوع من الحوار لاقناع الناشيء . وبعبارة اخرى فان على الآباء ان لا يدعوا هذا الشك قائماً لدى الناشيء بل عليهم ان يسعوا الى ازالته بدليل مقنع وتقريب عقيدته الى اليقين المؤكد ، والا فانه سيتعرض الى خطر الاباحية واللاابالية في عقائده.
العمل الديني
لو تم تشجيع الناشيء في اعماله الدينية فانه سيصبح حسب مثل العوام اكثر كاثوليكية من البابا وحتى أنه سيبدي حساسية كثيرة في هذا الصدد ونحن نرى ان ذلك يسبب كارثة . ان الافراط في التقدس ووقف العمر علة ممارسة الاعمال الدينية الخاصة يؤدي فيما بعد الى الملل وحتى ترك الدين.
وينبغي اصلاح النزعة المثالية لدى الناشيء الى حد ما وينبغي المحافظة على درجة متوازنة في ممارسته للبرامج الدينية . ونحن بوصفنا معلمون وآباء نشيد برغبة الناشيء في الدعاء والمناجاة من دون ان نسمح له ان يجعلها جسراً للوصول الى اهدافه . وبعبارة أخرى ان عليه ان يعلم ان وصوله الى الهدف يستلزم ان يعمل ويسعى.