العلاقة مع الاصدقاء

الكاتب الدكتور علي القائمي

ان مرحلة الفتوة هي مرحلة توسعة العلاقات ويعتبر سن 11و12 سن الصداقة . ويقبل الناشيء نحو الاصدقاء بانجذاب اجتماعي وبرغبات خاصة ويسعى الناشيء الى العيش معهم وفقاً للتعامل الانساني وتتواصل هذه الحالة حتى اواخر مرحلة الفتوة ثم تصبح محدودة بعد ذلك ويقتصر في علاقاته على بناء علاقة حميمة مع شخص او شخصين فقط .

ويؤثر الاصدقاء بالتدريج على الناشئين بشكل بحيث يصبحون في نهاية المطاف متشابهين في الاخلاق وفي السلوك ، ويرتدون البسة متشبهة ويعملون وفقاً لاذواق بعضهم الآخر . وتصل الالفة والصميمية بينهم الى درجة بحيث يضحون من اجل حفظ مصالح بعضهم الآخر ويرسمون نهجهم واساليبهم وفقاً لتبعية بعضهم للبعض الآخر .

 

اختيار الصديق

تكون الصداقة بين الناشئين جادة والاقبال على الاصدقاء امر مؤكد . ولكنهم لايفكرون جيداً في اختيار الصديق وليس لديهم معياراً صحيحاً . ويكون الدافع نحو الصداقة لديهم خلافاً لمرحلة الطفولة . ويشبعون حاجاتهم النفسية من خلال اقامة الصداقة ويتخلصون من حالة الغربة.

وتبدأ الصداقة من الجيران ثم تصبح شاملة بالتدريج . ويهئ هذا الامر الارضية للتعاون الاجتماعي في المستقبل – ويكونوا سهلين في الصداقة ويختارون الاصدقاء بسرعة ويهتمون بالمشاعر العابرة . ولايكون اختيارهم للاصدقاء مدروساً ولايلتفتون الى السوابق الحسنة والسيئة لاصدقائهم . ويتعصبون فيما بعد لاصدقائهم . ويبدون تشدداً ولجاجة في الدفاع عنهم ويقفون بوجه من يذكر عيوبهم ولايعتبرون ترك الصداقة جائزاً ولو منعهم كبار السن من اقامة علاقة صداقة مع شخص او اشخاص فانهم يسعون الى المحافظة على هذه الصداقة في الخفاء .

 

العواطف حيال الاقران

يكون الناشؤون عاطفيين وحميمين في علاقاتهم مع اصدقائهم ، وتتوحد آرائهم ويسدون الفراغ النفسي لديهم عن هذا الطريق . وتتصف علاقات كالصداقة لديهم بالخصائص التالية :

البساطة ، عدم التصنع ، عدم التخطيط ، اتخاذها وسيلة لاظهار مكانتهم لدى الآخرين وطلب المساعد الساند في بعض الموارد.

وتكون مشاعر الفتى ازاء اقرانه شديدة ويسعى الى الارتباط بفئة ليعتبر عضوا في فريق . وهكذا فان تنظيم الناشئين يمكن ان يكون امراً ناجحاً . وعلى هذا الاساس فان كثيراً من المنظمات السياسية تستفيد من هذه الارضية وتستخدمهم . وتسود فيهم روح النزعة القبلية والنظرة التفوقية والنزعة الفئوية ويحاول كل عضو في الفئة ان يرى فريقه وفئته متفوق وان يتباهى به ويساعد الاستغراق في فئة الاقران وقبول مقرراتهم بوصفها مقررات مصانة من الخطأ الناشيء عن الابتعاد اكثر عن اسرته في حين لايزال بحاجة الى السيطرة من قبلها .

 

الدور الأكثر تأكيداً على الاصدقاء

رغم الاهمية التي نراها لمرحلة الحياة والقبول بتربية الناشيء ينبغي ان نعترف ان دور الاصدقاء اكثر تأكيداً من دور الآباء في ثلاثة موارد .

*       عندما تنتقل الاسرة من منطقة الى منطقة اخرى حيث ان البيئة الجديدة تمهد لاقناع حالة النزعة التجديدية لدى الناشيء وهذه تتحقق في ظل العشرة مع الاصدقاء الجدد .

*       حين البلوغ والتفتح الجنسي وفي هذه المرحلة يبحث الناشيء عن شخص يكتم سره حتى يتمكن ان يبوح له بسره .

*       حين تكون الاسرة في وضع متعثر يبحث الناشيء عن ملاذ ، ونظراً لانقطاع امله بوالديه فانه يقبل على الاصدقاء ويجعلهم ملاذاً له ويحصل الناشؤون على اصدقاء حميمين ومخلصين وتكون هذه الصداقة قوية او ضعيفة حسب الطبائع المختلقة بيد ان الوفاء للاصدقاء هو أمر عام ومتداول ويزداد هذا الوفاء في ظل النمو . وتحصل لدى الناشئين ذوو النزعة الى التفوق رغبة في القيادة . ومن هنا يسعون الى دعوة الآخرين الى الطاعة بحيث يكونوا تابعين لافكارهم وآرائهم . وفي هذا الصدد لايحصل على نجاح باستمرار .

 

فوائد وعوارض العشرة

ان العشرة كالتي يقيمها الناشؤون مع الآخرين قد تجلب الخيرات والسعادة لهم وقد تجلب المفاسد والبؤس وهذا يرتبط بنوعية الاشخاص الذين يقيمون معهم علاقات صداقة . يمكن الاشارة الى بعض فوائد العشرة فيما يلي :

سد الفراغ النفسي ، التمهيد لممارسة الحياة الاجتماعية ، اثراء الثقافة والآداب ، التدريب على التعاون ، تعلم كيفية الدفاع ، السعي لنيل النمو النفسي المناسب ، التدريب على الخطابة ، اختبار الاصدقاء ملء اوقات الفراغ ، الخروج من حالة الانزواء والغربة وغير ذلك .

ومن بين عوارض سوء العشرة يمكن ذكر الموارد التالية :

مصاحبة افراد فاسدين ، تعلم الرذائل ، تأسيس شبكة وجماعة من غير الواضح ان تكون على نهج الصواب دائماً ، حصول الفة شديدة تؤدي الى اضعاف العلاقات العائلية ، كمرافقة كالجماعة في ارتكاب المفاسد والرذائل وفي بعض الموارد مرافقتها في اثارة المصاعب وغير ذلك .

ان الصداقة والعشرة مفيدة بشرط ان يتم اختيار الاصدقاء بشكل مدروس وووفقاً للمعايير العقلانية ، فيوجه الاصدقاء بعضهم الاخر نحو الخير ويكونوا عاملاً للحصانة الاخلاقية لبعضهم الاخر ولايقعوا في الفساد والانحراف . افضل صداقة هي تلك التي تكون على اساس بعد النظر والخبرة والاخذ والاعتبار سابقة ولاحقة كل حركة وغير ذلك.

 

اجواء العشرة

تكون العشرة في البداية بريئة وبعيد عن اثارة المفسدة . ويعتبر طرح الهموم من قبل الناشيء على اصدقائه وتفريغ العقد النفسية ، امر ايجابي ولكنه في بعض الموارد قد تأخذ علاقات الصداقة طابعاً انحرافياً وتنجز الى اقامة علاقات سرية والفة غير صحيحة .

وتسري كثير من المفاسد عن طريق الاصدقاء الى بعضهم الآخر وكثير من الكلام البذيء والسلوك الخاطئ والتقليد والتحرش الكلامي والاستهزاء لها اساس في العشرة وتكون طبيعة الانسان خلافاً لفطرته حيث تسعى في اكتساب الرذائل اكثر من سعيها في اكتساب الفضائل وهذه الحالة نلاحظها لدى الناشئين بصورة اقوى .

ان التعلم من الاصدقاء لايكون صرفاً بقصد الفساد ، بل يكون غالباً لاظهار النفس والقيام بتصرفات جذابة واثارة اهتمام الآخرين واشباع حالة النظر بتفوق الى النفس ويشعر الناشيء لانه سيكون بطلاً اذا تمكن من ان يقول كلاماً مضحكاً امام الناس .

 

 

العشرة بين الاناث

يلاحظ في عشرة الاناث انهن ينضوين الى فئة الاناث ويقمن علاقة مع صديقاتهن في حين يسعى الذكور الى اقامة علاقة مع الذكور والاناث وبناء علاقات اوسع . وتكون الصداقة بين الاناث مستمرة غالباً اما الصداقة بين الذكور فهي مقطوعة في الغالب . واذا تبلورت علاقات الصداقة في بيئات يعيش فيها الناشؤون ليل نهار فانه ليس هناك تدخل للتفكير والتأمل في حصولها .

ويعرف الناشؤون انفسهم في هكذا بيئات بأنهم صميميون واوفياء ويحاولون ان يتصرفوا بذوق ورأي واحد وعلى هذا الاساس يكون تقليد بعضهم الآخر في ذروته وتكون ذروة هكذا صداقة في حوالي سن 14و15 .

وحين لاتستطيع الاناث من الالتقاء ببعضهن البعض في المدن فانهن يقمن الاتصال مع بعضهن الآخر بواسطة الهاتف . ويقول احد العلماء ان سن الرابعة عشر هو سن ذروة الاتصالات الهاتفية التي لانهاية لها والسرور والجدية والخمول وتزخر الاتصالات الهاتفية بالضحك والنميمة وانواع التصرفات الظاهرية التي لا أهمية لها والتي لها معنى بالنسبة للناشئين . ويقضين من الوقت في الاتصالات الهاتفية بمقدار تحمل الامهات.

 

الافراط في العشرة

تقترن اعوام الفتوة بانواع الافراط ويلاحظ هذا الافراط في العشرة ايضاً ويكون الناشؤون تبعاً للمشاعر والعواطف الآنية . ويطبعون انفسهم بطابع اصدقائهم . ويتصرفون بتشدد فيما يتعلق باصدقائهم ولايتقبلون ان يوجه نقد اليهم ، واذا وجه نقد اليهم يغضبون ويفسرونه بسوء النية .

ويعرضون انفسهم في بعض الموارد الى المشقة لاثبات الصداقة وحتى لوحظ لدى الاناث قيامهن باحراق وجرح انفسهن كي تكون علامة حبهن ومن هنا فان صداقتهن قليلاً مايكون لها اساس منطقي .