علاقة البنت مع الآخرين
الكاتب : الدكتور علي القائمي
المقصود بالآخرين هم كل الأفراد ما عدا الأم والأب والذين تربطهم مع البنت علاقات مختلفة ولها معهم معاملات فكرية, أخلاقية وثقافية, وهذا الارتباط يكون أحياناً ضرورياً وأخرى غير ضروري, فمن الممكن أن يكون فيه خير وصلاح لأبنائنا وممكن أن يكون من موجبات سقوطهم وانزلاقهم في مهاوي الرذيلة. وكما أسلفنا في البحوث الماضية فإن المحيط له الأثر الكبير في المجالات الأخلاقية والسلوكية وفي بناء أو هدم شخصية الأفراد وقد دلت التجارب بأن المحيطات التربوية غير الصالحة لها الدور والأثر الكبير في محو الآثار الوراثية, وعلى العكس فإن المحيطات التربوية الجيدة لها الأثر الكبير في تغيير الصفات الوراثية السيئة. وعلى هذا الأساس فإن علاقات البنات يجب أن تكون خاضعة لضوابط ومقررات, وليس لنا اعتراض في كون البنت بحاجة إلى علاقات وارتباطات وذلك لتملأ أوقات فراغها, فتحتاج إلى من تتحادث معه وتحتاج إلى من تلعب معه وتتبادل معه الزيارات, لكن كل هذه الأمور يجب أن تكون في طريق الفضيلة لا في عدم الالتزام, ويجب أن يكون وفق تخطيط وضوابط ومقررات لا أن يطلق لها العنان بدون قيد وشرط. ففي المحيطات غير الملتزمة يوجد الفاسد والفاجر وأهل الشر, والعلاقة غير المحسوبة وغير المدروسة لا تتبعها إلا المرارة والبلاء, وعلى هذا الأساس, فيجب أن تكون للوالدين متابعات وإشراف على علاقات أبنائهما. وهذه المتابعات يجب أن تكون متواصلة ومستمرة, وتكون في مرحلة الطفولة للبنت بشكل, وفي مرحلة الصبا والبلوغ تكون بشكل آخر.
أما العلاقات فهي
1- علاقتها بإخوتها وأخواتها: وفي هذه العلاقات يجب الاهتمام بعدة مسائل وهي أولاً: إن الأخوة والأخوات الكبار إذا ما تولوا مسؤولية العائلة فإنهم لا يحق لهم أن يمارسوا دور الأم أو الأب تجاه أخوانهم وأخواتهم الصغار فلا يحق لهم أن ينهوهم أو يأمروهم. حيث أن وجود أوامر مختلفة من مصادر مختلفه ينتج عنها سلوكات مختلفه وتسبب متاعب وإحساسا بالحقارة من قبل الأبناء.
ثانياً: يجب متابعة الأبناء ومراقبتهم في مجال نومهم واستراحتهم وهو أمر ضروري, مثلاً يجب أن يبقى الطفل إلى جانب أمه في مرحلة الطفولة حتى سن السادسة, وبعدها إذا كان الفراش مشتركا فيجب فصله, وحسب قول الإمام الصادق (ع) فإنه يجب أن يفصل عن فراش أبويه. وفي حدود العاشرة فإنه يجب فصل الولد عن الولد, الولد عن البنت, البنت عن البنت حتى ولو كانوا أخوة, وحتى في السنين التي تلي هذه المرحلة فإن الشرع يمنع نوم الكبار- سواء كانوا بنين أم بنات رجالاً أم نساءً- تحت غطاء واحد إلا أن تكون بينهما فاصلة. والروايات الواردة عن الرسول الأكرم (ص) تؤكد على ضرورة فصل فراش الأبناء في حدود السنة السادسة من أعمارهم. وكذلك يوصى بعدم السماح للبنت والولد بتقبيل أحدهم الآخر في سن السادسة إلا إذا كان هذا العمل من وراء حجاب أو تكون القبلة في الرأس أو الجبهة.
إن رعاية هذه الوصايا تعتبر وظيفة ومسؤولية شرعية وعلى العوائل المسلمة الالتزام بهذه الوصايا.
2- علاقة البنت مع الأقرباء: إن المقصود من الأقرباء في هذا البحث هم الأرحام, والأرحام لفظ يطلق على الأشخاص الذين يرتبطون برابطة الدم والنسب القريب, والذين نألفهم أكثر من غيرهم مثل العم, الخال, الخالة, طبعاً أبناء هؤلاء يعتبرون من غير المحارم.
إن نوع علاقات الأقرباء في مجال إبراز العواطف تجاه البنت كعلاقة الأب والأم وفي موارد أخرى كعلاقة الأخ والأخت.
ويجب مراعاة نفس الضوابط والمتابعات في ذلك, ففي ما يتعلق بالأخلاق والسلوك فإن الوالدين يتحملان مسؤولية كبيرة في ذلك, ففي بعض الأحيان تكون العائلة ذات سلوك وتصرف صحيح لكن العم والعمة أو الخال والخالة في عالم آخر, وهنا نحن لا نقول بوجوب قطع علاقات صلة الرحم, بل إن علاقة البنات بإفراد هذه العوائل يجب أن تكون تحت الإشراف والرقابة بحيث لا يؤثر احد أفراد هذه العوائل تأثيراً سلبياً على البنات, وكذلك ففي مرحلة الطفولة فإن علاقة البنت مع أبن عمها وابنة عمها وبقية أقربائها يجب أن تكون تحت إشراف ومراقبة الوالدين لأن الأطفال عند التقائهم ينقلون ثقافة وعقائد وتفكير عوائلهم إلى بعضهم الآخر.
أن صلة الرحم مأمور بها من قبل الله سبحانه وتعالى, وبني البشر يتحملون مسؤولية أمام الله تجاه هذه العلاقة, فقطع صلة الرحم يعتبر من الذنوب الكبيرة شأنها شأن الذنوب التي تسبب الفساد في الأرض, لكن يجب أن لا يؤثر هذا الأمر على البناء الأخلاقي للعائلة أو يؤثر على أفكار العائلة وعقائدها.
3- علاقة البنت مع صديقاتها في المدرسة: أنتم ترسلون أبنائكم إلى المدرسة في سنين لا تعلمون بمن يحتكون وإلى جانب من يجلسون ومن أي الأشخاص أدباً وأخلاقاً يكتسبون وأي ثقافة فاسدة يتعلمون, إنهم ومن تلك السنين سنين الطفولة ومثلاً من الصف الأول الابتدائي على استعداد لتقبل ونقل ما يحملون من أخلاق, ثقافات, عقائد إلى بعضهم الآخر, وعلى هذا الأساس فإن اختيار المدرسة والصف المحيط من حيث نوع الأفراد وآدابهم وعاداتهم ورسومهم يعتبر أمراً ذا أهمية في بناء أو هدم البناء الأخلاقي للأبناء, وعلى الوالدين أن يلتزما أعلى صور الحيطة والحذر والوعي في هذا المجال, فالأصدقاء والأقارب يجذب ويكسب أحدهم الآخر, أما في طريق الهداية والكمال أو في طريق الفساد والتربية السيئة.
إن اختيار صديق ورفيق اللعب في مراحل الصبا والبلوغ يأخذ طابعاً آخر, وفي أواسط العقد الثاني من العمر تصل هذه الروابط إلى أعلى مستوياتها, والبنات في هذه المرحلة في حالة تبادل أسرارهن وخصوصياتهن مع صديقاتهن قبل اطلاع أمهاتهن عليها, وهذا الأمر يرتبط بنوعية العلاقة والانجذاب, فبعض الأحيان يكون انجذاب البنت إلى أمها أكثر من انجذابها إلى صديقتها وبالعكس, فإذا ما انجذبت إلى صديقتها فإنها ترغب أن تكون كل أفعالها وأعمالها وسلوكها منطبقاً مع أفعال وسلوك صديقاتها وتابعة لما تريد وترغب تلك الصديقة, وهذه العلاقات في بعض الأحيان تجر البنت إلى مهاوي الخطأ وارتكاب الذنب, ولا شك أن يقظة الأبوين ومراقبتهما يكون حائلاً دون انزلاق ابنتهما في طريق الضلال.
4- العلاقة مع أطفال الزقاق والمحلة: في العوائل ذات الأفكار الصحيحة والبنّاءة يصرف الآباء والأمهات ذوي الأهداف الرسالية على تربية أبنائهم, فيسعون إلى أن يبقى أبناؤهم أكثر أوقاتهم في البيت وقسماً من أوقاتهم في المدرسة أو برفقة آبائهم وأمهاتهم في أثناء تجوالهم وسفرهم أو في زيارتهم لبيوت أقربائهم.
وعلى هذا الأساس فلا يبقى للطفل وقت لكي يذهب إلى الزقاق ليلعب مع أطفال المحلة أو الشارع, حيث أن حضور الطفل في الشارع يسبب له خطرات أخلاقية أو أضراراً جسمية وروحية, ويكون في وجودهم مزاحمة للآخرين, أما بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في الشقق ففي بعض الأحيان تقتضي الضرورة خروج الأطفال لاستنشاق الهواء الطلق واللعب في الحدائق والمتنزهات أو البيوت التي فيها فناء وساحة وتحت رقابة وإشراف الوالدين حيث أن هذا الأمر له علاقة بنمو الطفل.
الأمر المهم الذي يجب أن نهتم به هو مع من يلعب أطفالنا خارج البيت وأي نوع من اللعب يختارون, فإذا كانت الأم تراقب الطفل فهناك لا إشكال في الأمر, ولكن إذا ما غفلت عن طفلها وخرجت العلاقات والمعاشرة مع الآخرين عن الحدود المألوفة فهنا وقع الخطر, حيث أن أغلب الأطفال يتعلمون الكلام البذيء والمواضيع الركيكة من الشارع ويأتون بما تعلموا إلى البيت ليتعاملوا به.
5- الاحتكاك بين الأطفال: إن الأصدقاء والمعارف على الرغم من أنهم ليس من ذوي الأرحام فإنهم يؤثرون في الأبناء ويحتمل أن يكون لهم تأثير حسن أو سيّء على نفوسهم أو يتمكنوا من مسح التربية التي تربى بها الطفل على يدي أبويه من ذهنه, فيقع الأمر المحذور الذي كان يتحاشاه الأب لسنين طويلة.
إن الجذب والاكتساب يقع حتى في سنين الطفولة, فالكثير من الأطفال نراهم يتعلمون التربية السيئة على أثر عدم التزام الآباء, وهم مهيئون للحصون على أرضية لتطبيق ما تعلموه.
ثانياً: قلنا أنه من الضروري لإجراء النظام كامل أن يتعود الأطفال منذ الصغر على ذلك النظام حتى لا نلجأ إلى فرض ما نريده عليهم في الكبر. فالبنت والولد إذا ما قضينا وقتا من عمرها بشكل مختلط وبدون أي رقيب فكيف نستطيع أن نفرض عليهما الابتعاد عن بعضهما بعد البلوغ؟ وعلى هذا الأساس فيجب إتباع بعض التعليمات في هذا المجال.
وكذلك ففي بعض الأحيان نرى صديق الأب, ومن أجل إظهار محبته وحنانه تجاه طفل صديقه يقوم بتقبيله, في حين إننا ذكرنا إنه يجب أن يقلع الأب عن تقبيل البنت في سن السادسة فكيف بالنسبة لغير المحارم, فلا يجب هدم البناء الذي بنيناه في حياتنا تحت عنوان المحبة والحنان والعطف.
في العلاقات والروابط يجب أن نسعى بإقامة العلاقة بين الأطفال من ذوي الأعمار المتساوية فيلعبوا مع بعضهم الآخر, لا أن يلعب الكبار مع الأطفال إلا إذا كانوا من ذوي الأرحام, فيجب أن نمنع البنت في عمر الثمانية أن تلعب مع البنت في عمر الثانية عشرة إلا أن يكون اللعب تحت إشرافنا ورقابتنا, حيث أثبتت التجارب الخسائر والأضرار الناتجة عن هذا الأمر.
6- العلاقة مع وسائل الإعلام: قد تكون الأفلام السينمائية والتلفزيونية بناءة وقد تكون هدامة, لأن إعداد الفلم تقتضي مطالعات طويلة وتخطيطاً متواصل ومدة طويلة ولكن الفلم يعرض في دقائق معدودات ويترك آثاراً أما سيئة أو حسنة, فعلى الوالدين مراقبة أبنائهم في هذا المجال فيجب أن يكون حبهم وكرههم مبنياً على أسس, أن يربوا فيهم حسن عدم الاستسلام أو التجاوز, وإن لا يقلدوا الآخرين بغير حساب في السباق أو التنافس.
إننا لا نريد أن نفصل البنت عن المجتمع بل نريد منها أن تتعلم ويكون عملها مبنياً على ضوابط وحسابات مدروسة.
إن التربية تحصل بصورة قطرة قطرة ولكن في حالة انقلاب الإناء أو سقوط فإن حاصل إتعاب العمر والمعاناة تذهب هدراً وهباءً منثوراً.
7- العلاقة مع غير المسلمين: أن الأطفال في مرحلة الطفولة يبحثون عن من يلعب معهم, وهذا الأمر متعارف لدى جميع الأطفال, ولا يهتم الأطفال بموضوع العقيدة والفكر والمذهب, فإن الطفل الأبيض مستعد أن يلعب مع الطفل الأسود من غير أن تكون قضية اللون مانعاً في ذلك. وبعد وصولهم إلى سن البلوغ يلعب الإعلام والتلقين من قبل الوالدين والمربين دوراً في حساسية الأطفال تجاه بعضهم.
إن الذي نود أن نبحثه هنا هو مسألة اللعب والمعاشرة في سنين التمييز, فالأمر يكون في بعض الأحيان أمراً طبيعياً عندما يكون أبو الطفل غير المسلم غير هادفيّن في نشر عقائدهم وأفكارهم عن طريق أطفالهم ليؤثروا على أطفالنا, أما إذا كان الأمر بالعكس أن يقوم هؤلاء باتخاذ أطفالهم كوسائل لتبليغ أفكارهم وتعاليم دينهم عندها سيكون اختلاط أطفال المسلمين بأطفال غير المسلمين أمراً مرفوضاً.
إن الكفار وأهل الكتاب يقومون في بعض الأحيان وبواسطة أبنائهم في المدارس والأماكن العامة بإهانة مقدسات المسلمين ويسعون لبث عقائدهم وإظهارها على أنها هي العقائد الصحيحة والمعول عليها وإن عقائد من يخالفهم فارغة, وهنا فإن الأبناء إذا لم يكونوا على قسط من البناء والاستعداد ولم يروا موقفاً من آبائهم تجاه هذه المسألة فإنهم سيواجهون صدمة اعتقاديه.
أجل إن كل شخص غير مسلم يصبح مسلماً ويعتقد بتعاليم الإسلام فإن له حق العيش والاستفادة من مزايا الحياة الإسلامية والمعاشرة الحرة مع المسلمين, وعندها سوف لا يعترض الأبوان على ارتباط أبنائهما مع أبناء هؤلاء.
ضرورة التحذير والإنذار
أن الوالدين والمربين عليهم سلوك طريقين في تربية البنات, الأول: طريق العمل وإبراز النماذج العملية, والثاني: طريق التحذير والتذكر والإنذار حيث أن إيصال غرسة تربية الأبناء وبالأخص البنات إلى مرحلة الثمر أمر ليس بالهيّن, وهو صعب إلى حد ما, وأصولاً فإن أمانات الله ليست بالأمور الهينة. فوظيفة الوالدين هي تفهيم بناتهم الملاكات الضرورية لاختيار الصديق والمعاشر. يجب إيقاظ عقل البنت ومساعدتها في انتخاب صديقاتها ومعاشراتها من اللائي يتمتعن بالصلاح, ويجب عليهم توعية بناتهم في أجواء مملوءة بالصلح والصفاء والمحبة والخير, وبيان أصول الحياة في المجتمع الإسلامي ورعاية الحجاب والستر الإسلامي, وفي الأخير يجب أن نعلمهن الحياة الدينية والعقائدية.
ضرورة استمرار المتابعة والرقابة
من التصورات الخاطئة إن بعض الآباء يعتقدون بأنهم يستطيعون- بواسطة تنبيه وتنبيهين- هداية بناتهم إلى الصراط المستقيم, وبعدها فلا حاجة لهن باستمرار هذه التنبيهات والمتابعات, إننا يجب أن ننسى بأن الشر والقبح موجود في جوهر بني آدم, وإن الرذيلة كامنة في أعماقه, ولا نؤمن من انحراف الإنسان وسقوطه إلى الحضيض, لقد رأينا صدور أخطاء في خلال الحياة الإنسانية من أناس ذوي علم, وقد تقدموا في العمر ولهم تجربة في تعليم الآخرين وإرشادهم, ولأنهم غفلوا لدقائق نراهم ينحرفون عن جادة الصلاح والعفاف. فالإنسان ما دام حياً فهو بحاجة إلى مرشد يرشده في سلوكه وأعماله, وهذا الأمر ضروري لأبنائنا, لأنهم لا يملكون التجربة الكافية والوعي اللازم للبدء في ممارسة حياتهم. وكذلك فإن الخونة والذين يتصيدون في الماء العكر لا زالوا يتحينون الفرص للإيقاع بالأبرياء وحرفهم عن طريق الصواب وجادة الهداية, يجب أن يكون أمر التربية والهداية تحت إشراف الآباء, وعن هذا الطريق نهديهم إلى طرق الفضيلة والسعادة والأخلاق الإنسانية, إن ترك الأبناء وشأنهم أو تركهم يربون أنفسهم بأنفسهم أو يضعون المقررات والضوابط لأهوائهم, كل ذلك لا يكتب له الموفقية والنجاح, بل يجب أن تخطوا خطوات في هذا الطريق.