علاقة البنت بأبيها
الكاتب : الدكتور علي القائمي
إن اختيار نوع التربية من الأهمية بمكان بحيث تعتبر أهم من اختيار نوع الحكومة, وذلك لأن التربية إذا كانت صحيحة فإن الحكومة ستسير مسيرة صالحة في سبيل تحقيق أهدافها, وإذا كانت التربية غير صحيحة فإن أحسن ألحكومات لا تستطيع الاستمرار في عملها. وفي الوقت الذي تكون العلاقة بين التربية والحكومة علاقة اللازم والملزوم تكون أهمية التربية أكثر منها, لأنها تمثل الدور الأساسي في الحياة, فعن طريق التربية وبواسطتها نستطيع هداية أبناءنا على الطريق المستقيم وترسيخ الصفات الحميدة والخصائص الحسنة لديهم.
أما من المسئول عن تركيز الصفات الحميدة عند الأبناء؟ فالجواب هو: إن الآباء, والمربين وكل العوامل الإنسانية التي لها علاقة بهؤلاء مسئولة عن ذلك.
ومن بين كل هذه العوامل يكون دور الأب والأم أكثر تأثيراً, لأن الطفل تربطه بوالديه رابطة وراثية, والأكثر هي الرابطة البيئية حيث يعيشون في أسرة واحدة.
إن تعاون الأب والأم والتنسيق الفكري بينهما في مجال التربية تكون له آثار شبيهة بآثار المعجزة, ويجب أن يدرك الوالدان أهمية وعظمة مسؤوليتهما فيقومان بها بأحسن وجه وصورة.
علاقة التربية بمصلحة الأبناء
من الأمور التي لا نقاش فيها أن الأطفال يخضعون لمراقبة الوالدين, وإن للوالدين ولاية عليهم فيأمرونهم وينهونهم, لكن يجب أن لا ننسى أن هذه الصلاحيات أعطيت لهم من أجل الحفاظ على مصالح الأبناء وسوقهم في طريق الصلاح والخير والسعادة وإبعادهم عن طرق الهوى والانحراف, وأن يعلمونهم التجارب والإبداعات والمهارات.
إن وظيفة ومسؤولية الوالدين هي تربية وتطوير الاستعدادات والقابليات لدى الأطفال ودور الأم هو الأهم والمؤثر في هذا المجال, أما دور الأب فيكون أخطر ومسؤوليته أصعب.
فالآباء تقع عليهم مسؤولية تقوية الإيمان وتحكيمه في نفوس أبنائهم, وأن يعلمونهم أصول العيش المشترك, واحترام حقوق الآخرين, والاستفادة الصحيحة من الحريات الأساسية, وأن يعلمونهم قيمة الحياة وأهميتها, ومسؤولياتهم في هذه الحياة, ويحثونهم على حفظ شرفهم وعزتهم.
دور الأب في التربية
إن مسؤولية الأب لا تتمثل في تهيئة متطلبات العيش والغذاء لأبنائه فحسب, والولاية لا تعدّ من المفاخر, بل إن الأهم هو المسؤولية التي يتحملها الأب في تربية أرواحهم وعقولهم ووقايتهم من الآفات والضربات, وإثارة طريقهم بواسطة توضيح مسؤولياتهم في الحياة.
يتحمل الآباء مسؤولية توفير الأمن والاعتماد على النفس لأبنائهم, وإبعادهم عن الأخطار المحدقة بهم, وفي الوقت الذي يقوم الآباء برعاية أبنائهم والاهتمام بهم, فإن آراءهم ونظراتهم يجب أن تطرح على أبنائهم من دون مجاملة أو مداهنة, وذلك من أجل إعدادهم للحياة المستقبلية.
يجب أن يقوم الأب بدور يحس- من خلاله- أبناؤه بأنهم يعتمدون عليه, فيشعرون بأنه ملجأهم في المواقف التي يحسون بها بالخوف والقلق, ويضعون احتياجاتهم وشكواهم بين يديه, ويتعاملون معه بمثابة المدافع عن حقوقهم والمطالب بها, وأن يتسلوا في كونه يدفع عنهم الحيف والظلم فيقتض من ظالميهم.
وفي النهاية يجب أن يكون دوره في ذهن أبنائه دور اليقظان في مقابل النائم, فينامون مطمئنين بأن أباهم يرعى مصالحهم ويدافع عنهم.
رعاية حرمة الأبناء
تقع على عاتق الوالدين مسؤولية رعاية حرمة أبنائهما,- وخاصة البنات,- فهم بحاجة إلى الشعور بأنهم محترمون ومقدرون من قبل آبائهم, وأنّهم أعزة في كنف أبويهم, وأنّ حياتهم مبعث للسرور والابتهاج في العائلة.
يجب أن يتعامل الأب مع ابنته بحيث تحسب إنها محترمة, وأن تحترم استعداداتها وقابلياتها تحضى بالتقدير والأهمية من قبل الأب, ويسعى الأب إلى حفظ شخصية ابنته ويبني عليها الآمال, وأن يحترم حريتها واستقلالها, وأن يتحرك في طريق تأمين الخير والصلاح والسعادة لها.
في بعض الأحيان نرى الأب ضجراً بسبب الضغوط التي تسببّها الحياة وصعوباتها, فتنطلق منه كلمات غير مسئولة تسبّب نزاعاً واختلافاً في الأسرة مما يؤدي إلى فقدان الصفاء والهدوء من الأسرة, في الوقت الذي يجب أن يعلم الأب بأن أمور الدهر إذا لم تكن على ما يرام فإنّ الأبناء وأفراد الأسرة غير مسئولين عما حدث ويحدث, ولا تقصير لهم في هذا المجال.
إن من علامات الاحترام ورعاية حرمة الأبناء هو الحماية المتواصلة من قبل الأب لأبنائه سواء أكان ذلك في المجالات المادية أو المعنوية بحيث تشعر البنت بالاطمئنان والسعادة بأن إمكانات الأب في خدمتها وتحت تصرفها.
رعاية العدالة
يجب أن يكون الأب مظهراً للقانون والعدالة بين أبنائه وهذا رجاء الأبناء وأملهم من أبيهم, وهو رجاء طبيعي وحق مشروع.
فمن غير المناسب أن تشهد البنت في بعض المواقف تفرقة وعدم رعاية العدالة من قبل أبيها. وهذا الأسلوب يعتبر من مخلّفات وآداب شريعة الغاب, حيث يفرّق الأبوان بين البنت والولد, فيصادرون حقوق البنت لا لشيء إلا لكونها بنتاً ويرجّحون الولد عليها بسبب كونه ولداً.
وقد أسدل الإسلام ستار النسيان وأصدر تعاليمه ببطلان هذه العادات, ووقف من التفرقة بين البنين والبنات موقفاً حازماً. ومن القبح بمكان أن يفرّق الآباء بين أبنائهم بسبب جنسهم, فتثار عند ذلك الضغائن والحسد وروح حب الانتقام بين الأبناء, وتحدث الخلافات وتسود أجواء من عدم الاستقرار والفوضى.
يجب أن يعلم الآباء بأن وجود التمييز في الأسرة يعني إيجاد الأرضية لحدوث نزاع واختلاف بين البنات والبنين, فيسعى الفريقين إلى إخراج كل منهما الآخر من الساحة. وهذه الأساليب تخلق عقدة الحقارة لدى البنت, فتشعر البنت بالانزواء والانطواء لفقدانها الثقة بنفسها, وتنمو عندها عقدة الشعور بالحقارة, والحقيقة فان الآباء يتحملون مسؤولية ما يحدث من مضاعفات نتيجة إتباع مثل هذا النهج.
الأب القدوة
يجب أن يكون الأب قدوة لأبنائه وسنداً للبنت, فيكون عمله منصبّاً على إسعاد أبنائه وخلق روح الأمل في نفوسهم, فيكون الأب محبوباً من قبل أبنائه, ويجب أن تكون أخلاقه وعزة نفسه ومناعة طبعه وصدقه وحبّه للخير وتعاونه بمثابة درس وقدوة لأبنائه, فعندما يتكلم الأب يجب أن نحس منه الاقدام والحزم في الكلام, وإذا ما أصدر حكماً فعليه أن يقف عند قوله ورأيه, وإذا ما أخطأ فيجب أن يعترف بخطأه, وأن يكون أمره ونهيه تابعاً من تفكير وتخطيط ويجب أن يكون قدوة في عبادته وتقواه, فيقوم بأداء الفرائض في وقتها ويكون مظهراً للوحدة في قوله وفي عمله. وهناك تناسق بين قوله وعمله, وإن يكون ذا وجدان وشخصية, مسلطاً على هوى نفسه, حارساً لمن هم في كفالته, مدافعاً عن عزتهم وشرفهم, وفي جميع الأمور يجب أن يكون قدوة بحيث يتخذ منه الأبناء كحجر أساس لجميع تصرفاتهم وأعمالهم.
العلاقة مع الزوجة
يجب أن تكون علاقة الأب مع زوجته علاقة تحافظ على عفة وتقوى أبنائهم هذا أولاً.
وثانياً: تكون هذه العلاقة بمثابة درس ومحرك يرغّب البنت ويحثها على تشكيل العائلة وإدارة الحياة.
إذا ادّعينا بضرورة انعدام المشادّات والمشاحنات الكلامية في الحياة العائلية فكن مثالي, قد نجده إلا عند أمثال الإمام علي والزهراء سلام الله عليهما. في الحياة العائلية تحدث بعض المشاجرات بسبب اختلاف المشارب والأذواق.
ليس المهم أن لا توجد مشاجرة بل المهم هو أن نقوم بحل الاختلاف ورفع أسبابه, وإحلال الصلح محل التوتر. وإذا ما انجر الاختلاف إلى المشاجرة والمشاحنة فيجب المحافظة على الأعصاب, والسيطرة على النفس, وبالأخص أمام الأطفال لانّ ذلك يسبب لهم الضجر ويكون درساً سيئاً لهم.
إن من الأخطاء الكبيرة أن يقوم الأب بإهانة الأم أو ضربها وأطفالها ينظرون ويسمعون, فهل يستطيع الأب- والحالة هذه- أن يكون قدوة للعدل والأخلاق؟ هل نستطيع أن نعتبر مثل هذا الأب مظهراً للعفو والتسامح والتضحية من أجل أسرته؟ والأقبح من هذا العمل أن ينجر النزاع إلى تبادل الكلمات البذيئة والضرب والشتم, وبنظرنا وأد البنت أقل خطراً من مشاهدتها لهذه المشاهد.
الأب وإبراز العواطف
لا كلام في ضرورة قيام الأب بإظهار محبته وحنانه وعطفه تجاه ابنته, لكن نودّ أن نتكلم عن الأحكام التي تتعلق بهذه المسألة, ومن جملتها ما ورد في كلام للإمام علي (ع) بأنه لا يحقّ للأب أن ينام مع ابنته البالغة من العمر ست سنوات تحت لحاف واحد, والقول الوارد عن الإمام الصادق (ع) بأنه لا ينبغي للأب أن يقبّل ابنته التي بلغت هذه السن وإذا ما وصلت إلى سن تستطيع فيه التمييز وتدرك التباين بين عالم المرأة والرجل, فهنا لا ينبغي للأب أن يضعها في حضنه أو يجلسها على رجله. والإسلام لا يقصد من هذا بأن الأب لا سمح الله له قصد سيء بل الغرض هو حفظ ورعاية التعاليم الصادرة من الشارع المقدس والتي تفرض بعض المراقبات وذلك للوقاية من وقوع بعض المفارقات, ولحفظ سعادة الطرفين وتأمين الشرف والعفة للجيل الجديد. فالأب إذا أراد أن يقبل ابنته في هذه السن وبحسب ما ورد في الشرع فيجب أن يقبلها في رأسها أو جبهتها أو على كتفها, والمسح على رأسها يمثل إبراز المحبة والعواطف من قبل الأب تجاه ابنته.
العمل بالمقررات والضوابط
إن أطفالنا- ذكوراً وإناثا- بحاجة إلى مقررات وضوابط, فهم يحبون أن يعيشوا طبق نظام للحياة وعلى أسس وقواعد, وحسب برنامج في نوع الكلام والسلوك.
فيكون نومهم, أكلهم, لعبهم وعملهم خاضعاً للمقررات والضوابط.
وفي البيت يكون الأب مظهراً لهذه المقررات والقوانين, فهو يأمر وأفراد العائلة يطبقون أوامره, وإذا ما تخلف أحد عن تطبيق أوامره فإنه سيلجأ إلى العقوبة, فيحافظ على أبنائه من الانحراف عن جادّة الصواب فيهديهم ويأخذ بأيديهم ليسيروا في الطريق المستقيم.
أولاً: أن الأصل هو رعاية الانضباط, ولكن هنا يجب أن نراعي بعض المسائل الأخرى وهي: أن خلق جوّ من الرعب والخوف, الغضب والحقد, الضرب والشتم والجرح, الخشونة والاستبداد لا تعتبر من المسائل المؤثرة ولا تجلب فائدة لأفراد العائلة ولا تهديهم للطريق المستقيم.
ثانياً: إن الاستبداد بالرأي والأسلوب وإجبار الأبناء على الطاعة تعبداً بسبب ضجراً عند الأبناء تجاه أبيهم.
وثالثاً: أن الخشونة في العاطفة وعدم إبراز المحبة تجاه البنت يقتل عندها قوة الحكم على الأمور والتمييز.
في الأمور الانضباطية يجب إقناع الأبناء, ولا يكون عمل الأب بشكل يساعد على قتل النمو الروحي لدى الطفل ويعرّض شخصيته للخطر, بحيث يشعر الأبناء بأنهم يتقبلون النظام والمقررات لا يشعرون بالمحبة كأمر مفروض, فيخلق منهم أبناء قساة القلوب.
الأب اللاأبالي:
يجب أن يكون الأب مظهراً للاقتدار في العائلة لا مظهراً للشدة والتحكم والاستبداد بالرأي, مظهراً للعدالة وتطبيقها لا أن يكون كسولاً, متوانياً ومهملاً.
مع الأسف أن بعض الآباء لا حول ولا قوة لهم, هم أقرب إلى الكاريكاتير من الأب, ويكونون في العائلة من الذين تحلّ عليهم الرحمة والصدقة, فيقوم أفراد العائلة بالترحم عليهم. وفي مثل هذه العوائل إذا لم تتمتع الأم بشخصية وتكون ذات قدرة تستطيع ملء الفراغ الناشئ من ضعف شخصية الأب, فإن النظام التربوي في مثل هذه العائلة سيؤول إلى الهدم والدمار. وفي الوقت نفسه إذا كان هناك عائلة فيها أب ضعيف وأم متنفذة فالأمر سيؤول أيضاً إلى الخسارة, وذلك لأن البنات سيمثلن الدور الذي مثلته الأم في هذه العائلة ولا يستطيع أحد أن يقف في طريق إرادتهن هذه. فيجب أن يتمتع الأب بشخصية وروح عالية لكي يستطيع أن يقيم علاقات مناسبة مع أبنائه .
زلات وهفوات الآباء
إن بعض الآباء يرتكبون زلات وهفوات خلال حياتهم, وفي بعض الأحيان تكون هذه الزلات غير قابلة للإصلاح والتعويض أو يكون إصلاحها صعباً للغاية, فبعضها يشمل التفرقة فترى الأب يأنس دائماً لولده ويترك ابنته أو يترك البنت مع أمها فقط. وفي بعض الأحيان تكون هذه الزلات مرتبطة بتحقير البنت كأن يقول لابنه لماذا تبكي؟ هل أنت فتاة. وفي مسابقة بينه وبين أخته, أو يجبر البنت على الدخول في مسابقة مع الابن وهو يعلم مسبقاً أن ابنه له القدرة على الفوز في هذه المسابقة وهذا يؤدي إلى تعرض البنت إلى صدمة عاطفية وروحية.
في بعض الأحيان نرى الأب, ومن أجل المطالعة أو القيام بعمل ما, وللخلاص من أصوات أبنائه, يختلق لهم عملاً إضافياً أو يزيد من تكاليفهم أو يجبرهم بالتهديد والشدة على السكوت وهذا خطأ تربوي.
إن الأخطاء التربوية كثيرة ويجب أن يتنبه الآباء إلى ما يقومون به من عمل, فإذا كان غير مرجّى من قبل أبنائه فيجب أن يمتنع عن القيام به, لأن سلوك الأب وعمله يعتبر درساً لأبنائه.
ملاحظة مهمة
يجب أن يراعي الأبوان والمربون بعض النقاط المهمة في البيت وهي :
1- إن البنات كالبنين بحاجة إلى مساعدة الأب في إنجاز وظائفهن ويجب أن لا يهمل الأب هذا الجانب.
2- أن أسلوب معاملة الأب لأبنائه يجب أن يكون بالتساوي من دون أية تفرقة وذلك لتجنب ما يسبب الحقد والضغائن.
3- يستطيع الآباء أن يخلقوا الرغبة لدى البنات في السعي والاجتهاد في الحياة وجعل دورهم دوراً أساسياً من خلال تشجيع وترغيب البنت على أداء مسؤولياتها.
4- يجب تربية الاستعدادات والقابليات الفطرية لدى البنت.
5- دع البنت تنتخب وتختار مسيرتها, والأب يكون لها بمثابة الهادي.
6- في أثناء عقوبة البنت يجب تركها إذا لجأت إلى أحضان أمها واحتمت بها.
7- وأخيراً يجب أن يسعى الآباء بأن لا تكون استعدادات وقابليات أبنائهم ضحية لمطامعهم ومنافعهم ومصالحهم, يجب أن يكون سعي الأب منصبّاً على الحصول على رضا الله سبحانه وتعالى وحفظ مصالح الأبناء ومنافعهم.