في العشرة والعلاقات

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

يجب أن نهتم بالنقطة التالية وهي إننا مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى بالنسبة لأمر تربية أبنائنا سواءً أكانت التربية حسنة أم سيئة.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله :" أدّبوا أولادكم فإنكم مسؤولون".

وفي التربية عشرات النقاط التي تعتبر أدقّ من الشعرة يجب الانتباه لها, طبعاً إننا لا نستطيع أن نلمّ بكل الفنون والأساليب والنقاط المتعلقة بهذا الموضوع ولكن هنا لا يعني إننا سنترك الأمر بدون بحث, لأن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه.

لقد استنتجنا بالتجربة بأنه إذا ما توخينا الدقة في أمر تربية أبنائنا فإننا سوف نتقي الكثير من الابتلاءات والأخطار الناتجة من عدم التربية, وإن الكثير من الابتلاءات والأخطاء ناتجة من عدم الاهتمام بهذه المسألة أو عدم اتخاذ الموقف الخاص بذلك.

أما على صعيد المعاشرة ونوع العلاقات, فإننا في بحوثنا السابقة أشرنا إلى مسائل مختلفة, ونرى أنفسنا الآن بحاجة إلى طرح المسألة من جديد وبشكل آخر, لأن نوع العلاقات والمعاشرات بالنسبة للأبناء وبالخصوص البنات في مرحلة الطفولة والصبا حتى البلوغ والكبر يعتبر أمراً مصيرياً ومهماً.

 

ملاحظة مهمة

لقد قلنا في بحوثنا مراراً بأن روحية البنت تتجلى فيها الرحمة والمحبة, ففي عملها وطبعها الأخلاق والتضحية, التصديق والقبول, والتسليم, وأن لهذه الصفات دوراً مهماً لاستمرار حياتهن, كما أن لها- في نفس الوقت- تأثيراً سلبياً فيما لو استغلّت من قبل الأشرار لحرف البنات عن جادّة الصواب والخير. وأن الكثير من الخونة استفادوا من الروح اللطيفة والظريفة التي تتمتع بها البنت فهي تضحك بسهولة وتبكي بسهولة, وبفتح باب المعاشرة غير السليمة والعلاقات المضلّة استطاعوا أن يحرفوا عن طريقهن وهدفهن الرئيسي. والذي نتوخاه هنا أن تكون الأهداف واضحة في التربية وأن يعلم الآباء والأمهات الطرق اللازمة لتكامل الإنسان ليسلكوها, ويجب أن يعلموا ما هي المواقف التي يجب اتخاذها من أجل حفظ وتكامل الأبناء, وما هي النقاط التي يجب الاهتمام بها بسبب وجود هذه الصفات لدى البنات؟.

ضرورة المعاشرة

إننا لا نريد هنا أن يقوم الآباء بمنع بناتهم من المعاشرة ويحسبوهن في البيوت, لكن الذي نتوخّاه أن تكون هذه العشرة مبنية على أسس وضوابط محسوبة وتحت رقابة معينة, لكي لا تتوجه لهن صدمة في مسيرة حياتهن.

إن الإنسان- سواء كان طفلاً صغيراً أم رجلاً كبيراً- بحاجة إلى المعاشرة. يجب أن يجالس الآخرين ليتعلم آداب ورسوم الحياة وليتفاهم مع بني نوعه, وليتعلم أسلوب الاحترام المتقابل, ودروساً في المحبة والإخلاص والعفو والتعاون والتضحية والتدين.

إننا في التربية لا نقف في وجه المعاشرة بل نمنع المعاشرات غير الملتزمة واللامشروعة, يجب أن تفهم البنت أصول العشرة وكيفية انتخاب من تعاشر, ولأيّ حدّ تسمع من صديقاتها, وما هي حدود التأثر, وما هي حدود الإعانة التي تقدمها لكي تكون موفّقة في انتخاب من تعاشر.

 

مع من تكون العشرة؟

كيفية اختيار الجليس والصديق أمرٌ يحتاج إلى بحث مفصل ومنفصل, وإن المسائل التي نطرحها هنا ليست من المسائل التي يمكن لبناتنا الصغار القدرة على دركها ورعايتها, حيث إننا نحتاج في هذا المجال إلى تعاون الوالدين, وسوف نتحدث عن ذلك لاحقاً.

أما فيما يتعلق بالشابات والصبيات فإنه من الضروري أن يقوم الآباء برعاية الضوابط والمقررات المتعلقة بموضوع اختيار الصديقة والمعاشرة, وذلك بصيغة قصص, نصائح, تذكرات, تحذير, ويطلب منهن رعاية هذه الضوابط والمقررات.

ونحن في هذا المجال نستطيع الاستفادة من الضوابط القرآنية وما ورد في روايات المعصومين عليهم السلام فقد اهتم إسلامنا العزيز بموضوع اختيار الصديق والجليس وبشكل واسع ومستفيض, وردت عن الأئمة المعصومين عبارات وبيانات حذروا فيها تابعيهم, وشجعوهم في مجال اختيار الصديق والجليس المناسب.

ويجب أن نحذّر البنت من الإنسانة التي تتخذها كصديقة فيجب أن تدعوها إلى كسب الفضيلة, وأن تتمتع بعمل لائق وصحيح يزيد من قدرها وشرفها, وأن تتمتع بحسن القول والوفاء بالعهد, والطهارة والصدق والإخلاص والمحبة. فإن مجالسة ومصاحبة مثل هذه الصديقات يزيد في الإيمان والاستقرار الروحي, ويدعو البنت إلى التمسك بالأوامر الإلهية والعدل والمساواة والعبادة والإخلاص.

 

الاحتراس في المعاشرة

يجب أن نوصي الأبناء بالحذر والاحتراس من مجالسة الأفراد ذوي الصفات والأخلاق السيئة, لأن الجليس السيئ له تأثير سيّء في حياة الإنسان لأنه سيعرض وجوده إلى الفناء...

يقول الإمام الجواد عليه السلام ما مضمونه أن الجليس السوء كالحية السامة لونها يسر الناظر وملمسها لين ولكن في سمها الموت والفناء, فيجب أن نحترس عن مثل هذا الجليس.

ويجب أن نعلّم البنات ما قاله الإمام زين العابدين عليه السلام لا تجالسوا الشرير والأحمق والفاسق والبخيل وقاطع الرحم والكذاب, وكذلك أوصى عليه السلام الاحتراس من الأصدقاء الذين تربطهم معك رابطة الطمع أو الخوف أو الوحشة في هذه الدنيا ويجب أن لا ننسى بأن قيمة أي شخص يمكن معرفتها من خلال معرفة نوعية أصحابه وأصدقائه, وإن الكثير من العقوبات والابتلاءات تلحق الإنسان بسبب أصدقائه.

قال تعالى في كتابه الكريم في هذا الباب"... يا ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلاً لقد أضلّني عن الذكر..."

لأن الارتباط مع الظلمة تكون نتيجته سوء الحظ والتعاسة والهلكة.

 

دور الآباء في مسألة اختيار الجليس:

إن للوالدين والمربين الواعين دوراً أساسياً في انتخاب أبنائهم للأصدقاء والجلساء, وهذا الدور أما أن يكون مباشراً أو غير مباشر, وفي هذا المجال فإن الأم تكون أفضل مساعد للبنت في انتخاب صديقتها.

مثلاً في مرحلة الطفولة تعرّفها على واحدة أو أكثر من بنات الجيران المعروفات بالاستقامة وتنصح ابنتها بأن تلتقي بهن في كل يوم في البيت وتلعب معهن, وهذا العمل بالنسبة للبنت الصغيرة سهل جداً أما إذا ما بلغت سن الصبا فإن الأمر يصعب.

فالأمر السائد هو إن صديقات البنت في مرحلة المدرسة تربطهن مع الفتاة علاقة شديدة, وإذا لم تخضع هذه العلاقة للرقابة والسيطرة يخشى أن ينتج منها ما لا يحمد عقباه.

وفي كل الأحوال فإن الوالدين يجب أن يتوليان النظر في مصلحته ابنتهما أن يكون لهما دور في اختيار الصديقة والجليسة المناسبة لابنتهما, وبالعكس أي إذا كانت الجليسة والمعاشرة غير لائقة فإن على الأبوين الاستفادة من نفوذهما وقدرتهما في سبيل الوقوف أمام هذه العلاقة. وفي كل الأحوال فإن المهم هو الأخلاق والتربية. والأصل هو انتخاب الأسلوب المنطقي في هذا الطريق.

 

 

مسؤولية الوالدين عند حدوث الخطأ والزلل

في التربية يجب أن تكون أفعال وسلوك الوالدين بمثابة درس للأبناء, فالضحك والنظر, والفعل والانفعال وإظهار الحب والغضب وتحمل المسؤولية, في كل هذه الأمور ومن خلال حركات الوالدين وسلوكهما يستطيع الأبناء معرفة كل هذه الأمور ومن خلال حركات الوالدين وسلوكهما يستطيع الأبناء معرفة كيفية اتخاذ الموقف المناسب في هذه الحالات. وهذا الأمر له دور كبير ومهم في التربية وفي موارد عديدة يستطيع الأب والأم الاستفادة من هذا الأسلوب, فمثلاً إذا أرادت البنت أن تعصي في مسألة انتخاب الجليسة والمعاشرة ولا تستمع لإرشادات الأبوين في هذا المجال, فإن الأب يستطيع من خلال نظرة قوية إفهام البنت بأنه مخالف لعملها هذا وتكون النظرة القوية بمثابة إنذار لها. طبعاً في هذا المجال الأصل هو المحبة والتفاهم والعطف والحرمة, وحرية الفكر والأخلاق والإيثار والتضحية, والاستفادة من الإجبار والضغوط الروحية يجعل البنت ضيقة الصدر وفي عذاب دائم, أما الأسلوب الآخر وهو أسلوب الحب والحنان فيمكن الاستفادة منه في حالة فشل الأساليب الأخرى وإذا ما أحسسنا بأن فكرها وروحها في خطر.

 

مجالسة الوالدين للبنت:

من الأساليب المهمة التي تجعل أبنائنا يختارون صديقا وجليساً لهم هي عدم إشباع حاجتهم إلى هذه المسألة من قبل الوالدين, يجب على الوالدين أن يخصصوا أوقاتاً للتفرغ بها لأبنائهم, فيجلسون معهم لساعات ويتكلمون فيما يهمهم.

ففي الجلسات العائلية يجب أن يكون الكلام متنوعاً, فكل من لديه موضوع يقوم بطرحه, وكل من عنده فن يعرضه, وكذا لو كان هناك بحث عن الله والمعاد أو عن آداب ورسوم الحياة أو عن الحقوق والحدود, الدين, الأخلاق, التربية, المسؤولية والأعمال اليومية. والبنات توّاقات إلى مثل هذه الاجتماعات, ففي الوقت الذي يستطيع الوالدان قول ما عندهما فإنهما يستطيعان تشخيص المواقف والتحرك ضمن المسؤوليات الملقاة على عاتقهما, فإذا كانت هناك قضية تخص أحد أفراد العائلة فإنها تطرح بدون ذكر اسمه, وكذلك تطرح المواقف تجاه هذه المسألة, وفوائدها، وعلى هذا الأساس تتم عملية هداية وإرشاد البنات.

 

معاملة الوالدين للبنت:

ينبغي أن يكون تعامل الوالدين مع البنت بحيث يجعلها راضية من كونها بنتاً فلا تشعر بعقدة منه, ولا تتمنى أن تكون ولداً. وكذلك يجب أن تكون العلاقة معها بشكل تحس معه أن وجودها سبب في غبطة الوالدين وسرورهما, وهذا الأمر له الأثر في عدم ارتباط البنت مع صديقة وجليسة.

ومن المسائل التي تطرح في أساليب التربية مسألة التفرقة, فلها الأثر الكبير في نشوء العقد, وتلوث الروح اللطيفة للبنت, إن المعاشرة غير السليمة في حياة البنين أو البنات تنشأ في بعض الأحيان من عقد التفرقة وتكون كانتقام لهذا الوضع.

من الطرق المهمة في السيطرة على المعاشرة هو أن نقوم باحترام البنت احتراماً كبيراً وأن ننصحها, وأن نكون شركاء لهمّها وغمها, يجب أن نسعى إلى أن يكون هدفنا هو توفير حياة مملوءة بالراحة واللذة والرفاه لها وهذا الأمر- بالإضافة إلى كونه يخلق من البنت إنساناً له علاقة بالحياة فإنه له الأثر الكبير في إسعادها وسعيها للقيام بأعمالها البيتية.

وأخيراً يجب أن لا تنسى بأن أبناءك في أمس الحاجة لعطفك وحنانك, وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه تأمين هذه المحبة وهذا الحنان فإن الأبناء سيلجئون إلى إشباعه عن طريق الأصدقاء والجلساء ليكونوا لهم أفضل عزاء وأفضل منفس عن همهم وغمهم وليستلهموا منهم سبل الهداية والإرشاد.

 

البنت والمسائل الاجتماعية

إن للبنت في المجتمع الإسلامي تواجداً ملحوظاً, وكما قلنا تكراراً فإن الأجواء الإسلامية لا توجد فيها مزاحمة ومضايقة للبنات العفيفات فلا كناية ولا استهزاء ولا قول لاذع ولا طعن ولا ثرثرة في المجتمع الإسلامي, حيث يقف حائلاً أمام الحركات غير الملتزمة واللامسؤولة. وعلى أفراد المجتمع أن يكون لهم موقف حسن تجاه النساء والبنات العفيفات فلا يتفوهون بالكلمات البذيئة أمامهن, ويجب أن يقدموا لهن التسهيلات أثناء قيامهن بواجباتهن الاجتماعية وفي البيع والشراء وأن يقدموهن على الرجال, ولو أن هذا العمل يتماشى مع العادات الغريبة إلا أن نية أولئك استعمار المرأة والاحتيال عليها, في حين أن المجتمع الإسلامي يسعى إلى حفظ عفافها ورعاية أحوالها ومساعدتها في تربية الجيل وإدارته.

أن الغرض من معاشرة النساء والبنات في المجتمع الإسلامي يجب أن تكون منصبّة على تكميل وبناء المرأة, ومساعدتها على القيام بمسؤوليتها التي أوكلتها إليها طبيعة خلقتها.

 

تذكرات في العشرة

مع الأسف أن وجود بعض الأمثال والاستعارات والكنايات لا زالت متأصلة ومتجذرة في المجتمع فتسبب هدم البنى الأخلاقية في المجتمع. يجب أن نقضي على جذور بعض هذه الأمثال ويجب أن يفهم أبناؤنا بأن بعض هذه الأمثال لا أساس لها.

يجب أن يعلم أبناؤنا أن المثل القائل عيسى بدينه وموسى بدينه لا يستطيع أن ينفي عنا مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الإنسان كائن مسؤول, ومطلوب منه الإجابة عن أعماله الحسنة والسيئة, فعليه الاهتمام بمسؤوليته ووظائفه الموكلة إليه بدون ضعف وتزلزل, وعلى الأبوين تقع مسؤولية عظمى في توعية وإيقاظ الأبناء.