الخطوط العامة للحياة الاجتماعية للناشئين
الكاتب الدكتور علي القائمي
يرى بعض علماء النفس ان وضع الناشيء ونموه البدني – الحياتي ن يؤثر في اوضاعه الاجتماعية . بينما نرى ان الناشيء يقوم بتغيير النهج الاجتماعي ليس بسبب التغييرات الفيزيولوجية فحسب ، بل ان لفرص التعلم المناسبة والتدريبات والعادات واهم م نتلك التغييرات الباطنية للناشيء دوراً مهماً في هذا الامر .
وتؤدي التغييرات الباطنية للناشيء في نواحي الذهن والنفس والعاطفة الى دخوله عالماً آخر ، بشكل بحيث يخرج اجواء الطفولة ، وتنفخ فيه روح المسؤولية والالتزام الاجتماعي كما تؤدي الى حصول نوع من الانسجام والتضامن مع الاسرة والآخرين لديه وهناك امثلة نلاحظها في النشاطات اليومية للناشيء وعلاقاته .
ان القضية المهمة هي ان مستوى النمو الاجتماعي للناشيء لايتناسب مع بقية مجالات نموه وهذا يؤدي الى ابتعاده عن اقامة علاقات سليمة ، وتثير الاشواق واليقظات لدى الناشيء تحركاً من دون ان يتمكن من ادراك وفهم الضوابط والآداب الاجتماعية .
اتساع العلاقات
بعد الدخول الى عالم الفتوة ، تحصل لدى الانسان رغبة في الحياة المشتركة واقامة علاقة مع الاصدقاء وقد اعتبر سن الحادية عشر سن المصاحبة وسن الرابعة عشر ذروة العلاقات والاتصالات وتكون اغلب العلاقات في هذين السنين وبعدهما ثابتة ومستمرة .
وفي هذه السنين تحصل مسرات وضحك وثرثرة في الاتصالات الهاتفية ويحصل احياناً قطع العالاقات وبرودة في العلاقات وكلام غير موزون . ويكون للعلاقات الاجتماعية طابع انفتاحي ويسعى الناشيء الى التعرف على كل مزاج والقيام باختيار الصديق وفقاً لمزاجه . ويبحث الناشيء منذ سن الخامسة عشر عن رضاه في العلاقات الاجتماعية خارج اطار الاسرة واقناع روحه الاجتماعية عن ذلك الطريق ويشبع النزعة الى الجماعة عن ذلك الطريق . اجل ان مرحلة الفتوة هي مرحلة العلاقة مع الاقران وقد يسبب الناشؤون احياناً في الجماعة اخطاراً لهم وللآخرين وعلى هذا الاساس تأخذ ارضيات انحرافهم ابعاداً اوسع مما يؤدي الى شكوى الآباء والمعلمين.
الخصائص الاجتماعية
نواجه في هذه المرحلة خصائص فيما يلي بعضها :
- القبول الاجتماعي : معنى القبول القبول الاجتماعي هو القبول بقوانين ومقررات المجتمع . ويصبح الناشيء في هذا السن قابلاً للمجتمع ويصبح لديه بالتدريج الاستعداد اللازم للبلوغ الاجتماعي . وقد اعتبر بعض اصحاب النظر في هذه المرحلة آخر مرحلة للقبول الاجتماعي المكثف والعميق وذكروا ان النموذج السلوكي بعدها يظل ثابتاً تقريباً . وفي هذا القبول الاجتماعي ، تؤثر المعايير ذات الصلة بالمهنة والجنس والطبقة والثقافة ومستوى النمو التقدم الدراسي ولكن في كل الاحوال يدخل الاستعداد للحياة الاجتماعية الى مرحلة الفعل بالتدريج ويشتد ويتخلق باخلاق وصفات الانسجام . وفي ظل هذا القبول الاجتماعي يحصل تغيير في النهج الاجتماعي للناشيء ويتغير نموذج حلاقته لشعر رأسه ووضعه وزيه وشعر وجهه . ولكن هذا الامر لايحول دون ابدائه لوقاحه في بعض الحالات ويتصرف احياناً تصرفات غير مؤدبة مع من هم أكبر منه سناً .
- الرغبة في امتلاك المقبولية : ان مرحلة الفتوة هي مرحلة الرغبة في امتلاك المقبولية الاجتماعية . ويريد الناشيء ان يكون محبوباً ومقبولاً من كقبل الآخرين وخاصة من قبل من له مجاملات معهم ويرى البعض انه قتيل المقبولية الاجتماعية . ويقيم الناشيء علاقة وثيقة مع اقرانه وحتى مع من هم أكبر منه سناً . أنه يود ان يدخل الى جمعهم ويقبل فيه . ويطالب دائماً تأييد الغير خاصة تأييد الذين يعتبر ان لهم اهمية وامانة . وفي هذا الصدد يسعى الفتى الى تحقيق مطالب الافراد الذين يحظون باهتمامه والعمل طبقاً لرغباتهم ورضاهم كي يقبلوه . وبسبب هذه الرغبة يشعر بالغربة من الناقدين ويقف بقوة بوجه النقد الذي يوجه اليه ويدافع عن نفسه . وفي السنين اللاحقة تتجه الرغبة في هذه المقبولية الى الجنس الآخر . ويسعى الفتى الى التصرف بشكل يرضيه ويمكن تفسير مدحه لنفسه وانانيته بهذا اللحاظ غالباً .
- عدم امتلاك المهارة الاجتماعية : ان الفتى الذي يدخل للتو ساحة الحياة الاجتماعية لايتمكن من معرفة بعض الامور بسبب صغر السن والعمل في علاقاته طبقاً للضوابط والآداب الاجتماعية . ويفضي فقدان المهارة هذا احياناً الى اعمال يعبر عنها بالتصرفات غير الناضجة ، السلوك الوقح ، التعامل غير المؤدب وحتى عدم الحياء . ويدخل الناشيء الساحة الاجتماعية وهو ملتزم بآرائه وافكاره الصبيانية رغم مايدعيه من ذكاء ويريد من خلال تقليد الموضات ادخال نفسه في ذلك الجمع ويصبح وسط الجمع ذو نزعة الى الظهور وينتابه شعور بالتباهي ولايستطيع تحمل نقد الآخرين وافكارهم وسلوكهم . ومن هنا يمكن تفسير ما يقوم من هجمات واعتراضات وما يضمر من احقاد ويمكن دراسة الهوة الاجتماعية بين الافراد وظهور التناقضات .
- التعرض في العلاقات الاجتماعية : تحصل لدى الناشيء في علاقاته حالات نزعة الى التفوق ومن الطبيعي ان الآخرون لايتحملون هذا الوضع ويتبع ذلك حصول نزاع بينهم . وهذه القضية شديدة الى درجة بحيث ان مرحلة الفتوة اعتبرت مرحلة التعارض . ويخوض الناشيء مواجهه مع الجميع وينتقد الجميع وينتقد ويعترض على الجميع حتى على ابويه ، ويعتقد انهم لايفهمونه ، وانهم يضغطون عليه بلا مبرر ، ويمارسون القوة معه وهذا يؤدي الى ظهور مواقف خشنة وعدم مماشاة مع الابوين على الاقل ويتغير تفكيره الطفولي – حيث كان يعتبر الابوين خاليين من العيب والنقص – ولايتوقف الامر عند الشك بالوالدين بل يحاول تضخيم عيوبهما وتؤدي هذه القضية الى اتساع دائرة المعارضة والنزاع.
- التأسي : ان الشوق الشديد لدى الناشئين الى الدخول الى المجتمع ناجم عن رغبتهم في مشاهدة نماذج يقتدى بها والقبول بأحدهما . ولاننسى ان قيم الناشيء في اطار التجليات السلوكية منبثقة ممن يتأسى بهم . ويلتزم الناشؤون بالمقررات الاجتماعية التي تحظى بقبول من يتأسون بهم . وفي حالة عثورهم على الشخص المطلوب يحاولون تقليده وبلورة تصرفاتهم وأفعالهم على ذلك الأساس . ولو ارادوا لعب دور في الاسرة او خارج البيت فانهم يتخذون بعض الاشخاص اسوة لهم وفي هذا الطريق قد يصل بهم الافراط الى درجة بحيث انهم يذوبوا في من يتخذونه اسوة.
- الانطواء الاجتماعي : وعلى اي حال فان الوضع لايكون دائماً بالشكل الذي تتحق فيه جميع رغبات الناشئين ، فهم يوفقون في نيل بعضها ولايوفقون في نيل البعض الآخر . وحين لاينالون موفقية فانهم قد :
* يتخذون موقفاً ويبدون غضبهم .
* يبدون استيائهم من الوضع الواهن عن طريق الخمود وقطع العلاقة .
* يختارون الانطواء في بعض اماكن منازلهم .
* واحياناً ينعزلون من خلال الهرب من البيئة التي يعيشون فيها . وفي الانطواء الاجتماعي الذي يحصل غالباً للاناث فانهن يصبحن خجلات ومنطويات ويصبحن صامتات او يتكلمن قليلاً.
ويهربن من معاشرة الاقرباء ويصبحن احياناً مشاكسات ويتخذن موقفاً خطيراً ازاء انفسهن وازاء الآخرين.