الخطوط العامة لتربية الناشئ

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

 

ان تربية الناشئ هي من القضايا الصعبة والمعقدة احياناً . ولغرض النجاح في هذا الامر ينبغي الاستفادة من اساليب وطرق متعددة بعضها معقد جداً . انم بدء تربية الناشئ هو مبدء ضروري وفرصة الفتوة فرصة جديرة بالاغتنام . ويعتبر الاسلام هذه الفرصة من اعظم نعم الله ويسأل الانسان عنها يوم القيامة . ان اهتمام رسول الله ( ص ) بجيل الشباب وتسليم ولاية مكة لشاب اسمه ( عتاب ) كان يبلغ من العمر آنذاك 21 سنة وتسليم قيادة الجيش لـ ( أسامة ) الذي كان في سن الثامنة عشر يعبر عن هذه الاهمية .

وينبغي السرعة في تربية الناشيء بسبب ان المظاهر البراقة واحياناً المظاهر الخادعة قد تبعده عن مسير التقوى والتكامل ويتعرض تقبله للاصلاح الى اخطار ويهيء الارضية لانحراف فكره . وفي هكذا حالة فان الكهلة سيتحملون مسؤولية هذا الامر بالتأكيد .

ان موقفنا ازاء الناشئين ينبغي ان يكون موقف المشاورة ، تقديم الاقتراحات ، التشجيع ،الاشارة والتوجيه ، تهيئة الارضية للنمو والكمال والاهتمام بارضية النمو ، مع الاهتمام بالقيم الدينية والاخلاقية وحفظ شرفهم وعفتهم الانسانية.

 

اساس التربية

ان اساس تربية الناشيء يقوم على الاشباع الموزون والمشروع للرغبات ، اصلاح الميول والرغبات ، تقديم التعليم اللازم ، حل التناقضات والتعارضات ، ازالة حالات الشك ، مراقبة الاخطار والاضرار ، تهيئة الارضية للاكتفاء الذاتي ، تقوية الذهن لتشخيص الحسن والسيء ، الحصول على امكانية الحكم واصلاح التطلعات غير المدروسة .

وتبذل مساعي لتوجيه حب الاطلاع لدى الناشيء نحو الاستفهام وطلب العلم والاختراع بالشكل الذي لايتخلف عن اقرانه ، وتتحرر قابلياته ويتعرف جيداً على القيم الانسانية .

كما ان الاساس في تربية الناشيء يقوم على ان نهيء الارضية ليدرك الاساس المنطقي والفلسفي للحياة ويسعى الى تقبل الموارد الضرورية والممكنة بالاستدلال ويصل الى اليقين .

وينبغي ان توجه التدريبات والتعليم في الاتجاه الذي ينسجم مع نمو وذوق الناشئين ويبعدهم عن حالة الجهل باسرار الحياة ويرفع العراقيل التي تعترض النمو ويمهد طريق الكمال . نحن مكلفون بحل المشكلات ويحتاج الناشؤون في هذا الطريق الى الثقة بنا ويكون لديهم استعداد لذكر كلامنا لنا . وهناك موارد كثيرة جديرة بالذكر في هذا الصدد منها :

-         الضروريات الاولية : ان الضروريات الاولية في تربية الناشئين تشمل موارد فيما يلي بعضها :

*       معرفة الناشيء بالابعاد الحياتية ، البدنية ، الغريزية ، الاخلاقية ، العاطفية وغيرها .

*       الاتصال الوثيق بالناشيء لتهيئة ارضية التفاهم معه كي تصبح التربية ممكنة في ظل ذلك .

*       ممارسة سياسات دعم ولكن ليس بالشكل الذي يسلب منه القابلية على التحرك والسعي فيصبح تابعاً .

*       التخطيط لتربيتهم وفقاً لمبدء التدريج والمرحلية والاخذ بنظر الاعتبار ان لكل مرحلة متطلبات .

*       ابداء المحبة له بصورة مكررة كي يصدق اننا نحبه وان له مكانة في الحياة العائلية.

*       مراعاة احترامه وفقاً لمبدء الكرامة الذاتية للانسان التي قررها الله ( سورة الاحزاب ) .

*       تهيئة انفسنا للرفق ومداراة الناشيء والالتفات الى ان مسؤولية الآباء في هذه المرحلة كبيرة.

*       التعايش معه وملازمته والتي طالب بها الاسلام والتعاليم الاسلامية تؤكد على ان يكون الناشيء في السنين السبع الثالثة من عمره وزيراً وملازماً للوالدين  ( مكارم الاخلاق ) .

*       الاعتقاد بان الناشيء يمكن توجيهه ويجب ان لانيأس منه بسبب حالة العنفوان والشر التي نلاحظها عليه حالياً .

-         لفت الانتباه : ان لفت الانتباه يشكل جزء من عملنا ووظيفتنا وهناك عدة مجلات في هذا الصدد منها:

*       لفت الانتباه الى العلم والعلم يمكن ان يكون اساساً للفضائل ( سقراط  ).

*       لفت الانتباه الى الاخلاق وفي ظلها تسود ضوابط مدروسة في علاقاته .

*       لفت الانتباه الى ادين وهو ضروري لاداء الواجب الانساني امام الله وكذلك الحصول على سكون نفسي .

*       التوجيه نحو القدوات المشرفة مثل الرموز المعرفة من قبل الاسلام .

*       لفت الانتباه الى قيمته وعزته الذاتية والفطرية والى ان الجنة هي ثمن الانسان                      ( سورةالتوبة ).

*       لفت الانتباه الى معرفة نفسه وتهذيبها ولا يصلح الناشيء مادام لا يعلم ولا يريد .

*       لفت الانتباه الى عوامل وحواجز رشد الانسان ومعرفة ماهي عوامل صعوده وسقوطه .

*       لفت الانتباه الى فلسفة الحياة واسرارها وانه لماذا وكييف يجب العيش ، وباي هدف واداة وغير ذلك .

*       لفت الانتباه الى دوره ووظيفته في الحياة فيما يتعلق بنفسه وبالله وبالطبيعة.

           التنبيه وهذا الصدد ثمة مسائل جيدة وقيمة جديرة بالاهتمام منها :

*       التنبيه الى مراعاة الآداب والسنن الصحيحة والادب والنزاكة الكثيرة في العلاقات وتحمل آراء الآخرين .

*       التنبيه الى الحريات المشروطة والمفيدة التي يتهرب منها الناشيء عادة .

*       التنبيه الى مراعاة التوازن والاعتدال في الحياة وفي جميع القضايا والامور .

*       التنبيه الى امتلاك برنامج في الحياة وتنظيم الاعمال في العلاقات والاكل والنوم والعمل والدراسة .

*       التنبيه الى كتمان السر في الحياة والعلاقات مع الابوين والاصدقاء والمعلمين وغيرهم .

*       التنبيه الى الواقعية والهدفية بالشكل الذي يتم السير في الحياة وفقاً لهدف مدروس .

*       التنبيه الى حفظ التراث الفكري والديني مع التأكيد على المعرفة وتقييم الجوانب الايجابية والسلبية ومراعاتها .

*       التنبيه الى حفظ شخصيته الانسانية واعتبار نفسه أمانة إلهية والدفاع عن نفسه وترشيدها .

*       التنبيه في مجال محاسبة النفس وفقاً للرؤية الدينية وتذكر المعاد والسعي في اتجاه رشده وكماله .

التمهيدات : هناك عوامل كثيرة ينبغي ان تتوفر للناشيء كي يكون في حظ وطريق الرشد . وفي هذا الصدد ثمة موارد جديرة بالذكر فيما يلي بعضها :

*       التمهيد للرشد والكمال المقدر للناشيء في كافة الجوانب والامور.

*       التمهيد للاستقلال ف بالحياة والوصول الى مرحلة الاكتفاء الذاتي في ادارة الامور .

*       التمهيد لعزة النفس والاعتماد عليها وعلى إمكاناته بالاعتماد على مبدء الثقة بالله .

*        التمهيد لطلب طاعة الوالدين والاستفادة من تجاربهما واسلوبهما في حياتهما الشخصية .

*       التمهيد لاصلاح النفس والعثور على شخصيته الانسانية بالاستفادة من اساليب وفنون تهذيب النفس .

*       التمهيد لزيادة المعلومات الدينية والاخلاقية وكل مايستخدمه لحياته المستقبلية .

*       التمهيد لامتلاك اشتراك فكري وتفاهم مع الآخرين وكذلك التمهيد للوحدة .

*       تهيئة الظروف ليتمكن من التفرغ ساعات من اوقاته لنفسه ولربه .

اعمال السيطرة والامتناع : ان الناشيء لم يحصل بعد على التجربة اللازمة للحياة وبالطبع لايستطيع تشخيص جميع انواع الصلاح والفساد . واحياناً السيطرة عليه ومنعه عن بعض الامور في بعض الموارد او ابعاده عن الاوضاع غير الصابئة.

وفي مجال السيطرة على الناشيء ينبغي ان نهتم بالمسائل التالية : السيطرة على الزلات ، السيطرة على العلاقات والمعاشرات ، السيطرة على محيط واماكن الخلوة في حالات الاختلاط ، السيطرة عليه في العلاقات الجماعية والشبكات ، السيطرة علية في الطعام والملابس وتزيين نفسه ، سيطرة الوالدين فيما يتعلق بالانس فيما بينهما امام الطفل وغير ذلك .

وفي مجال اعمال الامتناع ينبغي الاهتمام بالمسائل التالية : الامتناع عن ممارسة الضغط والتشدد ، الامتناع عن السلوك التحقيري لهم والذي هو من الاسباب الرئيسية لانعزالهم خاصة وانهم ذوو قلوب رقيقة جداً .

الامتناع عن المعاقبة وخاصة امام الكبار والذي يترتب عليه تحطيم شخصيته ، الامتناع عن سوء الظن في غير محله والذي لا اساس له ، الامتناع عن مواجهة الناشيء ، الامتناع عن التوبيخ خاصة وان التوبيخ المستمر يمهد للعصيان ، الامتناع عن قمعهم ، الامتناع عن القيام بعمل يؤدي الى شعوره بالحماقة ، الامتناع عن التخجيل والامتناع عن اعمال العنف .

مبادئ واساليب التربية : هناك مبادئ ينبغي مراعاتها في تربية الناشيء وهي : مبدأ الاعتدال ، مبدأ المصالحة ، مبدأ التدرج ، مبدأ المرونة ، مبدأ مراعاة الدين والاخلاق ، مبدأ ممارسة القوة في الموارد الضرورية ، مبدأ مراعاة متطلبات الحياة ، مبدأ الابتعاد عن الضجات ، الابتعاد عن التصرفات السلبية ، مبدأ الابتعاد عن اللجاجة وممارسة الغضب مع الناشيء ، مبدأ المدح ، مبدأ  اثارة قوة الابتكار وغير ذلك .

ان الطرق التي تستخدم في تربية الناشيء هي : طريقة الموعظة ، التعريض والكناية ، ذكر القصص ، استخدام الامثال والحكم ، ذكر العبر للاعتبار ، الانذار والتخويف ، التبشير ، قطع العلاقة لفترة قصيرة ، الرفق ، التفاهم والمدراراة وطريقة التسامح والتساهل بقية الضوابط والمبادئ : وهناك مسائل اخرى في هذا الصدد تستحق الاهتمام وهي:

تهيئة الارضية لممارسةالحياة وتحمل المسؤولية ، تهيئة الارضية لاستخدام القابليات ، تنظيم اوقات الناشيء ، التشاور معه لحل مشكلاته ، التنبيه على صعيد اشكالاته الاخلاقية ، تنبيهه عند الخروج من حالة التوازن ، تشجيعه على حل مشاكله ، زرع روح الامل لديه حين حصول حالة اليأس ، بناء علاقة وثيقة وعاطفية معه ، تنبيهه عند حالة نسج الخيال لضبط النفس ازاء الضجات الخيالية ، الاعلان بصورة متكررة من قبل ذوي العلاقة عن حبهم له .

وينبغي الاخذ بنظر الاعتبار الموارد التالية في التعامل مع الناشيء :

التصرف بحلم معه ، الاهتمام بكرامته الذاتية ، تهيئته لمواجهة الحقيقة ، تسكينه في الازمات ، تهيئة الارضية لنفخ روح الاحسان والشعور باللذة من ذلك لديه ، حثه على استغلال الفرص وتهيئة الارضية لاستفادته من اللذائذ المشروعة .

 

مسألة مهمة

ينبغي ان تبدأ تربية الانسان منذ مرحلة الطفولة كي تقل المشاكل التي نواجهها في مرحلة الفتوة . وينبغي العلم ان تربية عدد من الناشئين هو أصعب ، وتربية المدللين وذوي العقد ومن ترعرع في بيئات مليئة بالتناقض ومن لديه مشكلة نفسية وغير ذلك هو اكثر صعوبة .

والسؤال المطروح هنا هو الى متى ينبغي استمرار التربية ؟ والجواب على ذلك هو انها تستمر حتى يتمكن الناشيء من ادارة نفسه بالاسلوب الاعتيادي ويكون قادراً ان يصبح اباً ويقوم بتربية ولده ويرى كانت ان هذا الامر هو سن السادسة عشر وسن الحادية والعشرين وفقاً لما جاء في الاسلام .